في عمل يوم التروية (وهو اليوم الثامن من ذي الحجة) | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 3 ربيع الأول 1442 هـ الموافق لـ 20 أكتوبر 2020 م



الفتوى رقم: ١٠٢٤

الصنف: فتاوى الحج - أحكام الحج

في عمل يوم التروية
(وهو اليوم الثامن من ذي الحجة)

السـؤال:

يُرجى إفادتُنا بأعمال الحج في يومه الأوّل أي يوم التروية بشيءٍ من التفصيل. وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فتظهر الأعمال التي يقوم بها الحاجُّ في يومه الأوَّل على الوجه التالي:

·   أولا: إذا كان اليوم الثامن مِنْ ذي الحجَّة وهو يومُ التروية(١)، فإنَّ على مَنْ حَلَّ بمكَّة ومَنْ أراد الحجَّ مِنْ أهلها أَنْ يُحرِم ضُحًى مِنَ الموضع الذي نَزَل فيه مِنْ غيرِ أَنْ يذهب إلى البيت الحرام أو إلى ميزابه ليُحْرِم عنده.

ويُستحَبُّ له عند إحرامه بالحجِّ أَنْ يفعل ما تقدَّم مِنْ أعمال الإحرام بالعمرة مِنَ التنظيف والاغتسال والتطيُّب ولُبسِ ثياب الإحرام(٢) ثمَّ يقول: «لَبَّيْكَ حَجًّا، لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ».

ويُستحَبُّ له الإكثارُ مِنَ التلبية ولا يقطعها حتَّى يرميَ جمرةَ العَقَبة الكبرى يومَ النحر.

ويدلُّ عليه حديثُ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما: «أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَحْلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنًى»، قَالَ: «فَأَهْلَلْنَا مِنَ الأَبْطَحِ»(٣)، ففيه دليلٌ على أنَّ الإهلال بالحجِّ مِنْ مَحَلِّ السكن؛ لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان نازلًا في بَطْحاءِ مكَّة(٤).

وفي حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ»(٥).

·   ثانيا: ويُسَنُّ للحاجِّ التوجُّهُ إلى مِنًى قبل الزوال أو بعده مِنْ يوم التروية، فيبيت بمِنًى ليلةَ عرفة، ويصلِّي بها الظهرَ والعصر والمغرب والعشاء والفجر، كُلَّ صلاةٍ في وقتها بلا جمعٍ، ويقصر الرُّباعيَّة منها، ثُمَّ يمكث بها حتَّى تطلع الشمسُ في اليوم التاسع، قال ابنُ عبد البرِّ رحمه الله: «أمَّا صلاتُه ـ أي: ابن عمر رضي الله عنهما ـ يومَ التروية بمِنًى: الظهرَ والعصر والمغرب والعشاء والصبح، فكذلك فَعَل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؛ وهي سنَّةٌ معمولٌ بها عند الجميع مُستحَبَّةٌ، ولا شيءَ عندهم على تاركها إذا شَهِد عَرَفةَ في وقتها؛ أمَّا غُدُوُّه منها إلى عَرَفةَ حين تطلع الشمسُ فحسنٌ، وليس في ذلك عند أهل العلم حَدٌّ؛ وحَسْبُ الحاجِّ البائت بمِنًى ليلةَ عَرَفةَ ألَّا تزول له الشمسُ يومَ عَرَفةَ إلَّا بعرفة»(٦).

ولا فَرْقَ في قصر الصلاة بين أهل مكَّة وغيرِهم مِنْ أهل الحِلِّ والآفاق لثبوتِ صلاة النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالناس مِنْ أهل مكَّة وغيرِهم بمِنًى وعَرَفةَ ومُزدلِفةَ قصرًا، ولو كان الإتمامُ واجبًا لَأمَرَهم به كما أمَرَهم به عامَ الفتح(٧) ـ على فرض اعتبارِ صحَّة الحديث ـ و«تَأْخِيرُ البَيَانِ عَنْ وَقْتِ الحَاجَةِ لَا يَجُوزُ».

ويَلْزَم القصرُ ـ أيضًا ـ في حقِّ أهل مِنًى المقيمين بها على الراجح؛ لأنه لم يُنقَل أنَّ أحَدًا منهم أَتمَّ صلاتَه بعد صلاة النبيِّ صلى الله عليه وسلم مع أنَّ الهِمَمَ والدواعيَ تتوفَّر لنقلِه(٨)؛ ويدلُّ عليه حديثُ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما قال: «فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ وَالفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ»(٩)(١٠).

وعن نافعٍ عن ابنِ عمر رضي الله عنهما: «أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ إِذَا اسْتَطَاعَ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ بِمِنًى مِنْ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى»(١١).

وعن عبيد الله بنِ عبد الله بنِ عمر رضي الله عنهما عن أبيه قال: «صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ»(١٢).

·   ثالثًا: هذا، ولا تجب صلاةُ الجمعة على الحاجِّ وإِنْ وافقَتْ يومًا مِنْ أيَّام الحجِّ كمِنًى وعرفة ومزدلفة؛ لأنه لم يُنقَل عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه صَلَّى الجمعةَ في حَجَّته مع أنها وافقَتْ يومَ عرفة، وإنما صلَّاها ظهرًا وجَمَع معها العصر، كما لم يُنقَل أنه صلَّاها صلى الله عليه وسلم في أسفاره، وقد وَرَد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَعَلَيْهِ الجُمْعَةُ يَوْمَ الجُمَعَةِ، إِلَّا مَرِيضٌ أَوْ مُسَافِرٌ أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَمْلُوكٌ»(١٣)، وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَيْسَ عَلَى المُسَافِرِ جُمُعَةٌ»(١٤).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في : ١٨ رجب ١٤٣٠ﻫ
الموافق ﻟ:١٠ جويلية ٢٠٠٩م



(١) قال الشوكانيُّ في «نيل الأوطار» (٦/ ١٥٤): «وإنما سُمِّي بذلك لأنهم كانوا يُرَوُّون إِبِلَهم فيه ويتروَّوْن مِنَ الماء؛ لأنَّ تلك الأماكنَ لم يكن فيها ـ إذ ذاك ـ آبارٌ ولا عيونٌ».

(٢) لا يُشترَط للحاجِّ تغييرُ ثياب الإحرام التي أَحرمَ بها في عُمرته، كما لا يُشترَط أَنْ تكون جديدةً، والأَوْلى أَنْ تكون نظيفةً.

(٣) أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» (١٢١٤) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(٤) قال ابنُ عبد البرِّ رحمه الله في «التمهيد» (٢٤/ ٤٢٩): «الأبطح: وهو قُرْبَ مكَّة، وفيه مقبرةُ مكَّة، وهو منزلٌ نَزَله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في حَجَّته قبل دخوله مكَّةَ وفي خروجه عنها مُنصرِفًا». وقال النوويُّ رحمه الله في «شرح مسلم» (٨/ ١٦٢): «الأبطح: هو بطحاءُ مكَّة، وهو مُتَّصِلٌ بالمحصَّب... إنما أحرموا مِنَ الأبطح لأنهم كانوا نازلين به، وكُلُّ مَنْ كان دون الميقات المحدود فميقاتُه منزلُه» بتصرُّف.

(٥) أخرجه البخاريُّ في «الحجِّ» باب الركوب والارتداف في الحجِّ (١٥٤٤) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٦) «الاستذكار» لابن عبد البرِّ (٤/ ٣٢٨).

(٧) وقد رُوِيَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه أَمَر أهلَ مكَّةَ عامَ الفتح أَنْ يُصلُّوا أربعًا، فقَدْ أَخرجَ أبو داود في «الصلاة» باب: متى يُتِمُّ المسافرُ؟ (١٢٢٩) وغيرُه مِنْ حديثِ عِمْران بنِ حُصينٍ رضي الله عنه قال: «غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَهِدْتُ مَعَهُ الفَتْحَ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ، وَيَقُولُ: «يَا أَهْلَ البَلَدِ، صَلُّوا أَرْبَعًا فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ»»، وفي إسناده مقالٌ، [قال ابنُ الملقِّن في «البدر المنير» (٦/ ٢٢٢): «ومَدارُه مِنْ هذه الطُّرُقِ كُلِّها على عليِّ ابنِ زيد بنِ جدعان.. وهو صاحبُ غرائبَ»، وضعَّفه الألبانيُّ في «المشكاة» (١/ ٤٢٣)].

(٨) أمَّا إتمامُ عثمان بنِ عفَّان رضي الله عنه فللعلماء في تأويلِ سببِ إتمامه خلافٌ، ولا يخرج فعلُه رضي الله عنه عن كونه اجتهادًا منه خالفه عليه الصحابةُ رضي الله عنهم وأَنكرَه عليه بعضُهم؛ والمعلومُ أنَّ الصحابةَ رضي الله عنهم إذا اختلفوا على قولين لَزِم التخيُّرُ مِنْ أقوالهم ما يُوافِقُه الدليلُ وتدعمه الحُجَّة، وقد جاءَتِ النصوصُ النبوية صريحةً في القصر ولم يُنقَل خلافُه، وما تعيَّن بالنصِّ وَجَب المصيرُ إليه.

(٩) أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» (١٢١٨) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما الطويل.

(١٠) هكذا السُّنَّة الثابتة عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: المبيت بمِنًى ليلةَ عَرَفة، ثمَّ التوجُّه منها إلى عَرَفة بعد طلوع الشمس، لا كما يفعله كثيرٌ مِنَ المُطوِّفين ومَنْ تَبِعهم مِنَ المُرشِدين مع الحُجَّاج، حيث ينقلونهم مِنْ مكَّة إلى عَرَفةَ يومَ التاسع مباشرةً مِنْ غيرِ مَبيتٍ بمِنًى مع أنَّ مذهبَ مالكٍ كراهةُ الإقامة بمكَّة يومَ التروية حتَّى يُمْسِيَ، [«فتح الباري» لابن حجر (٣/ ٥٠٩)]؛ فعلى الحاجِّ المُستبصِرِ والحريصِ على دِينه أَنْ يسأل أهلَ العلم ليقع حَجُّه وَفْقَ السُّنَّةِ المُطهَّرة.

(١١) أخرجه أحمد (٦١٣١)، قال الهيثميُّ في «مجمع الزوائد» (٣/ ٥٦٦): «رواه أحمد، ورجالُه ثِقَاتٌ»، وصحَّحه أحمد شاكر في تحقيقه ﻟ «مسند أحمد» (٩/ ٥)، وحسَّنه الوادعيُّ في «الصحيح المسند» (٧٧٠).

(١٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الحجِّ» باب الصلاة بمِنًى (١٦٥٥)، ومسلمٌ في «صلاة المسافرين وقصرِها» (٦٩٤)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.

(١٣) أخرجه الدارقطنيُّ في «سننه» (١٥٧٦)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٥٦٣٤)، مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما. والحديث وإِنْ كان في سنده عِلَّتان إلَّا أنه يتقوَّى بما بعده، انظر شواهِدَه في «السنن الكبرى» للبيهقيِّ (٥٦٣٢ ـ ٥٦٣٥)، و«الإرواء» للألبانيِّ (٣/ ٥٥ ـ ٥٨).

(١٤) أخرجه الدارقطنيُّ في «سننه» (١٥٨٢) مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٥٤٠٥)، وانظر: «الإرواء» (٣/ ٦١).