مسألة في المضاربة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 10 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 07 ديسمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٩٠

الصنف: فتاوى المعاملات المالية

مسألة في المضاربة

السؤال:

يتعلَّق بمسألةِ البيوعِ، ومضمونُه: أنَّ رجلين: الأوَّلُ زيدٌ والثاني عمرٌو، اكترى الأوَّلُ حانوتًا للموادِّ الغذائية، وطلب مِنَ الثاني أن يُشارِكَه في ذلك بمالِه وبدنِه تناصفًا، شاء الله تعالى أَنْ يطلبَ الثاني الخروجَ مِنَ الشركةِ لأنه وَجَد مشروعًا آخَرَ، على كُلِّ حالٍ وافقَ الأوَّلُ، إلَّا أنَّ عمرًا عَرَض على زيدٍ ـ وهو الرجلُ الأوَّلُ ـ أَنْ يقبلَ طَرَفًا آخَرَ يدخل مكانَه، وافق زيدٌ بشرطِ أَنْ يُمْهِلَ خالدًا مدَّةَ أسبوعٍ يُراجِعُ فيها نَفْسَه.

بعد انقضاءِ المدَّةِ وافق خالدٌ على المشاركةِ ببدنِه مع شطرِ مالِه، موضعُ الإشكالِ هنا هو أنَّه ـ بعد مرورِ مدَّةٍ زمنيةٍ مِنَ الاشتراكِ مع خالدٍ طلب زيدٌ مِنْه أَنْ يُخْلِيَ له الحانوتَ ويتفرَّقا لأسبابٍ منها ضعفُ المدخولِ.

السؤالُ هو: مَنِ الذي يَحِقُّ له البقاءُ في الحانوت: زيدٌ أم خالدٌ؟ وبأيِّ حجَّةٍ؟

الشطرُ الثاني مِنَ السؤال: أنه وقع الانفصالُ فعلًا، وبقي زيدٌ في الحانوتِ بحجَّةِ أنه أوَّلُ مَنِ اكترى الحانوتَ، وأنَّ خالدًا إنَّما دَخَل بعد مرورِ مدَّةٍ زمنيةٍ مِنْ وجودِ زيدٍ في الحانوت، فما نصيحتُكم لمَنْ قاطع أخاهُ لهذه المُشكلة (أعني بالمقاطعةِ أنه لا يسلِّم عليه ولا يبتسم في وجهه)؟

أفتونا مأجورين ـ حفظكم الله ـ مع إيرادِ الأدلَّةِ على ذلك ونرجو ـ حفظكم الله ـ أَنْ يكونَ الجوابُ كتابيًّا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّ الشركةَ عقدٌ جائزٌ لا لازمٌ، يمكن فسخُه في أيِّ وقتٍ؛ ولذلك لا يَلْزَم بيانُ مُدَّتِه، وإذا بُيِّنَتْ فالمسلمون على شروطِهم ما لم يظهر مِنْ هذه الشركةِ ما يتنافى مع مقصودِ العقدِ، كما علَّل زيدٌ بضعفِ الربحِ وقلَّتِه؛ ولذلك يعود المتعاقِدان بعد الفسخِ إلى ما كان عليه أمرُهما قبل التعاقدِ، وقد كان زيدٌ قبل التعاقدِ مع خالدٍ يحوز الدُّكَّانَ فهو أَوْلَى به، وإذا اتَّجر فيه خالدٌ بعد إبطالِ العقدِ وفسخِه فليس له سوى أجرةِ مثلِه، وما كان مِنْ ربحٍ أو خسارةٍ ـ بعد فسخ العقد ـ فلصاحبِ الدُّكَّانِ منافعه وعليه مصارفه وغُرمه؛ لأنَّ العاملَ أجيرٌ، والأجيرُ لا يضمن إلَّا بالتعدِّي أو التقصير أو الإهمال.

هذا، وإذا تبيَّن لهذا الأخِ الحقُّ فلا يَحِلُّ له الإعراضُ عنه، ومعاندةُ الحقِّ الظاهر، والغضبُ للنفس، والانتصارُ لها بالباطل، فيجفو أخاه المسلمَ ويُقاطِعه ويُعْرِض عنه ويُدابِره على أمرٍ دنيويٍّ؛ فإنَّ هذا مِنْ سوءِ الخُلُقِ وفسادِ القلب، ولم يرخِّصِ الشرعُ الهجرانَ للدنيا إلَّا في ثلاثةِ أيَّامٍ يَدَعُ فيها نوازِعَ الكِبْرِ والغضبِ والخصومةِ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ»(١)، ثمَّ لِيُعْلَمْ أنَّ عاقبةَ التمادي في الشحناءِ والتدابرِ وتقطيعِ أواصرِ الأخوَّةِ هو الحرمانُ مِنْ مغفرةِ الله تعالى ورحمتِه؛ فقَدْ أخرج مسلمٌ في «صحيحِه» مِنْ حديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه مرفوعًا: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا»(٢)؛ فإنَّ الدنيا أهونُ على الله، والعاقلُ لا يُفْضِي بنفسه إلى هذه العاقبة.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.



(١) أخرجه البخاريُّ في «الاستئذان» باب السلام للمعرفة وغيرِ المعرفة (٦٢٣٧)، ومسلمٌ في «البرِّ والصِّلَة والآداب» (٢٥٦٠)، مِنْ حديثِ أبي أيُّوب رضي الله عنه.

(٢) أخرجه مسلمٌ في «البرِّ والصِّلَة والآداب» (٢٥٦٥) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.