في حكم الرجوع في الوقف | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 9 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 06 ديسمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١٧

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - الهبات

في حكم الرجوع في الوقف

السؤال:

أرضٌ حَبَسَها والِدِي للهِ خلالَ سنةِ: (١٩٦٥م) وقفًا للمسجد ولأغراضٍ دينيَّةٍ، ولم تُستغَلَّ هذه الأرضُ مِنْ طَرَفِ الأوقافِ حتَّى أُمِّمَتْ مِنْ طَرَفِ الثورة الزراعية سنة: (١٩٧١م)، وفي سنةِ: (١٩٩١م) أعيدَتْ إليَّ الأرضُ؛ حيث بَقِيَتْ مسجَّلةً على الوالد ـ رحمه الله ـ الذي وافَتْه المنيَّةُ سنةَ: (١٩٨٢م)، ولم تُسجَّلْ لدى أملاك الدولة على الأوقاف، وقد سَبَقَ أَنْ طلَبْتُ فَتْوَى لدى بعض الفقهاء فقيل لي: إنَّ هذه الأرضَ إِنْ لم تُستغَلَّ مِنْ طَرَفِ الأوقاف حتَّى تُوُفِّيَ الواقفُ فإنَّ الأرض تصبحُ مِلْكًا لورثته. أفيدونا بفَتْوَى صحيحةٍ في الموضوع يرحمكم الله.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّ ما عليه أهلُ العلم: عدمُ جوازِ الرجوع في وَقْفِ المسجد ولا التغييرِ فيه، ويُعَدُّ تصرُّفُ الواقف لازمًا؛ لأنَّ وَقْفَ المسجد حين يتمُّ يصير خالصًا لله، وخلوصُه لله يقتضي عَدَمَ الرجوعِ فيه، ويتحقَّقُ لزومُ الوقف بمجرَّدِ القول والصيغةِ أو ما يقوم مَقامَهما ـ كالتخلية بين الذات الموقوفة وبين الناس ـ مِنْ غير افتقارٍ إلى حكمِ حاكمٍ به، وهذا على أَرْجَحِ قولَيْ أهل العلم، وبه قال المالكيةُ، وهو المشهورُ عند الحنابلة والشافعية(١)، وإليه ذَهَبَ أبو يوسف(٢) وعليه الفتوى عند الحنفية؛ ذلك لأنَّ الوقف في اللفظ الصريح يَلْزَمُ مِنْ غيرِ انضمامِ أمرٍ زائدٍ، وهذه الألفاظُ الصريحةُ مِثْل: «وَقَفْتُ» و«حَبَسْتُ» و«سَبَّلْتُ» ثَبَتَ لها عُرْفُ الاستعمال بين الناس، وانضمَّ إلى ذلك عُرْفُ الشرع بقول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لعمر رضي الله عنه: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا»(٣)؛ فصارَتْ هذه الألفاظُ مِثْلَ لفظ التطليق في الطلاق، وهذا خلافًا لمَنْ يَشْترِطُ تسليمَ المال الموقوفِ ويجعل اللزومَ متوقِّفًا على تمام التسليم، وذلك بإلحاقِ الوقف بالهِبَةِ أو الصدقة المستقبَلةِ؛ إذ هما تمليكٌ؛ فلا اعتبارَ إلَّا بالهِبَة والصدقةِ المُنَجَّزة، أي: أنَّ شَرْطَ كُلٍّ منهما لا يتمُّ إلَّا بالتسليم إلى الموهوب له أو المتصدَّق عليه، وبهذا قال محمَّد بنُ الحسن، وهو إحدى الروايتين عن أحمد(٤)، وهو روايةٌ عن بعض المالكية(٥). ولا يخفى الفرقُ في القياس السابق على الهِبَةِ والصدقة؛ ذلك لأنَّ كُلًّا منهما تمليكٌ مُطْلَقٌ للمال ومنفعتِه معًا، بخلافِ الوقف فهو تسبيلٌ للثمرة وتحبيسٌ لِلْعَيْنِ لا تمليكٌ لها، بل تمليكٌ للمنفعة مع إسقاطٍ لملكية العين؛ فأَشْبَهَ العتقَ الذي يَلْزَمُ ويتمُّ بمجرَّد الصيغة.

وتخريج المسألة على قولِ مَنْ يجعل اللزومَ متوقِّفًا على تمام التسليم لا على القول: فلم يَعُدَّ تصرُّفَ الواقفِ لازمًا؛ فيَبْطُلُ الوقفُ عند حدوث المانع الذي يحول دون التمكُّن مِنَ الانتفاع به إلى غايةِ العدول عنه أو موتِ الواقف قبل تسليم الوقف إلى الجهة المعنيَّةِ بالأوقاف؛ فيبقى ـ حالتئذٍ ـ مِلْكًا له، ويصير الوقفُ ـ بعد وفاته ـ لوَرَثَتِه.

أمَّا بناءُ المسألة على الراجح مِنَ القولين ـ وهو أنَّ تصرُّف الواقفِ يُعَدُّ لازمًا بمجرَّدِ القول كما تقدَّم ـ: فإذا تَعَذَّرَ تحبيسُ الأرضِ على المسجد أو خَرِبَ أو تعطَّلَتْ مشاريعُه ومَنافعُه لسببٍ أو لآخَرَ ـ كما هو الشأنُ بالنسبة للغصب المقنَّنِ المتمثِّل في «الثورة الزراعية» أو «الإصلاح الزراعيِّ» ـ فإنَّ الوقف لا يعود إلى مِلْكِ الواقف ولا وَرَثَتِه، وإنما يجوز نَقْلُه إلى مسجدٍ آخَرَ، كما يجوز بيعُ الوقف وصَرْفُ مالِه إلى مسجدٍ آخَرَ؛ فبَقِيَ حقُّ الله منه قائمًا، ولا حَقَّ فيه للمخلوقين، وهذا عينُ معنى الوقف، وهو الصحيح مِنْ قولَيِ العلماء(٦)، وقد روى الطبرانيُّ بسنده: «عَنِ القَاسِمِ قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ اللهِ وَقَدْ بَنَى سَعْدٌ القَصْرَ وَاتَّخَذَ مَسْجِدًا فِي أَصْحَابِ التَّمْرِ فَكَانَ يَخْرُجُ إِلَيْهِ فِي الصَّلَوَاتِ، فَلَمَّا وَلِيَ عَبْدُ اللهِ بَيْتَ المَالِ نُقِبَ بَيْتُ المَالِ فَأُخِذَ الرَّجُلُ، فَكَتَبَ عَبْدُ اللهِ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ عُمَرُ أَنْ «لَا تَقْطَعْهُ، وَانْقُلِ المَسْجِدَ، وَاجْعَلْ بَيْتَ المَالِ مِمَّا يَلِي القِبْلَةَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ فِي المَسْجِدِ مَنْ يُصَلِّي»؛ فَنَقَلَهُ عَبْدُ اللهِ وَخَطَّ هَذِهِ الخُطَّةَ»(٧)، قال ابنُ قدامة ـ رحمه الله ـ بعد ذِكْرِ هذه القصَّة: «وكان هذا بمَشْهَدٍ مِنَ الصحابة ولم يظهر خلافُه فكان إجماعًا»(٨).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١١ صفر ١٤١٧

 



(١) انظر: «الإشراف» للقاضي عبد الوهَّاب (٢/ ٦٧٠)، «رؤوس المسائل الخلافية» للعكبري (٣/ ١٠٣٦)، «الكافي» لابن عبد البرِّ (٥٣٦)، «المغني» لابن قدامة (٥/ ٦٠٢)، «مغني المحتاج» للشربيني (٢/ ٣٨٢)، «حاشية الدسوقي» على «الشرح الكبير» للدردير (٤/ ٧٥).

(٢) انظر: «بدائع الصنائع» للكاساني (٦/ ٣٣٥)، «تبيين الحقائق» للزيلعي (٣/ ٣٢٥).

(٣) أخرجه البخاريُّ في «الشروط» باب الشروط في الوقف (٢٧٣٧)، ومسلمٌ في «الوصيَّة» (١٦٣٢)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.

(٤) انظر: مصادرَ الحنفية والحنابلة السابقة.

(٥) قال ابنُ جُزَيٍّ ـ رحمه الله ـ في «القوانين الفقهية» (٢٤٤) فيما يتعلَّق بشرط الوقف: «وهو الحَوْزُ حسبما ذكَرْناه في الهِبَة، فإِنْ مات المحبِّس أو مَرِضَ أو أفلس قبل الحَوْزِ بَطَلَ التحبيسُ، وكذلك إِنْ سَكَنَ دارًا قبل تمامِ عامٍ أو أَخَذَ غلَّةَ الأرض لنَفْسِه بَطَلَ التحبيسُ».

(٦) وإلى هذا القولِ ذَهَبَتِ الحنابلة، [انظر: «رؤوس المسائل» للعكبري (٣/ ١٠٤٥)، «المغني» لابن قدامة (٥/ ٦٣١)]، خلافًا لمذهب مالكٍ والشافعيِّ في قولهما: إنه لا يجوز أَنْ يعود إلى مِلْكه، ولا يجوز بيعُ شيءٍ منه ولا نَقْلُه، [انظر: «الإشراف» للقاضي عبد الوهَّاب (٢/ ٦٧٣)، «مغني المحتاج» للشربيني (٢/ ٣٩٢)، «الشرح الكبير» للدردير مع «حاشية الدسوقي» (٤/ ٩١)].

(٧) أخرجه الطبرانيُّ في «المعجم الكبير» (٨٩٤٩). وقال الهيثميُّ في «مَجْمَع الزوائد» (٦/ ٢٧٥): «ورجالُه رجالُ الصحيح».

(٨) «المغني» لابن قدامة (٥/ ٦٣٣).