في حكم التعامل مع المال الحرام | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 17 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 14 ديسمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١٠٧

الصنف: فتاوى المعاملات المالية

في حكم التعامل مع المال الحرام

السؤال:

أخي مفتِّشٌ في الضرائب وهو غيرُ متزوِّجٍ، يُقيمُ معنا في البيت، ولكونه لا يَستقِلُّ بماله لشراءِ لوازم البيت فإنِّي أجِدُ حرجًا في الانتفاع بما يأتي به أكلًا أو استعمالًا، مع العلم أنَّ المعنيَّ بالإنفاق هو الوالد، لكِنْ يُساعِده في كُلِّ شيءٍ تقريبًا، فهل يَحْرُم عليَّ الانتفاعُ بما يجلبه إلى البيت أم لا؟ وأحيانًا يكون الأكل مزيجًا مِنْ مال الوالد ومالِ أخي؛ مع العلم أنَّ أخي استفتى إمامًا بالحيِّ فأجاز له العملَ في الضرائب، وهو يَعتبِرُه أهلًا للسؤال والفتوى ـ كونَه إمامًا ـ أمَّا أنا فلا أعتبره كذلك لِمَا بلغني عنه مِنْ مخالفاتٍ تجعلني لا أَثِقُ بفتواه وتقواه.

فهل يكون بهذا إثمُه على مَنْ أفتاهُ ومالُه حلالًا ينتفع به الجميعُ، أم يبقى ـ بالنسبة إليَّ ـ حرامًا لعدم صدور الفتوى مِنْ أهلها؟

كذلك هو يسأل عن كونه أحيانًا يساعد أصحابَ المحلَّات في تقليصِ وتخفيضِ قيمة الضريبة، وكثيرًا ما يكون جزاءُ هذا العملِ أنَّهم يقدِّمون له هدايَا وسِلَعًا مِنْ تلك المحلَّات والمصانع؛ فما حكمُ ما فَعَله مِنَ المساعدة؟ وما حكم الهدايا، ودائمًا تحت فتوى الإمام السابق أنَّها حلالٌ ما دام لم يطلبها هو؟ أفيدونا شيخَنا حَفِظكم الله.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فبالنسبة لصاحب العمل غيرِ المشروع في الأصل إذا قَبَض المالَ بطريقٍ فاسدٍ يعتقد صحَّتَه بناءً على فتوَى مَنْ ظنَّ السائلُ أنَّه أهلٌ لها واطمأنَّتْ نفسُه إليه؛ فإنَّه يملك ما قَبَضه لأنَّه سَلَك ـ لمعرفة الحكم الشرعيِّ ـ الطريقَ المطلوب المتمثِّل في قوله تعالى: ﴿فَسۡ‍َٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ [النحل: ٤٣؛ الأنبياء: ٧]، وفي قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؛ فَإِنَّمَا شِفَاءُ العِيِّ السُّؤَالُ»(١)، وإِنْ وَقَع الإثمُ فإنَّما يقع على مَنْ أفتاهُ مِنْ غيرِ ثبتٍ أو سندٍ شرعيٍّ أو لم يكن أهلًا للاجتهاد والفتوى، فإذا توفَّرَتْ في المفتي الشروطُ المُعتبَرةُ في الفتوى فهو مأجورٌ أصاب أو أخطأ؛ لحديثِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنه مرفوعًا: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»(٢)، والعامِّيُّ لا مذهبَ له، وله أَنْ يتخيَّرَ مِنَ العلماء إذا عَجَز عن إدراك الأفضلِ علمًا وورعًا، فإِنْ أدرك ـ بعد ذلك ـ أنَّ المفتيَ ليس أهلًا للفتوى أو لم تطمئنَّ نفسُه إليه، وعَلِم أنَّ ما اكتسبه مِنْ أموالٍ مِنْ نِتاجٍ حرامٍ؛ فما استهلكه قبل العلم بحرمته فهو عفوٌ، وما حَصَل عليه بعده فيجب التخلُّصُ منه في المرافق العامَّة، وإلَّا فإلى الفقراء والمساكين والمحتاجين، يتصدَّق به؛ لقوله تعالى: ﴿وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٧٨ [البقرة]، وقولِه تعالى: ﴿فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ [البقرة: ٢٧٥]، ولحديثِ أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ فَقَالَ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٥١ [المؤمنون]، وَقَالَ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ [البقرة: ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالحَرَامِ؛ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!!»(٣).

والهدايا والعطايا المأخوذةُ بسبب المَنْصِب حرامٌ وغُلولٌ؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا، فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ»(٤)، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ»(٥)، وفي الحديث ـ أيضًا ـ: «مَنْ شَفَعَ لِأَخِيهِ بِشَفَاعَةٍ، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيْهَا فَقَبِلَهَا، فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا»(٦).

أمَّا السائل المُعتقِد للتحريم وهو تحت سقفِ أبيه؛ فإِنْ كان مالُ أبيه الحلالُ ممزوجًا بمالِ ابنه الحرام مِنْ غيرِ تمييزٍ، وكان الحرامُ منه أقلَّ مِنَ الحلال لكثرته حَلَّ؛ لأنَّ الأقلَّ يتبع الأكثرَ، وله أَنْ يُقلِّل مِنْ تناوُلِ طعامه مِنْ باب الورع ـ إِنْ شاء ـ وإِنْ كان الأكثرُ حرامًا حَرُمَ؛ إقامةً للأكثر مَقامَ الكُلِّ ـ كما تقدَّم في صورة الحلال ـ تأسيسًا على قاعدةِ أنَّ «مُعْظَمَ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقَامَ كُلِّهِ».

وعليه ـ في هذه الحالِ ـ أَنْ يَمتنِعَ عن مؤاكلة والدِه، وإِنْ كان ساخطًا فلا يُوافِقه على الحرام المحض، بل ينهاهُ عنه؛ ﻓ «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»(٧)، وإِنْ رأى حصولَ الضررِ في نفسه حالَ الامتناع، ولا يقوى على المحافظة على بدنه وقِوامِ ذاته إلَّا بتناوله؛ فعليه أَنْ يُقلِّل مِنَ الأكل ولا يوسِّعَ إلَّا بقَدْر الحاجة؛ عملًا بقاعدةِ: «الضَّرُورَاتُ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا»، وما زاد عن ذلك فهو عدوانٌ؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِ [البقرة: ١٧٣]، ولقوله تعالى: ﴿وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَيۡهِ [الأنعام: ١١٩].

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 


(١) أخرجه أبو داود في «الطهارة» بابٌ في المجروح يتيمَّم (٣٣٦) مِنْ حديثِ جابرٍ رضي الله عنه؛ وبرقم: (٣٣٧)، وابنُ ماجه في «الطهارة» بابٌ في المجروح تُصيبُه الجنابةُ فيخاف على نفسه إِنِ اغتسل (٥٧٢)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٤٣٦٣).

(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الاعتصام بالكتاب والسنَّة» بابُ أجرِ الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أَخْطأَ (٧٣٥٢)، ومسلمٌ في «الأقضية» (١٧١٦)، مِنْ حديثِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنه.

(٣) أخرجه مسلمٌ في «الزكاة» (١٠١٥) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٤) أخرجه أبو داود في «الخراج والإمارة والفيء» بابٌ في أرزاق العُمَّال (٢٩٤٣) مِنْ حديثِ بُرَيْدةَ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٠٢٣).

(٥) أخرجه مسلمٌ في «الطهارة»  (٢٢٤) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمر رضي الله عنهما.

(٦) أخرجه أبو داود في «الإجارة» بابٌ في الهديَّة لقضاء الحاجة (٣٥٤١) مِنْ حديثِ أبي أمامة رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٣٤٦٥).

(٧) أخرجه أحمد (١٠٩٥) مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٧٥١٩).