في حكمِ بيع البيوت المؤجَّرة مِنْ غير إذنِ أصحابها | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 10 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 07 ديسمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١٠٩

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - البيوع

في حكمِ بيع البيوت المؤجَّرة مِنْ غير إذنِ أصحابها

السؤال:

١. عمارةٌ أَكْرى صاحبُها شُقَقَها للناس منذ مدَّةٍ بعيدةٍ؛

٢. صاحِبُ العمارة على عاتقه ضرائبُ طائلةٌ ويرفض دَفْعَ ثمنها للدولة؛

٣. هذه العمارة حالتُها مُزْرِيةٌ حيث تعرَّضَتْ جدرانها للتصدُّع وقنواتُ المراحيض بلغت الذروةَ في التعطُّل عن القيام بمَهامِّها، الأمر الذي جعل سكَّانَ العمارة يقومون بتصليح بيوتهم والقنوات الرئيسة على حسابهم الخاص؛

٤. الدولة خيَّرَتْ صاحِبَ العمارة (بعد مجالس قضائية) بين دفعِ الضرائب التي على كاهله وإصلاح العمارة للسّكَّان حتى لا تصير خطرًا حقيقيًّا عليهم، وبين (في حالة رفضه للأمر الأول) التنازل عنها لتصير من حق الدولة وبالتالي يكون من حق هذه الأخيرة التدخل في الشؤون الخاصة بالعمارة وسكانها وفعلا قامت بنقل عدد لا بأس به من السكان إلى مساكن أخرى مع بقاء الأغلبية في عمارتهم العتيقة؛

٥. صاحب العمارة لم يكترث لهذه الأوامر وبقي كعضو أشل، حيث إنّه لم يدفع الضرائب، ولم يصلح العمارة، ولم يعد يأتي أصلا ليتقاضى كراءه وهذا منذ أكثر من عشرين سنةّ

٦. الدولة بدورها أهملت السكان الباقين ولم تعطهم أي وثائق رسمية لمساكنهم؛

٧. السكان بدورهم تحرروا من صاحب العمارة ومن الدولة أيضا، حيث إنّهم (ونظرا لتفاقم أزمة السكن عندنا) أصبحوا يبيعون بيوتهم بطريقة البيع (بالكلمة فقط) أي بدون وثائق رسمية ما عدا وصل الكراء والغاز والماء، وليس كلّ السكان يملك هذه الأوراق الأخيرة؛

٨. الشاهد ممّا سبق عرضه أنّ بعض السكان المتدينين يسألون هذا السؤال:

ما حكم بيع بيوتهم بهذه الطريقة؟ ألا يدخل هذا في بيع ما لا يملك؟

إذا كان الجواب بعدم جواز بيع مثل هذه البيوت فما حكم المال الذي تقاضاه صاحبه بعد أن باع بيته بدون أوراق رسمية وبقبول تام من المشتري؟ (أي أنّ المشتري اهتم بالمسكن حتى وإن كان بدون وثائق).

أفتونا مأجورين وجزاكم الله خير الجزاء.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّ هذه المعاملة المذكورة ليسَتْ بيعًا عينيًّا حقيقيًّا؛ لأنَّ المستأجر لا يملك الشُّقَّةَ ـ أوَّلًا ـ ولا تنتقل ملكيَّتُها إلى المشتري ـ ثانيًا ـ فانتفاءُ شرطِ ملكية الشيء المبيع ورِضَا صاحبِه يُفْضي إلى الحكم بالمنع شرعًا، ولا يَحِلُّ لأيِّ شخصٍ ـ طبيعيًّا كان أو معنويًّا ـ أَنْ يعتديَ على مالِ غيره أو ينزع مِلْكيَّتَه ويتصرَّف فيها إلَّا برِضاهُ، إلَّا في حالاتٍ استثنائيةٍ يُنْزَع فيها المِلكُ مِنْ صاحبه على سبيل الجبر، وذلك طبقًا لقرارِ وليِّ الأمر أو نائبه أو القاضي الذي يقضي بذلك تحقيقًا للمصلحة العامَّةٍ وتقديمًا لها على المصلحة الخاصَّة إِنْ وُجِدَتْ أسبابُها ودواعيها، على أَنْ يُعوَّض مالكُ العقَار المنزوعِ تعويضًا عادلًا، علمًا أنه ـ في عامَّةِ الأحوال فيما عَدَا الحالاتِ الاستثنائيةَ ـ فإنَّ ملكية الأعيان لا تقبل الإسقاطَ؛ لأنه لا سائبةَ في الإسلام، ويدلُّ على عدمِ جوازِ اعتداء الشخص على مالِ غيره أو تصرُّفه في مِلكه: قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ[البقرة:١٨٨]، وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ»(١) الدالُّ على أنَّه لا يَحِلُّ بيعُ الشيء قبل أَنْ يملكه، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ [مُسْلِمٍ] إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ»(٢)، وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»(٣)، والقواعد الشرعية المُتَّفَقُ عليها تأباهُ ـ أيضًا ـ مثل قاعدةِ: أنَّ المالك أحقُّ بالتصرُّف في مِلْكه.

غير أنَّ صورة السؤال المطروحِ إنَّما تتعلَّق بأخذِ بدل الخُلُوِّ مِنْ مستأجرٍ لآخَرَ، أي: يأخذ المستأجرُ الأوَّل مالًا في مُقابِلِ إخلائه المحلَّ لمستأجرٍ جديدٍ يَحُلُّ مكانَه.

وفي تقرير الحكم، فالمسألةُ تحتاج إلى تفصيلٍ، وبيانُه: إمَّا أَنْ يكون عقدُ الإيجار محدَّدًا بوقتٍ بين المالك والمستأجر أو لا؟

فإِنْ كان محدَّدًا وبقي جزءٌ مِنْ مدَّة التعاقد بين المالك والمستأجر، جاز للمستأجر الأوَّل أخذُ مالٍ مِنْ مستأجرٍ جديدٍ مُقابِلَ إخلائه المحلَّ له ليحلَّ مكانه، وهو ما يُسمَّى ببدل الخِلِوِّ، ومشروعيتُه مُستمَدَّةٌ ـ في حقيقة الأمر ـ مِنْ جوازِ بيع المدَّة الباقية مِنَ المنفعة المُستحَقَّة بعقد الإيجار.

أمَّا إذا كانت المدَّةُ طويلةَ الأجل أو غيرَ محدَّدةٍ أصلًا على ما هو جارٍ في بعض القوانين؛ خلافًا لنصِّ عقد الإجارة الشرعية، فإنَّه ـ في هذه الحالة ـ لا يسوغ بيعُ المدَّة أو استئجارُ العين، ولا يصحُّ أخذُ البدل الماليِّ إلَّا بموافقة المالك، فإِنْ رضي استحقَّ بدلَ الخِلِوِّ وأخذَه، وإِنْ سَخِط فالأصلُ أَنْ يعود المستأجِرُ الأوَّلُ والجديد إلى ما كانا عليه قبل التعاقد. 

علمًا بأنَّ مالك العقار أو العمارة يجوز له أَنْ يبيع شُقَّتَه لمستأجرِها على وجه التراضي بعد عقد الإيجار، كما يجوز للمشتري ـ بعد تملُّكها ـ أَنْ يتصرف فيها كما شاء بيعًا كان أو هبةً أو كراءً أو وقفًا.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 


(١) أخرجه أبو داود في «الإجارة» بابٌ في الرجل يبيع ما ليس عنده (٣٥٠٣)، والترمذيُّ في «البيوع» بابُ ما جاء في كراهِيَةِ بيعِ ما ليس عندك (١٢٣٢)، والنسائيُّ في «البيوع» بابُ بيعِ ما ليس عند البائع (٤٦١٣)، وابنُ ماجه في «التجارات» باب النهي عن بيعِ ما ليس عندك وعن ربحِ ما لم يُضْمَن (٢١٨٧)، مِنْ حديثِ حكيم بنِ حزامٍ رضي الله عنه. والحديث صحَّحه ابنُ الملقِّن في «البدر المنير» (٦/ ٤٤٨)، والألبانيُّ في «الإرواء» (١٢٩٢).

(٢) أخرجه الدارقطنيُّ (٢٨٨٦)، وأحمد (٢٠٦٩٥)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١١٥٤٥)، مِنْ حديثِ أبي حُرَّة الرَّقَاشيِّ عن عمِّه رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٥/ ٢٧٩) رقم: (١٤٥٩) و«صحيح الجامع» (٧٦٦٢).

(٣) أخرجه ابنُ ماجه في «الأحكام» بابُ مَنْ بَنَى في حقِّه ما يضرُّ بجاره (٢٣٤٠) مِنْ حديثِ عبادة بنِ الصامت رضي الله عنه، و(٢٣٤١) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٨٩٦) وفي «السلسلة الصحيحة» (٢٥٠).