في حكم الهديَّة الإجبارية عند العرس [عادة «تارْزِيفْت»] | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 9 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 06 ديسمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٧٤٥

الصنف: فتاوى الأسرة - عقد الزواج - آداب الزواج

في حكم الهديَّة الإجبارية عند العرس
[عادة «تارْزِيفْت»]

السؤال:

جَرَتِ العادةُ عندنا في بلدنا المغرب الأقصى أنه ـ عند إقامةِ حفلٍ أو عُرْسٍ ـ يُلْزِمُ صاحِبُه المدعوِّين بإحضارِ هدايا معهم وُجوبًا، وإلَّا تعرَّض عِرْضُه للتحقير والطعن، ويسمُّونها ﺑ: «تَارْزِيفت». فما حكمُ هذه العادة؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالعادةُ الجماعيةُ التي تَعارَفَ عليها الناسُ تنقسم إلى: عادةٍ صحيحةٍ وأخرى فاسدةٍ، فالعادةُ الصحيحةُ المقبولةُ هي التي لا تُحَرِّمُ حلالًا ولا تُحِلُّ حرامًا: كالعادة في تقديمِ عُربونٍ في عقدِ الاستصناع، أو عدَمِ انتقالِ الزوجة إلى بيتِ زوجِها إلَّا بعد قَبْضِ جزءٍ مِن المهر. والعادةُ الفاسدةُ غيرُ المقبولةِ هي التي تُحِلُّ الحرامَ: كعادةِ اختلاطِ النساء بالرجال وإظهارِ المَحاسنِ أمامَهم في قاعات الأفراح والحفلاتِ، والأَنْدِيَةِ العامَّة والخاصَّة، وفي الجامعات ومختلَف المراحل التعليمية في المؤسَّسات التربوية، وكالعادة في التعامل مع المصارف المالية بالفوائد الربوية، والعادةِ في إحياء الحفلات المحرَّمة والمناسَبات البدعية، والعادةِ في لَعِب أنواع مسابَقات القِمار والرِّهان، والعادةِ في تركِ الصلوات المفروضة أثناء اجتماع المسئولين أو مَن دونهم وتأخيرِها إلى فوات وقتها ونحو ذلك.

فالقاعدة العامَّةُ ـ إذن ـ أنَّ «الأَصْلَ فِي عَادَاتِ النَّاسِ وَأَعْرَافِهِمْ الجَوَازُ وَالحِلُّ»، ولا يُعْدَلُ عن هذا الأصلِ إلَّا إذا اقترن به محذورٌ شرعيٌّ يرجع إلى وجودِ اعتقادٍ فاسدٍ، أو يُلْحِقُ ضررًا آكِدًا أو متوقَّعًا، أو يخالِف نصًّا شرعيًّا ثابتًا أو قاعدةً أساسيةً.

ويندرج ـ ضِمْنَ هذا المعنى ـ ما وَرَدَ في مسألةِ إلزامِ المدعوِّين بالهدايا في الولائم المشروعةِ؛ ذلك لأنَّ فيه استدراكًا على الشرع يتمثَّل في فَرْضِ هديَّةٍ بالعُرْف لم يَفْرِضها الشرعُ، واللهُ تعالى قد أتمَّ دينَه فلا ينقصه ورَضِيَه فلا يَسْخَطُه، كما أنَّ هذه العادةَ تُخالِفُ مَقاصِدَ الشرع ومَرامِيَه؛ إذ فيها تكليفُ المدعوِّ بما يجد فيه المَشَقَّةَ المَنْفِيَّة عنه بنصِّ قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ[البقرة: ٢٨٦]، وهي تؤدِّي ـ أيضًا ـ بطريقٍ أو بآخَرَ إلى تضييعِ واجبِ تلبية الدعوة في حالِ عدمِ قدرة المدعوِّ على الهديَّة، فضلًا عن تعرُّض المدعوِّين للطعن في عِرْضِهم والنيلِ منهم بالغِيبة والتحقير، خاصَّةً إذا كانت هذه الهديَّةُ دون مستوى ما يرغب فيه المُضيفُ.

فالحاصل: أنَّ هذه العادةَ فاسدةٌ لا يجوز قَبولُها ولا اعتبارُها لاقترانها بأوصافٍ مَنْهيٍّ عنها، فضلًا عن أنَّ الاستمرارَ فيها يُضيِّع الشريعةَ على مَرِّ الزمن ويغيِّر حُكْمَها، ويبدِّل مَقاصدَها ومَرامِيَها؛ ذلك لأنَّ المقصودَ مِن التشريعِ دفعُ الحرج والمَشَقَّةِ وجَلْبُ المصلحةِ وتحقيقُ التيسير، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ[الحج: ٧٨]، وقولِه تعالى: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ[البقرة: ١٨٥].

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٤ رجب ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٨ جويلية ٢٠٠٧م