في حكم العمل في محيطٍ آثمٍ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 23 ربيع الأول 1441 هـ الموافق لـ 20 نوفمبر 2019 م

الفتوى رقم: ١٢٢٤

الصنف: فتاوى المعاملات الماليَّة ـ الإجارة

في حكم العمل في محيطٍ آثمٍ

السؤال:

ما حكمُ عملِ المعلِّم في مؤسَّسةٍ تربويَّةٍ تعجُّ بفِتَن الشهوات، وليس للعامل مِنْ سبيلٍ آخَرَ يَسترزِقُ منه ـ حاليًّا ـ إلَّا في ذلك المُحيطِ الآثم، ممَّا زاد مِنْ همِّه وغمِّه، فهل عملُه وأموالُه حرامٌ؟ أفتونا مأجورين.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالذي يتعلَّق بهذه المسألةِ هو المحرَّمُ لغيره؛ لأنَّ أصله مشروعٌ لعدمِ وجود المفسدة والمَضَرَّة في ذات التعليم المدرسيِّ الخاليةِ موادُّه التربويَّة المُدرَّسة مِنْ مُنكَرٍ غالبًا، ولكِنِ اقترن الحرامُ بهذا الأصلِ مِنْ خارِجِ مَحَلِّه وهي فتنةُ الشهوات، فممنوعيَّتُه تتجلَّى ـ إذن ـ مِنْ جهةِ سدِّ ذريعة المحرَّم، والمالُ المأخوذُ إنما هو على أصل التعليم لا على عوارضه؛ علمًا أنَّ هذا الحُكمَ الأصليَّ المُحرّم يجوز الخروجُ عنه إذا ما تَعارضَ مع الضروريَّات الخمس مِنْ حفظ الدِّين والنفس والعقل والعِرْض والمال، أو تَعارضَ مع الحاجيات التي يؤدِّي تركُها إلى مَشقَّةٍ بالغةٍ على المكلَّف؛ فإنه وإِنْ أُبِيحَتْ ضرورةً أو حاجةً فيبقى حكمُ الإباحة في نطاقهما مِنْ غيرِ تعدِيَةٍ؛ لأنَّ «الضَّرُورَاتِ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا»، وكذلك الحاجيات، مع الأخذ بلوازم الحيطة وتدابير الوقاية سَدًّا للمفسدة أو تقليلًا منها.

فمِنْ هذه التدابيرِ التي يَتَّخِذُها هي: أَنْ يبحث عن عملٍ آخَرَ في مؤسَّسةٍ تربويَّةٍ أخرى أو غيرِها أقلَّ مفسدةً مِنَ الأولى، ويبتعد بها عن المحيط المحذور، فإنه يجب أَنْ يسعى ـ جاهدًا ـ للانتقال إليها تجنُّبًا للفتنة إِنْ وَسِعه ذلك؛ فمَنْ لم يجد فله أَنْ يَستمِرَّ في العمل في مؤسَّسته التربويَّة مع الْتِزام الضوابط الشرعيَّة مِنْ غضِّ البصر عن عورات النساء ومفاتنِهنَّ، وتَحاشِي الاحتكاك بهنَّ؛ كما يعمل على تَفادي المحاذير الشرعيَّة إمَّا بالزواج أو بالصوم؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، [فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ]؛ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»(١)؛ كُلُّ ذلك مع التقوى في حدود الاستطاعة، وقيامِ النكير على كُلِّ المحاذير الشرعيَّة وعدمِ الرِّضا بها؛ لقوله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ[التغابن: ١٦]، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الْأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا ـ وَقَالَ مَرَّةً: أَنْكَرَهَا ـ كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا»(٢) الحديث.

وعسى اللهُ أَنْ يفرِّج عنه بعملٍ جديرٍ به يُذهِبُ هَمَّه ويدفع غَمَّه ويُقيمُ دِينَه على الوجه الأسلمِ والأكمل كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ٢ وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُ‌ۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓ‌ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦ‌ۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا ٣[الطلاق]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مِنۡ أَمۡرِهِۦ يُسۡرٗا ٤ ذَٰلِكَ أَمۡرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُۥٓ إِلَيۡكُمۡ‌ۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُعۡظِمۡ لَهُۥٓ أَجۡرًا ٥[الطلاق].

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠١ صفر ١٤٤١ﻫ
الموافق ﻟ: ٣٠ سبتمبر ٢٠١٩م



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «النكاح» بابُ قولِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنِ استطاع منكم الباءةَ فلْيَتزوَّجْ»، لأنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفَرْج، وهل يتزوَّج مَنْ لا أَرَبَ له في النكاح (٥٠٦٥)، ومسلمٌ في «النكاح» (١٤٠٠)، مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه. وما بين المعكوفين زيادةٌ لمسلمٍ.

(٢) أخرجه أبو داود في «الملاحم» باب الأمر والنهي (٤٣٤٥) مِنْ حديثِ العُرْس بنِ عَمِيرةَ الكِنْديِّ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٨٩).