في خطإ الصانع في تقديرِ ثمنِ ما يصنعه لزبونه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 16 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 13 ديسمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٩١

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - الإجارة

في خطإ الصانع في تقديرِ ثمنِ ما يصنعه لزبونه

السؤال:

ما الحكمُ في هذه المسألة: صانعٌ حدَّد ثمنًا لزبونه مُقابِلَ أَنْ يصنعَ له شيئًا، وبعد مباشرته لعملِه تَبيَّن له أنَّ ذلك الثمنَ المحدَّدَ قليلٌ (أي: أقلُّ مِنْ رأس مالِه ـ أعني: تكاليفَ المصنوع أو قَدْرَ رأس المال ـ فيضيع جهدُه وعرقُه)، فتَخَاصَمَ هو وزبونُه، فما العملُ؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّ ما ادَّعاهُ الأجيرُ الصانع ـ وإِنْ وافَقَ ظاهِرَ الحال ـ فلا يُتَمَسَّكُ به في إثبات الاستحقاق لعدَّةِ اعتباراتٍ منها:

ـ كون الصانع مُقِرًّا بالمبلغ المتَّفَقِ عليه حالَ العقد؛ فالمُعتبَرُ ـ عندئذٍ ـ قولُ الأصيل (وهو المُستصنِع)؛ لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِ[المائدة: ١]، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ»(١).

ـ ولأنَّ الصانع قصَّر في طلبِ الحظِّ لنفسه بعدمِ سعيِه للتعرُّف على القيمة الحقيقية للصفقة المرادِ إبرامُها، وذلك معدودٌ مِنْ تفريطه وتقصيره فلا يضمنُه غيرُه.

وينبني عليه أنَّ الصانع إِنْ عَلِمَ بالقيمة الحقيقية لتكاليفِ الصنعة عند العقد فلا استحقاقَ له ـ ألبتَّةَ ـ لسوءِ نيَّته، وإِنْ عَلِمَ أثناءَ عملِه فالواجبُ تبليغُ الأصيل وإعلامُه بها، فإِنْ رضِيَ بها أُلْغِيَ العقدُ الأوَّلُ وصار العقدُ الثاني لازمًا، ومِنْ حقِّه أَنْ يُطالِبَه بالزيادة ـ حالَتَئِذٍ ـ بناءً على العقد الثاني، وإِنْ سَخِط وامتنع الأصيلُ (المُستصنِع) فلهما أَنْ يفسخا العقدَ، ولا يَستحِقُّ الأجيرُ الصانعُ سوى مقدارِ ما أنفقه مِنْ عملِه بأجرِ المثل، أي: أجرة المدَّة التي عَمِل فيها ولا يَستحِقُّ الأجرةَ الكاملةَ.

أمَّا إِنْ عَلِم بقيمةِ تكاليفِ الصفقة الحقيقية واستمرَّ في العمل مِنْ غيرِ إشعارِ الأصيل المُتعاقَدِ معه بها؛ فإنَّ عَمَلَه يكون شبيهًا بتصرُّف الفضوليِّ، وتصرُّفاتُه تقع صحيحةً، غيرَ أنها موقوفةٌ على إجازةِ صاحِبِ الشأن، وهو مَنْ صَدَر التصرُّفُ لأجله: فإِنْ أجازه نَفَذَ وإِنْ ردَّه بَطَلَ كما هو الراجحُ مِنْ قولَيْ أهل العلم، وهو مذهبُ الحنفية والمالكية.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٥ ذي القعدة ١٤١٧ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٨ مارس ١٩٩٧م

 


(١) أخرجه أبو داود في «الأقضية» بابٌ في الصلح (٣٥٩٤) مِنْ حديث أبي هريرة رضي الله عنه. والترمذيُّ في «الأحكام» بابُ ما ذُكِرَ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في الصلح بين الناس (١٣٥٢) مِنْ حديثِ عمرو بنِ عوفٍ المُزَنيِّ رضي الله عنه. قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ في [«مجموع الفتاوى» (٢٩/ ١٤٧)]: «وهذه الأسانيد ـ وإِنْ كان الواحد منها ضعيفًا ـ فاجتماعُها مِنْ طُرُقٍ يشدُّ بعضُها بعضًا»، وصحَّحه ـ بمجموع طُرُقه ـ الألبانيُّ في «الإرواء» (٥/ ١٤٢) رقم: (١٣٠٣) و«السلسلة الصحيحة» رقم: (٢٩١٥).