في حكم تغيير الشيب بغير السواد | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 17 ذي القعدة 1441 هـ الموافق لـ 08 يوليو 2020 م



الفتوى رقم: ٨٨٩

الصنـف: فتاوى اللباس

في حكم تغيير الشيب بغير السواد

السـؤال:

هل تغيير الشيب بغير السواد واجبٌ أم مستحبٌّ؟ وبارك الله فيكم.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالآثارُ المرويَّةُ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم الناهيةُ عن تغييرِ الشيب ضعيفةٌ لا تصلح للاحتجاج، وهي معارَضةٌ بالأحاديث الصحيحة الآمرةِ بصبغ الشيب، واستحبابِ خِضابِه للرجل والمرأة بحُمْرَة أو صُفْرَة، والأفضلُ بالحنَّاء والكَتَم، مع امتناع خِضابه بالسواد لعموم قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى لاَ يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ»(١)، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِنَّ أَحْسَنَ مَا غَيَّرْتُمْ بِهِ هَذَا الشَّيْبَ الحِنَّاءُ وَالكَتَمُ»(٢)، أمَّا حرمةُ السوادِ فبقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم حين جاء أبو بكر الصِّدِّيقُ رضي الله عنه بأبيه: أبي قُحافة يوم فتحِ مكَّة يحمله حتى وضعه بين يدي رسولِ الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم فأَسْلَمَ ورأسه ولحيته كالثَّغامة بياضًا، فقال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ»(٣)، وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «يَكُونُ قَوْمٌ يَخْضِبُونَ -فِي آخِرِ الزَّمَانِ- بالسَّوَادِ كَحَوَاصِلِ الحَمَامِ، لاَ يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الجَنَّةِ»(٤)، فعُلِمَ والحالُ هذه أنَّ الأحاديث الناهيةَ عن تغيير الشيب لا تقوى على معارضة الأحاديث الصحيحة الآمرةِ بتغييره، وعلى فرض صِحَّتها جدلاً فيمكن الجمعُ بينها بحمل النهي عن تغيير الشيب بالسواد -كما تقدَّم- أو تغيير الشيب بِنَتْفِهِ.

قال ابن القيِّم في «تهذيب السنن»: «والصواب أنَّ الأحاديث في هذا الباب لا اختلافَ بينها بوجهٍ، فإنَّ الذي نهى عنه الرسول صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم من تغيير الشيب أمران: أحدهما: نتفه، والثاني: خضابه بالسواد كما تقدَّم. والذي أذن فيه هو صبغه وتغييره بغير السواد كالحناء والصفرة، وهو الذي عمله الصحابة رضي الله عنهم»(٥).

قلت: وأكثرُ الصحابة رضي الله عنهم كانوا يخضبون كالشيخين: أبي بكر وعمر(٦)، وكذلك ابن عمر أبو هريرة وآخرون، وترك آخرون الخضاب كعلي بن أبي طالب، وأُبَيِّ بنِ كعب وأنسٍ وغيرِهم(٧)، والاختلافُ إنما هو في الأفضلية، والتركُ لا يدلُّ على كراهةِ الخضاب، وإنما يدلُّ على عدم وجوبه، ولا ينفي استحبابَه، بل غايةُ ما يدلُّ عليه جواز تركه. قال النووي: «واختلافُ السلف في فعل الأمرين بحسَبِ اختلاف أحوالهم في ذلك، مع أنَّ الأمر والنهيَ في ذلك ليس للوجوب بالإجماع، ولهذا لم يُنكر بعضُهم على بعضٍ خلافه»(٨).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٦ ربيع الثاني ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٢/ ٠٤/ ٢٠٠٨م


(١) أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب اللباس، باب الخضاب: (٥٨٩٩)، ومسلمٌ في «اللباس والزينة» (٢١٠٣)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) أخرجه أبو داود في «الترجل» باب في الخضاب (٤٢٠٥)، والترمذي في «اللباس» باب ما جاء في الخضاب (١٧٥٣)، والنسائي في «الزينة» باب الخضاب بالحناء والكتَم (٥٠٧٧)، وابن ماجه في «اللباس» باب الخضاب بالحنَّاء (٣٦٢٢)،  وأحمد في «مسنده» (٢٠٨٣١)، من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤/ ١٤).

(٣) أخرجه مسلم في «صحيحه» كتاب اللباس والزينة، باب استحباب خضاب الشيب بصفرة أو حمرة: (٢١٠٢)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

(٤) أخرجه أبو داود في «الترجُّل» (٤٢١٢)، والنسائي في «الزينة» (٥٠٧٥)، وأحمد في «مسنده» (٢٤٦٦)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وجوّد إسناده العراقي في «تخريج الإحياء»: (١/ ١٩٦)، وصحَّحه أحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد»: (٦/ ١٣٧)، والألباني في «صحيح الجامع» (٨١٥٣).

(٥) «تهذيب السنن» لابن القيم (٦/ ١٠٣).

(٦) انظر: «صحيح البخاري» (٣/ ١٤٢٦)، و«صحيح مسلم» (٤/ ١٨٢١).

(٧) انظر: «المستدرك» للحاكم (٣/ ٣٤٢)، و«المصنف» لابن أبي شيبة (٥/ ١٨٦).

(٨) «شرح مسلم» للنووي (١٤/ ٨٠).