في حكم تحديد أجرة السمسرة عن طريق النسبة المئوية أو الأجزاء | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 10 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 07 ديسمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١١٤٨

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - الإجارة

في حكم تحديد أجرة السمسرة عن طريق النسبة المئوية أو الأجزاء

السؤال:

هل يجوز للسمسار أَنْ يُقَدِّرَ أُجْرَتَه بالأجزاء كالعشر أو الثلث أو الربع أو عن طريق النسبة المئوية ﻛ (٣%) مِن قيمة بيعِ الأعيان والسِّلَعِ التي تَوَسَّطَ في بيعها؟ وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فلا خلافَ بين أهل العلم في جواز السمسرة إذا تحدَّدَتْ بمبلغٍ معيَّنٍ نوعًا وقَدْرًا، لأنَّ العلم بالأجرة مُتَحَقِّقٌ بثمنٍ مُقَدَّرٍ مُتَّفَقٍ عليه بلا غَرَرٍ.

ولكنَّ الخلاف بين الفقهاء في تحديد الأجرة كالرُّبع ونصفِ الرُّبع أو السُّدسِ مِن ثَمَنِ البضاعة، أو جزءٍ معيَّنٍ مِن كُلِّ مائةٍ وهي النسبة المئوية ﻛ (٢.٥%) مِن ثمن البيع:

• فعلى مذهب الجمهور أنَّ الأجرة بالنسبة لا تجوز، ولو وقَعَتِ استحقَّ السمسارُ أجرةَ المثل، لِما في هذه المُعامَلةِ مِن الغرر في العِوَض بحيث يُجْهَل ثمنُ المبيع؛ فقَدْ تزيد أجرتُه زيادةً فاحشةً لا تَتناسَبُ مع حجم وساطته وعَمَلِه، لأنَّ السمسار أو الدلَّال وسيطٌ وليس بشريكٍ، وقد يُنْتَقَصُ ثَمَنُ المبيع ـ مِن جهةٍ أخرى ـ نقصانًا متدنِّيًا لا يَتلاءَمُ مع وساطته، ومِن ثَمَّ تَرِدُ الجهالةُ المُفْضِيةُ إلى الغَرَرِ المنهيِّ عنه في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ»(١).

قال مالكٌ ـ رحمه الله ـ: «فأمَّا الرجل يُعْطَى السلعةَ فيقال له: «بِعْها ولك كذا وكذا في كُلِّ دينارٍ» لشيءٍ يُسَمِّيه فإنَّ ذلك لا يصلح؛ لأنه كُلَّما نَقَصَ دينارٌ مِن ثَمَنِ السلعة نَقَصَ مِن حقِّه الذي سَمَّى له؛ فهذا غررٌ لا يدري كم جَعَل له»(٢).

قال ابنُ عبد البرِّ ـ رحمه الله ـ: «هذا كما قال مالكٌ عند جمهور العلماء؛ لأنه إذا قال له: لك مِن كُلِّ دينارٍ درهمٌ أو نحوُ هذا ولا يدري كم مبلغُ الدنانير مِن ثَمَنِ تلك السلعة فتلك أجرةٌ مجهولةٌ وجُعْلٌ مجهولٌ، ومَن جَعَلَ الإجارةَ بيعًا مِن البيوع واعتلَّ بأنها بيعُ مَنافِعَ لم يُجِزْ فيها البدلَ المجهول كما لا يُجيزُه الجميعُ في بيوع الأعيان، وهذا هو قولُ جمهور الفقهاء، منهم: مالكٌ والشافعيُّ وأبو حنيفة»(٣).

• وخالَفَ في ذلك الحنابلةُ(٤) وبعضُ المالكية فأجازوا تحديدَ الأجرةِ عن طريق النسبة، قال التسولي ـ رحمه الله ـ: «وعلى ذلك تُخَرَّجُ أجرةُ الدلَّال برُبعِ عُشْرِ الثَّمَن مثلًا، ونصَّ على جوازها بذلك صاحِبُ «المعيار» في نوازل الشركة»(٥).

وعمدتُهم في ذلك أنَّ الأصل في المُعامَلات المالية وسائرِ أنواع التجارات والمَكاسِبِ الحِلُّ والإباحة، و«أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ»(٦)؛ فدلَّ ذلك أنَّ الأجرة بجزءٍ مِن الثَّمَنِ جائزٌ، والحديثُ يقوِّي أصلَ الإباحة ويُؤكِّدُه.

والمُعتبَرُ ـ عندي ـ مذهبُ جمهورِ أهلِ العلم لأنه وإِنْ كان الأصلُ في المُعامَلاتِ الماليةِ الحِلَّ والجوازَ إلَّا أنه اقترن به محذورٌ شرعيٌّ ينقله عن أصله وهو الجهالةُ والغررُ المنهيُّ عنه ـ كما تقدَّم ـ.

والمعلوم ـ مِن جهةٍ أخرى ـ أنَّ السمسرة، سواءٌ كانَتْ مقدَّرةً بالمدَّة أو بالعمل فهي دائرةٌ ـ على اختلاف الفقهاء ـ بين ثلاثة عقودٍ: الإِجارة والجُعالة والوَكالة، وبغضِّ النظر عن أحَقِّ ما تلتحق به مِن العقود السابقةِ فإنها تختلف ـ في تكييفِها الشرعيِّ ـ عن المُزارَعة أو المساقاة؛ فإنهما يدخلان في باب المُشارَكات التي مَبْناها العدلُ بين الشريكين؛ فإنَّ صاحِبَ الأرضِ مع المُزارِعِ أو صاحِبَ الشجرِ مع المُساقي يشتركان في المَغْنَم والمَغْرَم؛ فصورتُهما كصاحِبِ النقود التي دَفَعَها للمُضارِبِ في التجارة؛ فالغُنْمُ بينهما بالجزء أو بالنسبة المئوية والغُرْمُ عليهما، وهذا ـ بلا شكٍّ ـ يختلف عن السمسرة، سواءٌ اعتُبِرَتْ عَقْدَ إِجارةٍ أو جُعالةٍ أو وَكالةٍ؛ لذلك كان إلحاقُ باب السمسرةِ بباب المُزارَعةِ والمساقاةِ في الحكم ظاهِرَ الفرق، قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ في مَعْرِض بيانِ التكييف الشرعيِّ لعقد المُزارَعةِ والمُساقاة: «إنَّ المُزارَعة جائزةٌ، سواءٌ كان البذرُ مِن المالك أو مِن العامل أو منهما، وسواءٌ كانَتْ أرضًا بيضاءَ أو ذاتَ شجرٍ، وكذلك المُساقاةُ على جميع الأشجار، ومَن مَنَعَ ذلك ظنَّ أنه إجارةٌ بعِوَضٍ مجهولٍ وليس كذلك، بل هو مُشارَكةٌ كالمُضارَبة، والمُضارَبةُ على وَفْقِ القياس لا على خلافه؛ فإنها ليست مِن جنسِ الإجارة بل مِن جنسِ المُشارَكات»(٧)، وقال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ في سياقِ بيانِ الأحكام المُسْتَفَادةِ مِن غزوة خيبر: «ومنها: جوازُ المُساقاةِ والمُزارَعةِ بجزءٍ ممَّا يخرج مِن الأرض مِن ثمرٍ أو زرعٍ، كما عامَلَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أهلَ خَيْبَرَ على ذلك، واستمرَّ ذلك إلى حينِ وفاته لم يُنْسَخِ ألبتَّةَ، واستمرَّ عَمَلُ خُلَفائه الراشدين عليه، وليس هذا مِن باب المُؤاجَرةِ في شيءٍ، بل مِن باب المُشارَكة، وهو نظيرُ المُضارَبة سواءً؛ فمَن أباحَ المُضارَبةَ وحرَّم ذلك فقَدْ فرَّق بين مُتماثِلَيْنِ»(٨).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٨ من ذي القعدة ١٤٣٣ﻫ
الموافق ﻟ: ١٤ أكتوبر ٢٠١٢م


(١) أخرجه مسلمٌ في «البيوع» (١٥١٣) مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) «الموطَّأ» لمالكٍ (٢/ ٦٨٥).

(٣) «الاستذكار» لابن عبد البرِّ (٦/ ٥٤٥)، وجاء في «الفتاوى الهندية» (٤/ ٤٥٠): «وفي الدلَّال والسمسارِ يجبُ أجرُ المثل، وما تَوَاضَعوا عليه أنَّ مِن كُلِّ عشرةِ دنانيرِ كذا فذلك حرامٌ عليهم». انظر: «حاشية ابنِ عابدين» (٦/ ٦٣)، و«مغني المحتاج» للشربيني (٢/ ٣٣٥).

(٤) انظر: «المغني» لابن قدامة (٥/ ٤٦٦).

(٥) «البهجة» للتسولي (٢/ ٢٩٩).

(٦) أخرجه البخاريُّ في «المزارَعة» بابُ المزارَعة بالشَّطر ونحوِه (٢٣٢٨)، ومسلمٌ في «المساقاة» (١٥٥١) مِن حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما.

(٧) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٣٠/ ١٢٤).

(٨) «زاد المَعاد» لابن القيِّم (٣/ ٣٤٥).