في حكم العقيقة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 7 شعبان 1441 هـ الموافق لـ 31 مارس 2020 م



الفتوى رقم: ٣٣٠

الصنف: فتاوى الأشربة والأطعمة - العقيقة

في حكم العقيقة

السؤال:

ما هو الحكمُ الشرعيُّ للنسيكة أو العقيقة؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالمختارُ مِن قولَيِ العلماءِ أنَّ النسيكة سُنَّةٌ واجبةٌ على المولود له؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَمَرَ بها وعَمِل بها، كما ثَبَتَ ذلك مِن حديثِ سلمانَ بنِ عامرٍ الضبِّيِّ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَعَ الغُلَامِ عَقِيقَةٌ؛ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى»(١)، وهذا يدلُّ على الوجوب مِن جهةِ إخباره عن الواجب في قوله: «مَعَ الغُلَامِ عَقِيقَةٌ»، ثمَّ أَمْرِهم ـ مِن جهةٍ أخرى ـ أَنْ يُخْرِجوا عنه.

ومِن ذلك ـ أيضًا ـ حديثُ الحَسَنِ عن سَمُرَةَ رضي الله عنه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ، وَيُسَمَّى»(٢)، ووَجْهُه ظاهرٌ في الوجوب لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم جَعَلَ تنشئتَه تنشئةً صالحةً وحِفْظَه حفظًا كاملًا مَرْهُونًا بالذبح عنه، والعقيقةُ تَفُكُّ الرِّهانَ عن المولود.

وكذلك يَشْهد لحكمِ الوجوبِ حديثُ أمِّ كُرْزٍ الكعبيةِ رضي الله عنها أنَّها سألَتْ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم عن العقيقة فقال: «عَنِ الغُلَامِ شَاتَانِ وَعَنِ الأُنْثَى وَاحِدَةٌ، وَلَا يَضُرُّكُمْ ذُكْرَانًا كُنَّ أَمْ إِنَاثًا»(٣).

وكذلك حديثُ عائشةَ رضي الله عنها قالت: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَعُقَّ عَنِ الجَارِيَةِ شَاةً وَعَنِ الغُلَامِ شَاتَيْنِ»(٤).

وأوامرُ الشرعِ ـ كما هو معروفٌ في القواعد الأصولية ـ تُحْمَل على الوجوب ما لم تَرِدْ قرينةٌ صارفةٌ. وكان بُرَيْدَةُ الأسلميُّ رضي الله عنه راوي الحديثِ يُوجِبُها ويشبِّهها بالصلاة(٥)، و«الرَّاوِي أَعْلَمُ بِمَا رَوَى».

أمَّا مَن تَمَسَّك بالاستحباب فَيَرَى أنَّه لو كانَتْ واجبةً لَكان وجوبُها معلومًا مِن الدِّين، وَلَبَيَّنَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وجوبَها للأُمَّةِ بيانًا عامًّا كافيًا ينقطع معه العُذْرُ لأنَّ الحاجةَ تدعو إليه وتعمُّ به البَلْوَى، ولأنَّ إبراهيم ابنَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم تُوُفِّيَ وهو ابنُ ثمانيةَ عَشَرَ شهرًا، ولا يُعْلَم أنَّه عقَّ عنه، ولا عن القاسم أو رُقيَّةَ أو أُمِّ كلثومٍ أو زينبَ أو فاطمةَ أو عبدِ الله، وهم أولادُه الذين ماتوا قبله مَن عدا فاطمةَ رضي الله عنهم، ولأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عَلَّقَها بإرادةِ فاعِلِها كما في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَنْسُكْ»(٦)، فهي قرينةٌ صارفةٌ مِن الوجوب إلى الاستحباب.

ولا يخفى أنَّ النصوص الحديثيةَ الآمرةَ بالعقيقة عن المولود جاءَتْ على غايةٍ مِن البيان، وإذا كانَتْ طاعتُه في أوامِرِه أَوْكَدَ مِن الاقتداء به في أفعاله المُخالِفةِ لها فإنَّ العمل بأوامِرِه المُطابِقةِ لأفعاله أَوْلى وأحرى بالامتثال والعمل؛ قال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا ٢١[الأحزاب]، وقال تعالى ـ أيضًا ـ: ﴿فَ‍َٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥٨[الأعراف].

وعليه، يجب العملُ بها سواءٌ عَمَّتِ البلوى أو خصَّتْ كما هو مقرَّرٌ أصوليًّا مِن مذهب الجمهور.

أمَّا حديثُ: «مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَنْسُكْ» فنظيرُه قولُه تعالى: ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَسۡتَقِيمَ ٢٨[التكوير]، والاستقامةُ لا شكَّ أنَّها ليست مُسْتَحَبَّةً، وإنَّما هي واجبةٌ، ومعلومٌ وجوبُها بأدلَّةِ الشرع.

وكذلك قولُه تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ[البقرة: ١٥٨]، ولا يخفى أنَّ السعيَ بين الصَّفَا والمروةِ ركنٌ، وظاهِرُ الآيةِ يدلُّ على أنَّه مشروعٌ، وهذه الركنيةُ اسْتُفِيدَتْ ـ أيضًا ـ مِن أحاديثَ أُخَرَ، كقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «اسْعَوْا؛ فَإِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ»(٧)، وكذلك قوله: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»(٨)، والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد سعى بين الصَّفَا والمروة؛ فدلَّ هذا على وجوبه.

ونظيرُ ما تقدَّم ـ أيضًا ـ قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الحِجَّةِ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ»(٩)، وليس في قوله: «وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ» أنَّ الأضحيةَ ليست بواجبةٍ، بل هي واجبةٌ على المُوسِرِ القادرِ عليها بالنصوص المُوجِبةِ لذلك، و«الواجبُ لا يُوكَلُ إلى إرادة العبد فيقالَ: إِنْ شئتَ فافعَلْه، بل قد يُعَلَّق الواجبُ بالشرط لبيانِ حكمٍ مِن الأحكام كقوله: ﴿إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ[المائدة: ٦]، وقد قدَّروا فيه: «إذا أرَدْتُمُ القيامَ»، وقدَّروا: «إذا أرَدْتَ القراءةَ فاسْتَعِذْ»، والطهارةُ واجبةٌ والقراءةُ في الصلاة واجبةٌ، وقد قال: ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٢٧ لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَسۡتَقِيمَ ٢٨[التكوير]، ومشيئةُ الاستقامةِ واجبةٌ»(١٠).

أمَّا عَدَمُ النقلِ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه عقَّ عن إبراهيم وسائِرِ أولاده فَلِاحتمالِ انتفاءِ وجوب العقيقة ابتداءً ثمَّ وَرَدَ الإلزامُ بها بعد ذلك، هذا مِن جهةٍ.

ومِن جهةٍ أخرى فإنه لو سُلِّم ـ جدلًا ـ فإنَّ ذلك مِن فِعْلِه المُعارِض لقوله، وقد تَقَرَّرَ ـ أصوليًّا ـ أنَّ قوله مقدَّمٌ على فِعْلِه المُعارِضِ له؛ قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «وطاعةُ الرسولِ فيما أمَرَنا به هو الأصلُ الذي على كُلِّ مسلمٍ أن يعتمده، وهو سببُ السعادةِ كما أنَّ تَرْك ذلك سببُ الشقاوةِ، وطاعتُه في أَمْرِه أَوْلى بنا مِن مُوافَقته في فعلٍ لم يَأْمُرْنا بمُوافَقَتِه فيه باتِّفاقِ المسلمين، ولم يَتَنَازَعِ العلماءُ أنَّ أَمْرَه أَوْكَدُ مِن فِعْلِه؛ فإنَّ فِعْلَه قد يكون مُخْتَصًّا به وقد يكون مُسْتَحَبًّا، وأمَّا أَمْرُه لنا فهو مِن دينِ الله الذي أَمَرَنا به»(١١).

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.


(١) أخرجه البخاريُّ في «العقيقة» بابُ إماطة الأذى عن الصبيِّ في العقيقة (٥٤٧١) مِن حديث سلمانَ بنِ عامرٍ الضبِّيِّ رضي الله عنه.

(٢) أخرجه أبو داود في «الضحايا» بابٌ في العقيقة (٢٨٣٨)، والترمذيُّ في «الأضاحي» بابٌ مِن العقيقة (١٥٢٢)، والنسائيُّ في «العقيقة» باب: متى يُعَقُّ؟ (٤٢٢٠)، وابنُ ماجه في «الذبائح» بابُ العقيقة (٣١٦٥)، مِن حديث سَمُرَة بنِ جندبٍ رضي الله عنه. والحديث قال عنه ابنُ حجرٍ في «فتح الباري» (٩/ ٥٩٣): «رجالُه ثِقاتٌ»، وصحَّحه ابنُ الملقِّن في «البدر المنير» (٩/ ٣٣٣)، والألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٤١٨٤).

(٣) أخرجه أبو داود في «الضحايا» بابٌ في العقيقة (٢٨٣٥)، والترمذيُّ في «الأضاحي» بابُ الأذانِ في أُذُنِ المولود (١٥١٦)، والنسائيُّ في «العقيقة» باب: كم يُعَقُّ عن الجارية؟ (٤٢١٨)، مِن حديثِ أمِّ كُرْزٍ رضي الله عنها. وصحَّحه ابنُ القيِّم في «تحفة المولود» (٥٠)، والألبانيُّ في «صحيح الجامع الصغير» (٤١٠٦) وفي «الإرواء» (٤/ ٣٩١).

(٤) أخرجه الترمذيُّ في «الأضاحي» بابُ ما جاء في العقيقة (١٥١٣)، وابنُ ماجه في «الذبائح» بابُ العقيقة (٣١٦٣)، وأحمد في «المسند» (٢٥٢٥٠)، مِن حديث عائشة رضي الله عنها. والحديث صحَّحه ابنُ الملقِّن في «البدر المنير» (٩/ ٣٣٣)، والألبانيُّ في «الإرواء» (١١٦٦) و«السلسلة الصحيحة» (٦/ ٤٨٩) رقم: (٢٧٢٠).

(٥) أخرج الرويانيُّ في «مسنده» (٤٥) قولَ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه: «إِنَّ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَى الْعَقِيقَةِ كَمَا يُعْرَضُونَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ».

(٦) أخرجه أبو داود في «الضحايا» بابٌ في العقيقة (٢٨٤٢)، والنسائيُّ في «العقيقة» (٤٢١٢)، مِن حديث عمرو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه رضي الله عنه. والحديث قوَّاه ابنُ حجرٍ في «فتح الباري» (٩/ ٥٨٨)، وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع الصغير» (٧٦٣٠) وفي «المشكاة» (٢/ ٤١٥٦)، وحسَّنه في «السلسلة الصحيحة» (٤/ ٢١٣).

(٧) أخرجه ابنُ خزيمة في «صحيحه» (٢٧٦٤)، والحاكمُ في «المُسْتَدْرَك» (٦٩٤٣)، وأحمد (٢٧٣٦٧)، مِن حديث حبيبةَ بنتِ أبي تَجْرَاة رضي الله عنها. والحديث قوَّاه ابنُ حجرٍ بالشواهد في «الفتح» (٣/ ٤٩٨)، وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (١٠٧٢).

(٨) أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» (١٢٩٧)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٩٥٢٤)، مِن حديث جابرِ بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(٩) أخرجه مسلمٌ في «الأضاحي» (١٩٧٧) مِن حديث أمِّ سَلَمة رضي الله عنها.

(١٠) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٣/ ١٦٢ ـ ١٦٣).

(١١) «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٣٢٣) و«الفتاوى الكبرى» (٢/ ١٥٤) كلاهما لابن تيمية.