مِنْ شروطِ حقِّ دفعِ الصائل [الدفاع الشرعي الخاص] | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 13 ذي الحجة 1441 هـ الموافق لـ 03 أغسطس 2020 م

الفتوى رقم: ٣٥٣

الصنف: فتاوى الحدود والدِّيَات - الدِّيَات

مِنْ شروطِ حقِّ دفعِ الصائل
[الدفاع الشرعي الخاص]

السؤال:

قصَّتي بدأَتْ في الحيِّ الذي أسكن فيه؛ إذ جاء متشرِّدان فدفعاني وسبَّني أحَدُهما، وردَدْتُ عليهما ذلك الفعلَ، ثمَّ قال لهما أخي: لا تَسُبَّا، أرادوا ضربَه، فكنتُ لهما بالمرصاد وأدَّبْتُ أحَدَهما، ثمَّ أخرجا في وجهه سكِّينًا ـ وكان مِنْ بين الشخصين القتيلُ ـ وضرباهُ ضربًا مُبرِّحًا.

وحين خرجتُ رأيتُ عينَيْ أخي مُنتفِختين وفَمَه أيضًا، وفي تلك الليلةِ رَفَع أبي شكوَى ضِدَّهما ومعه الشهود.

وحينَها تذكَّرْتُ بأنَّهما هدَّدا أخي بسكِّينٍ فقلتُ: إذًا هما قادران على أَنْ يفعلا ذلك معي أيضًا، فأخَذْتُ سكِّينًا خوفًا مِنِ اعتدائهما عليَّ.

وفي يوم الغد ذهبتُ لأدرس مِنَ الثامنة إلى الثانية عشر، وحين خروجي ذهبتُ لأتناول وجبةَ الفطور ثمَّ عُدْتُ على الساعة الواحدة والنصف، وبعد فترةٍ رأيتُهما نَزَلا مِنْ سيَّارةٍ وجاءاني، قال لي أحَدُهما: انظر ماذا فعلتَ لي، ثمَّ ضمَّني إليه وطمأَنَني، ثمَّ جاء الآخَرُ مُسرِعًا وأخذ في ضربي، وفجأةً رأيتُه يضع يدَه في جيبه، فسحبتُ سكِّيني أهدِّدُهما به لعلَّهما يخافان ويبتعدان عنِّي، لكنَّهما لم يخافا لأنَّهما كانا تحت تأثير المخدِّرات، فحَدَث ما حَدَث ـ والحمد لله على كُلِّ حالٍ ـ فأنا لم يكن في قصدي القتل، ولكِنْ مِنْ شدَّة الخوف على نفسي أَنْ يضربني بالسكِّين طعَنْتُه بسكِّين المطبخ فمات، أسألُ اللهَ ـ عزَّ وجلَّ ـ أَنْ يغفر لي، وأحيطكم علمًا بأنِّي أصوم الكفَّارةَ. نريد منكم ـ يا شيخَنا ـ أَنْ تبيِّنوا لنا الحكمَ الشرعيَّ في هذا القتل، وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّ على صاحبِ حقِّ دفع الصائل شروطًا يجب تحقُّقُها ليكون في حالة الدفاع الشرعيِّ الخاصِّ، وفي طليعة الشروط: أَنْ يكون العدوانُ واقعًا على نفس المَصُولِ عليه أو عِرْضِه أو مالِه، أو واقعًا على نفسِ غيره أو عِرضِه أو مالِه، كما يُشترَطُ حلولُ العدوان في الحال؛ لأنَّ صورة الدفاع تظهر بحلول العدوان، فإِنْ كان مُؤجَّلًا أو تهديدًا مؤخَّرًا فلا يجوز دفعُه؛ لأنَّه ـ في هذه الحالة ـ لا يُعَدُّ محلًّا للدفاع، كما أنَّ مِنْ شروطه: عدمَ إمكانِ إبعاده إلَّا بدفعه بهذه الوسيلة، فإِنْ أَمْكَن دفعُه دون استعمال القوَّة والعنفِ والسلاح فلا يَسَعُه أَنْ يَستخدِمَه، ومِنْ شرطه ـ أيضًا ـ: أَنْ يدفع العدوانَ بأيسرِ طريقٍ يندفع به؛ لأنَّ المقصود دفعُ ظلمِ المعتدي؛ فإذا اندفع بالقليل فلا داعيَ للأكثر؛ فلا يجوز أَنْ يدفع ما زاد عن القَدْر اللازم لدفعِه، وإلَّا عُدَّ اعتداءً لا دفاعًا، فإِنِ استطاع كَفَّ عدوانِ الظالم بالتهديد فلا يجوز له أَنْ يضربه، وإِنْ ظَهَر له أنَّه بإمكانه دفعُ عدوان الصائل بالعصا فلا يجوز له أَنْ يضربه بالحديد لكونه أداةَ قتلٍ بخلاف العصا، وإِنْ عَلِم أنَّه لا يندفع إلَّا بالقتل وخَشِيَ على نفسه أَنْ يُبادِرَه به إِنْ لم يقتله فله أَنْ يدفع بالقتل أو بترِ أطرافه، وما أَتْلَفه منه لا ضمانَ عليه بالقصاص ولا بالدِّيَة؛ لأنَّه تلفٌ في مُقابَلةِ دفع شرٍّ أو ضررٍ عليه، فإِنِ اختلَّ أحَدُ الشروط السابقة المذكورة فلا يُعتبَرُ ـ في هذه الحالة ـ مِنَ الدفاع الشرعيِّ الخاصِّ، وإنَّما هو اعتداءٌ وعدوانٌ.

وليس ـ في المسألة المطروحة ـ حالةُ دفعِ الصائل، وإنما هو اعتداءٌ على المَجْنيِّ عليه، مبنيٌّ على وهم الجاني وغلطه وريبته، فإِنِ انتفَتْ معه النيَّةُ الإجرامية والقصد الجنائيُّ فإنَّه تترتَّب عليه أحكامُ القتل شِبْهِ العمد، ويُوجِبُ الكفَّارةَ بصيامِ شهرين مُتتابِعَيْن ـ بالنظر إلى تعذُّرِ وجودِ رقبةٍ مؤمنةٍ سليمةٍ مِنَ العيوب المُخِلَّة بالعمل والكسب ـ والدِّيَةَ المغلَّظة على العاقلة مؤجَّلةً إلى ثلاثِ سنين، كحقَّيْن واجبَيْن: الأوَّل: حقُّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ والثاني: حقُّ الآدميِّ. 

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٢ صفر ١٤٢٢ﻫ
الموافق ﻟ: ١٦ ماي ٢٠٠١م