في حكمِ مَنْ صانَعَ بماله عند الاضطرار | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 9 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 06 ديسمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٢٠٧

الصنف: فتاوى المعاملات المالية

في حكمِ مَنْ صانَعَ بماله عند الاضطرار

السؤال:

بالرغم ممَّا ندفعه مِنْ ضرائبَ ورسومٍ للدولة فإنه كثيرًا ما تُجمَّدُ حاوياتُنا في الميناء، فتُمْنَعُ أمتعتُنا وبالتالي تَتعطَّلُ مَصالِحُنا وتَتكسَّدُ تجارتُنا إذا لم ندفع أموالًا للجمارك، فهل يجوز أَنْ ندفع المَفاسِدَ عن أموالنا بالرِّشوة؟ أفيدونا جزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فالرِّشْوةُ ـ في الأصل ـ حرامٌ وهي مِنَ الكبائر؛ فقَدْ ثَبَتَ أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «لَعَنَ اللهُ الرَّاشِيَ وَالمُرْتَشِيَ»(١)، غير أنَّ العلماء يَسْتثنون مِنْ حكم التحريم مَنْ صانَعَ بمالِه عند اضطراره، ويُؤثِّمون الآخذَ المرتشيَ دون الراشي؛ ذلك لأنَّ الرِّشْوة إنَّما هي: ما يُعْطى لإبطالِ حقٍّ أو لإحقاقِ باطلٍ(٢)، ويخرج مِنْ مفهوم هذا الضابطِ مَنْ سَلَكَ طريقَها للوصول إلى حقٍّ مُهدَّدٍ أو رفعِ عدوانِ ظالمٍ أو دفعِه قبل حصوله، ويدلُّ عليه ما أخرجه أحمد وأبو يعلى وغيرُهما بسندٍ صحيحٍ وأورده الهيتميُّ(٣) عن عمر رضي الله عنه قال: «دَخَلَ رَجُلَانِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَاهُ فِي شَيْءٍ فَدَعَا لَهُمَا بِدِينَارَيْنِ فَإِذَا هُمَا يُثْنِيَانِ خَيْرًا؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَكِنْ فُلَانٌ مَا يَقُولُ ذَلِكَ، وَلَقَدْ أَعْطَيْتُهُ مَا بَيْنَ عَشَرَةٍ إِلَى مِائَةٍ فَمَا يَقُولُ ذَلِكَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَخْرُجُ بِصَدَقَةٍ مِنْ عِنْدِي مُتَأَبِّطَهَا (أي: يحملها تحت إبطه) وَإِنَّمَا هِيَ لَهُ نَارٌ»، فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تُعْطِيهِ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَهُ نَارٌ؟» قَالَ: «فَمَا أَصْنَعُ؟ يَأْبَوْنَ إِلَّا أَنْ يَسْأَلُونِي وَيَأْبَى اللهُ لِيَ البُخْلَ»»(٤)، وإذا كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يعطي السائلَ المُلِحَّ في طلبه مالًا وهو يعلم عَدَمَ استحقاقِه له، وهو له نارٌ، وكان عطاؤُهُ نتيجةَ الإلحاح في المسألة؛ فمِنْ بابٍ أَوْلى ما تكون الحاجةُ داعيةً إليه مِنِ استرجاعِ حقٍّ مُضيَّعٍ، أو دفعِ جَوْرِ ظالمٍ أو رفعِه. وقد روى أهلُ الحديث أنَّ عبد الله بنَ مسعودٍ رضي الله عنه لمَّا كان بالحبشة رَشَا بدينارين وقال: «إِنَّمَا الإِثْمُ عَلَى القَابِضِ دُونَ الدَّافِعِ»(٥).

هذا، وقد نَقَلَ ابنُ العربيِّ ـ رحمه الله ـ في «العارضة»(٦) ما يَتَّفِقُ مع هذا المعنى، وجاء في «التحفة» وفي «المغني» عن جماعةٍ مِنْ أئمَّة التابعين قولُهم: «لَا بَأْسَ أَنْ يُصَانِعَ الرَّجُلُ عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ إِذَا خَافَ الظُّلْمَ»(٧)، وقال جابر بنُ زيدٍ: «مَا رَأَيْنَا فِي زَمَنِ زِيَادٍ أَنْفَعَ لَنَا مِنَ الرِّشَا»(٨)، وقد قال القرطبيُّ ـ رحمه الله ـ: «ورُوِيَ عن وهب بنِ مُنبِّهٍ أنه قِيلَ له: «الرِّشْوَةُ حَرَامٌ فِي كُلِّ شيءٍ»؛ فقال: «لا، إنَّما يُكْرَهُ مِنَ الرِّشْوَةِ أَنْ تَرْشِيَ لِتُعْطَى مَا لَيْسَ لَكَ أَوْ تَدْفَعَ حَقًّا قَدْ لَزِمَكَ، فَأَمَّا أَنْ تَرْشِيَ لِتَدْفَعَ عَنْ دِينِكَ وَدَمِكَ وَمَالِكَ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ»، قال أبو الليث السمرقنديُّ الفقيه: وبهذا نأخذ: لا بأسَ بأَنْ يدفع الرجلُ عن نَفْسِه ومالِه بالرِّشْوة»(٩)، ولأنَّ المُعْطيَ كالمُكْرَهِ على إعطائه يَسْتنقِذُ مالَه كما يَسْتنقِذُ الرجلُ أسيرَه. وضِمْنَ هذا المنظورِ أيَّد شيخُ الإسلام ابنُ تيمية رحمه الله ـ بعد تفصيلٍ طويلٍ في «المجموع» ـ ما سَبَقَ تقريرُه في المضطرِّ إلى المُصانَعةِ بماله، وقد بيَّن ـ في سياق الاستدلال ـ قاعدةً فقهيةً مُهِمَّةً مقتضاها: «أَنَّ التَّحْرِيمَ ـ فِي حَقِّ الآدَمِيِّينَ ـ إِذَا كَانَ مِنْ أَحَدِ الجَانِبَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ فِي الجَانِبِ الآخَرِ»(١٠)، وقد أَوْرَدَ لهذه المسألةِ جملةً مِنَ الأمثلة منها:

ـ شراءُ الرجلِ مِلْكَه المغصوبَ مِنَ الغاصب؛ فإنَّ البائع يَحْرُمُ عليه الثمنُ، والمشتري لا يَحْرُمُ عليه أَخْذُ مِلْكِه ولا بَذْلُ ما بَذَلَه مِنَ الثمن.

ـ وكذلك الأسيرُ والعبدُ المُعْتَقُ إذا أَنْكَرَ سيِّدُه عِتْقَه.

ـ والزوجة يُطلِّقُها زوجُها ثمَّ يُنْكِرُ طلاقَها؛ فكُلٌّ منهما يَفْدِي نَفْسَه بالمال ليُحِقَّ حقًّا وهو العتقُ والطلاق، ومعلومٌ أنَّهما حقٌّ لله تعالى، وإلَّا بَقِيَتِ الزوجةُ على غير عصمةٍ(١١).

هذا، ونختم الجوابَ بما جاء في «الزواجر» قوله: «فمَنْ أعطى قاضيًا أو حاكمًا رِشْوةً أو أهدى إليه هديَّةً: فإِنْ كان لِيَحْكُمَ له بباطلٍ أو ليتوصَّلَ بها إلى نيلِ ما لا يَسْتحِقُّ أو إلى أذيَّةِ مسلمٍ فُسِّقَ الراشي والمهدي بالإعطاء، والمرتشي والمُهْدى إليه بالأخذ، والرائشُ (أي: الساعي بين الراشي والمرتشي) بالسعي، وإِنْ لم يَقَعْ حُكْمٌ منه بعد ذلك؛ أو ليَحْكُمَ له بحقٍّ أو لدَفْعِ ظلمٍ عنه أو لينالَ ما يَسْتحِقُّه فُسِّقَ الآخذُ فقط ولم يأثم المعطي لاضطراره إلى التوصُّلِ إلى حقِّه بأيِّ طريقٍ كان، وأمَّا الرائش.. فتابعٌ للراشي في قصدِه: إِنْ قَصَدَ خيرًا لم تلحقه اللعنةُ وإلَّا لَحِقَتْه»(١٢).

هذا، وجديرٌ بالتنبيه والملاحظة أنَّ الذي يُصانِعُ بماله ينبغي عليه أَنْ يكره الفعلَ ويُنْكِرَ على الفاعل ـ ولو بقلبه ـ مِنْ غيرِ أَنْ يكون راضيًا أو باغيًا له.

هذا، والحريص على دِينه ـ إِنْ لم يكن مضطرًّا لمِثْلِ هذه الأعمال التجارية ـ فإنَّ عليه أَنْ يهجرها إلى أعمالٍ أخرى تجنُّبًا للمعصية ومُخالَطةِ أهل المعاصي والظلم والعدوان، وابتعادًا عن الآثام؛ لئلَّا تهون عنده المعصيةُ فيتعاملَ بها ويرضى ويحثَّ الناسَ عليها؛ فقَدْ جاء في الحديث: «المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ»(١٣)، وما نَهَى عنه رجسٌ، والمسلمُ مأمورٌ باجتناب الرجس، قال تعالى: ﴿وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ ٥[المدَّثِّر].

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٠ ذي القعدة ١٤١٨
الموافق ﻟ: ١٩ مارس ١٩٩٨م

 



(١) أخرجه أحمد (٩٠٢٣)، وابنُ حبَّان (٥٠٧٦)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٥٠٩٣).

(٢) انظر: «التعريفات» للجرجاني (١١١).

(٣) انظر: «الزواجر» للهيتمي (٢٤٨).

(٤) أخرجه أحمد (١١١٢٣)، وابنُ حبَّان (٣٤١٤)، والحاكم (١٤٤)، وأبو يعلى في «مسنده» (١٣٢٧)، مِنْ حديثِ عمر رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الترغيب والترهيب» (٨٤٤) وفي «غاية المرام» (٤٦٣).

(٥) أخرجه البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٢٠٤٨٢وانظر: «شرح السنَّة» للبغوي (١٠/ ٨٨) و«تفسير القرطبي» (٦/ ١٨٤).

(٦) «عارضة الأحوذي» لابن العربي (٦/ ٨٠).

(٧) «تحفة الأحوذي» للمباركفوري (٤/ ٥٦٥).

(٨) «المغني» لابن قدامة (٣/ ٢١٩، ٩/ ٧٧ ـ ٢٧٨).

(٩) «تفسير القرطبي» (٦/ ١٨٣).

(١٠) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٩/ ٢٥٨).

(١١) انظر: المصدر السابق، الجزء والصفحة نفسهما.

(١٢) «الزواجر» للهيتمي (٦٣٠).

(١٣) أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» باب: المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ (١٠) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنهما.