التصفيف التاسع والأربعون: عقائد الإيمان بالرُّسُل عليهم الصلاةُ والسلام (٣) | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 24 ربيع الأول 1441 هـ الموافق لـ 21 نوفمبر 2019 م

العقائد الإسلامية
مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

للشيخ عبد الحميد بنِ باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ

«التصفيف التاسع والأربعون: عقائد الإيمان بالرُّسُل عليهم الصلاةُ والسلام (٣)»

[الفصل ٦٩: تأييد الله لهم بالبيِّنات والآيات](١)

لَمَّا أَرْسَلَ اللهُ الرُّسُلَ(٢) لِهِدَايَةِ خَلْقِهِ وَإِقَامَةِ حُجَّتِهِ أَيَّدَهُمْ بِالبَيِّنَاتِ، وَهِيَ كُلُّ مَا يَتَبَيَّنُ(٣) بِهِ الحَقُّ: مِنْ كَمَالِ سِيرَتِهِمْ فِي قَوْمِهِمْ، وَوُضُوحِ بَيَانِهِمْ، وَقُوَّةِ حُجَّتِهِمْ، وَأَيَّدَهُمْ بِالآيَاتِ المُعْجِزَاتِ الخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ، المَعْجُوزِ عَنْ مُعَارَضَتِهَا؛ فَكَانُوا يَدْعُونَ الخَلْقَ بِالحُجَجِ وَالبَرَاهِينِ، فَإِذَا سَأَلُوهُمْ آيَةً رَدُّوا الأَمْرَ إِلَى اللهِ، وَتَبَرَّأُوا مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مَعَهُ تَصَرُّفٌ فِي الكَوْنِ حَتَّى يَأْتُوا بِالآيَاتِ، فَيُعْطِيهِمُ اللهُ الآيَاتِ تَأْيِيدًا لَهُمْ وَتَخْوِيفًا لِقَوْمِهِمْ؛ فَيَخْضَعُ قَوْمٌ فَيُؤْمِنُونَ، وَيَسْتَمِرُّ الأَكْثَرُونَ عَلَى العِنَادِ؛ فَتَحِقُّ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذَابِ(٤)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ[الحديد: ٢٥](٥)، وَلِقَوْلِهِ(٦):﴿قَالُواْ يَٰصَٰلِحُ قَدۡ كُنتَ فِينَا مَرۡجُوّٗا قَبۡلَ هَٰذَآ[هود: ٦٢](٧)، وَلِقَوْلِهِ(٨):﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡ[إبراهيم: ٤](٩)، وَلِقَوْلِهِ(١٠):﴿وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ[الأنعام: ٨٣](١١)، [وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى](١٢): ﴿أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُۚ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فِيٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَقَالُوٓاْ إِنَّا كَفَرۡنَا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَنَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ ٩ ۞قَالَتۡ رُسُلُهُمۡ أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَدۡعُوكُمۡ لِيَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرَكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ قَالُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتُونَا بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ١٠ قَالَتۡ لَهُمۡ رُسُلُهُمۡ إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأۡتِيَكُم بِسُلۡطَٰنٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١١ وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنَا سُبُلَنَاۚ وَلَنَصۡبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيۡتُمُونَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ١٢[إبراهيم]، [وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى](١٣): ﴿وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّا تَخۡوِيفٗا ٥٩[الإسراء].



(١) «م.ف»: «تأييد الرُّسُل بالبيِّنات»، وفي «م.ر.أ»: بزيادةِ عنوانٍ فرعيٍّ: «مُعجِزات الرُّسُل».

(٢) «م.ر.أ»: بزيادةِ: «الله» بعدها، وهو خطأٌ مطبعيٌّ.

(٣) «م.ر»: «تَبَيَّنَ».

(٤) بيَّن المصنِّف ـ رحمه الله ـ أنَّ الأنبياء والرُّسُل عليهم السلام صفوةُ خَلْقِ الله، اختارهم لقيادة الخَلْق إلى الحقِّ، وخصَّهم بالفضائل والكمالات، وعَصَمهم مِنَ النقائص والرذائل؛ ليتمكَّنوا مِنَ القيام بأعباء الرسالة وتحقيقِ المقصود منها، وهو: هدايةُ الخَلْقِ وإقامةُ الحجَّةِ عليهم، وقد أيَّدهم اللهُ بالبيِّنات النفسية التي تتعلَّق بذواتهم مِنَ المَواهِبِ الذهنية والقدرات العقلية، والأخلاقِ السامية والسيرةِ الحميدة والصفاتِ الحسنة؛ ﻓ: «كان الرُّسُّلُ عليهم الصلاةُ والسلامُ أَكْمَلَ الناسِ في أخلاقهم، وأَنْزَهَهم في سيرتهم، معروفين بذلك بين أقوامهم قبل نُبُوَّتِهم، ثمَّ إذا بَعَثَهم اللهُ تعالى آتاهم مِنَ العلم وقوَّةِ الإدراك ووضوحِ البيانِ ما تنهض به حُجَّتُهم، وتتَّضِحُ به دعوتُهم، ويُقْطَعُ بكُلِّ مَنْ يُعارِضُهم بشبهةٍ ويُموِّهُ بباطلٍ، وإذا قَرَأْتَ ما قصَّه علينا القرآنُ العظيم مِنْ مواقف الأنبياء في دعوتهم لأقوامهم رأيتَ كيف أنهم كانوا يَدْعون الناسَ بالحُجَجِ والبراهين والأدلَّةِ العقلية الجليَّة» [«مجالس التذكير مِنْ حديثِ البشير النذير» لابن باديس (٣٣)].

ومِنْ صُوَرِ مَواهِبِهم: أنَّ إبراهيم عليه السلام أَسْكَتَ خَصْمَه في مَعْرِض الحِجاج فقال تعالى: ﴿فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٥٨[البقرة]؛ فالمُحاجَّةُ لإبطال الباطل ولإحقاق الحقِّ مِنْ مَقامات الرُّسُل لقوله تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِ‍ۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ[البقرة: ٢٥٨]، وتفريعُ إبراهيمَ عليه السلام حُجَّتَه كان على حجَّةٍ أَوْضَحَ منها كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ[البقرة: ٢٥٨]، ومُحاجَّةُ إبراهيمَ عليه السلام لقومه هي مَواهِبُ خصَّ اللهُ بها مَنِ اصطفى مِنْ خَلْقه؛ قال تعالى: ﴿وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُ[الأنعام: ٨٣]، وكذلك انتهضَتْ في وجهِ فرعونَ حجَّةُ موسى عليه السلام وتَبيَّنَ بها الحقُّ الذي دَعَا إليه؛ فانقطعَتْ شبهةُ فرعونَ حتَّى انتقل إلى التهديد بالقوَّة والترهيبِ بالسجن؛ قال تعالى: ﴿قَالَ فِرۡعَوۡنُ وَمَا رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٣ قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٢٤ قَالَ لِمَنۡ حَوۡلَهُۥٓ أَلَا تَسۡتَمِعُونَ ٢٥ قَالَ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٦ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيٓ أُرۡسِلَ إِلَيۡكُمۡ لَمَجۡنُونٞ ٢٧ قَالَ رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ٢٨ قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذۡتَ إِلَٰهًا غَيۡرِي لَأَجۡعَلَنَّكَ مِنَ ٱلۡمَسۡجُونِينَ ٢٩[الشُّعَراء]؛ ففي الآيةِ أنَّ موسى عليه السلام احتجَّ على فرعونَ مِنَ البيان والتبيان بما يفهمه مَنْ له أَدْنَى مسكةٍ مِنْ عقلٍ، ورميُ فرعونَ لموسى بالجنون ـ مع أنه مِنْ أَزْكى الخَلْق عقلًا وأَكْمَلِهم علمًا ـ غايةٌ في الجحود، وإنما ـ في حقيقة الأمر ـ أنَّ مَنْ يُوصَفُ بالجنون الذي تكون البهائمُ أَعْقَلَ منه والأنعامُ أَهْدَى: هو مَنْ أَنْكَرَ أَظْهَرَ الموجوداتِ خالِقَ السماواتِ والأرض وما بينهما.

فهذه نماذجُ تُظْهِرُ أنَّ الأنبياءَ والرُّسُلَ تَولَّتْهم الرعايةُ الإلهية تأديبًا وتربيةً وتعليمًا حتَّى كانوا مَناراتِ الهدى ومُثُلًا عُلْيَا، وقد أثنى اللهُ عليهم بقوله: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَۚ فَإِن يَكۡفُرۡ بِهَا هَٰٓؤُلَآءِ فَقَدۡ وَكَّلۡنَا بِهَا قَوۡمٗا لَّيۡسُواْ بِهَا بِكَٰفِرِينَ ٨٩ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡ[الأنعام: ٨٩ ـ ٩٠]، وبقوله تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِمۡ فِعۡلَ ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِۖ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ ٧٣[الأنبياء]، وقولِه تعالى: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ ٩٠[الأنبياء].

والله تعالى أيَّد رُسُلَه وأنبياءَه عليهم السلام بالآيات البيِّنات، وهي المُعْجِزاتُ والحُجَجُ الباهراتُ والدلائلُ القاطعاتُ التي تَقْطع بصدقِ دعواهم، وأنهم مُرْسَلون مِنْ عندِ الله، وموصولون بالملإ الأعلى يتلقَّوْن عنه الوحيَ، ومنه يأخذون دِينَ اللهِ وشَرْعَه.

والآيات البيِّناتُ التي يُؤيِّـدُ اللهُ بها رُسُلَه ضروريةٌ لكُلِّ نبيٍّ؛ ليُستدَلَّ بها على صدقِه، ويتمَّ بها المقصودُ مِنْ تبليغ الرسالة، ويُقيمَ بها حجَّةَ اللهِ على خَلْقه؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ؛ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ القِيَامَةِ» [مُتَّفَقٌ عليه: سيأتي تخريجه في فصلٍ لاحقٍ]، قال ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ في [«فتح الباري» (٩/ ٦) بتصرُّف] ما نصُّه: «هذا دالٌّ على أنَّ النبيَّ لا بُدَّ له مِنْ معجزةٍ تقتضي إيمانَ مَنْ شاهَدَها بصدقِه، ولا يضرُّه مَنْ أَصَرَّ على المعانَدة .. والمعنى: أنَّ كُلَّ نبيٍّ أُعْطِيَ آيةً أو أَكْثَرَ، مِنْ شأنِ مَنْ يُشاهِدُها مِنَ البشر أَنْ يُؤْمِنَ به لأَجْلِها .. أي: يؤمن بذلك مغلوبًا عليه بحيث لا يستطيع دَفْعَه عن نَفْسِه، لكِنْ قد يَجْحَد فيُعانِدُ، كما قال اللهُ تعالى: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗا[النمل: ١٤]».

وهذه الآياتُ تكون ـ عادةً ـ مُخالِفةً للسنن الخاصَّة بالمادَّة، وخارقةً للعادات المعروفة، وخارجةً عن مألوف الحياة الطبيعية؛ ولهذا سُمِّيَتْ بالمعجزات؛ لأنها فوق طاقة البشر، يعجز العقلُ عن تفسيرها، وخارجةٌ عن نطاقِ قدرتهم وعلومِهم ومَعارفهم، تعجز القدرةُ البشريةُ عن الإتيان بمِثْلِها.

وعليه، فالنفسُ النزيهة لا تتوقَّفُ في تصديقِ شيءٍ متى وَقَعَ إذا ما ثَبَتَ بالدليل القاطع الذي لا يَتطرَّقُ إليه شكٌّ؛ لعِلْمِها بأنَّ اللهَ تعالى لا يَتقيَّدُ بالسنن الظاهرة التي وَضَعها؛ فهي تُدْرِكُ تمامَ الإدراك أنَّ الذي خَلَقَ النارَ بقدرته مُحْرِقةً ـ مثلًا ـ لا يمنعه شيءٌ مِنْ سَلْبِ خاصِّية الإحراق عنها، كما حَدَثَ مع إبراهيم عليه السلام حين أَفْحَمَ قومَه الحجَّةَ: استعملوا قوَّتَهم في مُعاقَبته ﻓ: ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓاْ ءَالِهَتَكُمۡ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٦٨ قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ ٦٩[الأنبياء]؛ فانتصر اللهُ لخليله فأَبْطَلَ مفعولَ النارِ بسَلْبِ الإحراق عنها؛ فكانَتْ بَرْدًا وسلامًا عليه، لم يَنَلْه مكروهٌ ولا أحَسَّ بأذًى.

والنفس المؤمنةُ تعلم أنَّ الذي خَلَقَ الإنسانَ مِنْ ذَكَرٍ وأُنْثَى بقدرته، وخَلَقَ آدَمَ مِنْ ترابٍ: قادرٌ على أَنْ يخلق غلامًا مِنْ غيرِ مَسيسٍ ولا لقاحٍ كما حَدَثَ مع العفيفةِ مريمَ العذراءِ عليها السلام التي ﴿قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ وَلَمۡ أَكُ بَغِيّٗا ٢٠ قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞۖ وَلِنَجۡعَلَهُۥٓ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةٗ مِّنَّاۚ وَكَانَ أَمۡرٗا مَّقۡضِيّٗا ٢١[مريم].

والنفس المؤمنة النزيهة تُدْرِكُ ـ أيضًا ـ بأنَّ الذي أعطى المرأةَ الوَلود القدرةَ على الإنجاب: قادرٌ على أَنْ يُعطيَ العقيمَ هذه القدرةَ متى شاء، كما وَقَعَ ذلك لأمِّ يحيى بنِ زكريَّا عليهما السلام حينما بشَّرَهُ اللهُ بالولد، وكمالِ صِفَاته، وكونِه نبيًّا مِنَ الصالحين؛ قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥ‌ۖ قَالَ رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةً‌ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٨ فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ٣٩ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَقَدۡ بَلَغَنِيَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِي عَاقِرٞ‌ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ ٤٠[آل عمران]؛ فتَعجَّبَ زكريَّا عليه السلام مِنْ حصول الولد مع وجودِ مانعِ الكِبَر والعقم؛ فإِنْ كان الواحدُ منهما يمنع مِنْ وجود الولد فكيف إذا اجتمعا؟ هذا أمرٌ خارقٌ للعادة؛ فأخبره اللهُ تعالى أنه أمرٌ هيِّنٌ عليه؛ فكما أنه تعالى يُوجِدُ الأولادَ بأسباب التناسل المعتادة، فإِذا أراد أَنْ يُوجِدَهم مِنْ غيرِ ما سببٍ معتادٍ أَوْجَدَهم؛ فاللهُ يفعل ما يشاء، لا يستعصي عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، وهو ـ سبحانه ـ الحكيمُ القدير.

فالله تعالى يُرِي عِبادَه خَرْقَ العوائد في بعض الأسباب العادية؛ للدلالة على كمالِ قدرتِه سبحانه، وأنه لا يتقيَّد بالسنن الظاهرة، بل مِنْ وراءِ هذه السننِ سننٌ أخرى فوق العادة، وأنه ـ سبحانه ـ خالقُ الأسبابِ ومُوجِدُها جميعِها؛ فلا يخرج شيءٌ عن عِلْمِه وإرادته وقدرته؛ وعليه فلا تَستقِلُّ الأسبابُ بالتأثير، وإنما تأثيرُها بتقدير الله تعالى؛ لِئلَّا يَقِفَ الناسُ مع الأسباب ويقطعوا النظرَ عن واضِعِ سننِ الكون ومُقدِّرِ الأسباب ومسبِّبها.

فهذه آياتٌ ومعجزاتٌ ممكنةٌ في ذاتها، لا يمنعها العقلُ، ولا ينفيها العلمُ، ويُؤيِّدُها الواقعُ، وهي ـ بالاستقراء ـ تَندرِجُ تحت مَحاوِرَ ثلاثةٍ، وهي: العلم، والقدرةُ، والغنى.

ـ وممَّا يُعَدُّ مِنْ معجزاتٍ خارقةٍ داخلةٍ في باب العلم: الإخبارُ بالمغيَّبات الماضيةِ والحاضرة والمُستقبَلة: كإخبار عيسى عليه السلام قومَه بما يأكلون وما يدَّخِرون في بيوتهم، و«إخبارِ نبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عن الأنبياء المتقدِّمين وأُمَمِهم ومخاطَباتِه لهم وأحوالِه معهم، وغيرِ الأنبياء مِنَ الأولياء وغيرِهم ـ بما يُوافِقُ ما عند أهل الكتاب الذين وَرِثوهُ بالتواتـر أو بغيره، مِنْ غيرِ تعلُّمٍ له منهم، وكذلك إخباره ـ عن أمور الربوبية والملائكة والجنَّة والنار ـ بما يُوافِقُ الأنبياءَ قبلَه مِنْ غيرِ تعلُّمٍ منهم، ويُعْلَمُ أنَّ ذلك مُوافِقٌ لنُقولِ الأنبياء: تارةً بما في أيديهم مِنَ الكُتُب الظاهرة ونحوِ ذلك مِنَ النقل المتواتر، وتارةً بما يعلمه الخاصَّةُ مِنْ علمائهم» [«مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١١/  ٣١٥)].

ـ ومِنَ المعجزات الخارقة الداخلة في باب القدرة: ما تَقدَّمَ في شأنِ إبراهيمَ عليه السلام مِنْ إبطالِ مفعول النار وسَلْبِ الإحراق عنها، وانفلاقِ البحر لموسى عليه السلام وتحويلِ عَصاهُ أفعَى، ومعجزةِ إحياء الموتى لعيسى عليه السلام وإبراءِ الأكمه والأبرص، وإخراجِ الناقة لصالحٍ عليه السلام، وانشقاقِ القمر ونبعِ الماء مِنْ أصابعِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، وتسبيحِ الحصى، وحنينِ الجِذْع، ورَجْفِ الجبل، وإخبارِ الذراع إيَّاهُ أنها مسمومةٌ ونحوِ ذلك.

ـ ومِنَ المعجزات الداخلة في باب الغنى: عصمةُ اللهِ لرسوله صلَّى الله عليه وسلَّم مِنَ الناس وحفظُه له؛ بحيث لا يستطيع أحَدٌ منهم أَنْ يَصِلَ إليه بسوءٍ يُؤْذيه؛ قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ[المائدة: ٦٧]، وحمايةُ الله لرسوله صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أيضًا ـ ممَّنْ هَمُّوا بالفتك به في غزوة تبوك؛ قال تعالى: ﴿وَهَمُّواْ بِمَا لَمۡ يَنَالُواْ[التوبة: ٧٤]، ووِصالُه صلَّى الله عليه وسلَّم في الصوم مع بقاءِ قوَّتِه وحيويَّتِه ونشاطِه، وكذلك طوافُه على نسائه في ليلةٍ مِنْ غيرِ تأثُّرٍ، ونحو ذلك.

وهذه المَحاوِرُ الثلاثة التي ترجع إليها المعجزاتُ مَرَدُّها ـ جميعًا ـ إلى الله تعالى، وهي واقعةٌ بإذنٍ منه سبحانه، ليس للرُّسُل والأنبياء عليهم السلام أيُّ تصرُّفٍ مع الله في الكون؛ لذلك «كانوا إذا سُئِلوا الآياتِ المعجزاتِ الخارقةَ للعادة؛ رَدُّوا الأمرَ إلى الله، ونَفَوْا أَنْ تكون لهم قدرةٌ على الإتيان بها إلَّا بإذن الله؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأۡتِيَكُم بِسُلۡطَٰنٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ[إبراهيم: ١١]؛ فيُظْهِرُ اللهُ ـ على أيديهم ـ الآياتِ تأييدًا لهم وتخويفًا لأقوامهم وقطعًا لمُشاغَبتهم؛ فيخضع لها بعضُهم ويَستمِرُّ الأكثرون على العناد؛ فما مِنْ نبيٍّ مِنَ الأنبياء إلَّا وقد أعطاهُ اللهُ مِنَ الآيات والمعجزاتِ ما مِثْلُه ـ في وضوحه وظهوره والعجزِ عن مُعارَضته ـ ما يُؤْمِنُ عليه العبادُ ويتَّفِقون عليه لولا ما يَصُدُّهم عنه مِنَ العناد، وهو معنَى قولِه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ» [سيأتي تخريجه في فصلٍ لاحقٍ]» [«مجالس التذكير مِنْ حديثِ البشير النذير» لابن باديس (٣٣ ـ ٣٤)].

ولا يخفى أنَّ الأنبياء والرُّسُلَ عليهم السلام لم يَدَّعوا أنَّ بأيديهم مَفاتيحَ رِزْقِ اللهِ ورحمتِه، ولا أنهم يملكون التصرُّفَ في خزائن الله، ولا أنهم يعلمون الغيبَ، ولا أنهم ملائكةٌ، وإنما هُمْ بشرٌ ممَّنْ خَلَقَ، يُوحَى إليهم مِنَ الله تعالى، شرَّفَهم اللهُ بالوحي الذي يتَّبِعونـه ولا يخرجون عنه، وأَنْعَمَ عليهم بالمَكارم والفضائل والكمالات، وعَصَمَهم مِنَ الرذائل والنقائص والمَعايب، وأَكْرَمهم بالرسالة أو النبوَّة لهداية الخَلْق إلى الحقِّ وإقامةِ الحجَّة عليهم، وأيَّدهم بالآيات البيِّنات والمُعْجِزات الباهرات وخوارقِ العادات الدالَّةِ على صِدْقِهم؛ حتَّى لا يبقى عذرٌ لأحَدٍ في تكذيبهم والخروجِ عن طاعتِهم؛ ولهذا أَمَرَ اللهُ تعالى نبيَّه أَنْ يَبْرَأَ مِنْ دعوَى هذه المَحاوِرِ الثلاثة مِنَ العلم والقدرة والغنى ـ التي ترجع إليها المُعْجِزاتُ ـ بقوله تعالى: ﴿قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّي مَلَكٌۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ[الأنعام: ٥٠]، قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ في [«مجموع الفتاوى» (١١/ ٣١٣)] ما نصُّه: «فأَمَرَهُ أَنْ يخبر أنه لا يعلم الغيبَ، ولا يملك خزائنَ الله، ولا هو مَلَكٌ غنيٌّ عن الأكل والمال، إِنْ هو إلَّا مُتَّبِعٌ لِمَا أُوحِيَ إليه، واتِّباعُ ما أُوحِيَ إليه هو الدِّينُ، وهو طاعةُ اللهِ وعبادتُه علمًا وعملًا بالباطن والظاهر، وإنما يَنالُ مِنْ تلك الثلاثةِ بقَدْرِ ما يعطيه اللهُ تعالى: فيعلم منه ما علَّمَه إيَّاهُ، ويقدر منه على ما أَقْدَرهُ اللهُ عليه، ويستغني عمَّا أغناهُ اللهُ عنه مِنَ الأمور المُخالِفةِ للعادة المطَّرِدةِ أو لعادةِ غالبِ الناس» [وانظر: «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ (٥٥٨)].

تنبيه:

هذا، ويجدر التنبيهُ إلى أمرين مُهِمَّين وهُما:

أحَدُهما: الفرقُ بين آيات الرُّسُل والأنبياء، وخوارقِ السَّحَرة والكُهَّان وغيرهم:

لا ينبغي أَنْ تلتبس دلائلُ النبوَّةِ ومعجزاتُ الرُّسُل والأنبياء بخوارق السَّحَرة والكُهَّان، وعجائبِ المُخْترَعات الصناعية، وغرائبِ التنويمات المغناطيسية:

ـ فالمعجزةُ هي الأمرُ الممكن الخارق للعادة، المقرونُ بالتحدِّي، الخالي عن المعارض، الذي يُجْريهِ اللهُ على يدِ نبيٍّ مُرْسَلٍ ليُقيمَ به الدليلَ القاطع على صدقِ نبوَّته، [انظر: «الانتصارات الإسلامية» للطوفي (١/ ٢٨٦)]، وأهلُها مُتَّصِفون بالإيمان والتقوى والاستقامةِ على وجه الطهر والكمال؛ فنفوسُهم بَقِيَتْ على طُهْرِها، وكمالُهُم فطريٌّ، وعصمتُهم ربَّانيةٌ إلى الغايات التي لا تُنال، وأخبارُ الأنبياءِ والرُّسُلِ كُلُّها صادقةٌ مُوافِقةٌ للحقيقة ومُطابِقةٌ للواقع، لا يقع فيها تخلُّفٌ أو غلطٌ، ومعجزاتُهم خارجةٌ عن مقدور البشر ولا تحصل بأفعالهم، وإنما يفعلها اللهُ آيةً وعلامةً لهم.

ـ أمَّا الخوارق بسبب الكفر والشرك والطغيان والفسق والظلم فهي مِنَ الأحوال الشيطانية؛ لأنَّ السَّحَرة والكُهَّانَ والمُتنبِّئين لا يتَّصِفون إلَّا بالشرك وتكذيبِ بعضِ ما أَنْزَلَ اللهُ، وغالِبُ أخبارهم مبنيَّةٌ على الكذب والدَّجَل؛ فيخدعون حواسَّ الناسِ مِنَ السمع والبصر بالتخييل الذي يَحْذقه المُشَعْوِذون ويُجيدُه السَّحَرةُ، كالذي فَعَله سَحَرةُ فرعونَ المعنيِّ بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِيُّهُمۡ يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ ٦٦[طه]؛ فهؤلاء لا يجوز أَنْ يُوثَقَ بشيءٍ مِنْ أخبارهم وإِنْ صَدَقوا ـ تارةً ـ في بعض الأمور والأخبار؛ فإنما ذلك لأجلِ استراقِ شياطينِهم للسمع، وما يحصل مِنْ خوارق السَّحَرة والكُهَّان والمُخترَعاتِ الصناعية والتنويم المغناطيسيِّ ونحوِها فإنما هي مِنْ أفعال الخَلْق، وهي مقدورةٌ للجنِّ والإنس يمكن مُعارَضتُها بمِثْلِها؛ لأنَّ السحر والكهانة والاختراع الصناعيَّ والتنويم المغناطيسيَّ لا يزيد عن كونه مِنَ الأمور المعتادة التي يحصِّلُها طالِبُها بكَسْبِه ويَنالُهَا بالتعلُّم، بينما آياتُ الرُّسُل والأنبياء لا تقع بأفعالهم، وإنما يفعلها اللهُ بأمره؛ ليكون إظهارُها على أيديهم ـ مع بشريَّتِهم ـ دليلًا على أنهم رُسُلٌ وأنبياءُ مُنْذِرون مِنْ عندِ الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٥٠[العنكبوت]؛ فأَمْرُ الآياتِ مِنْ: عدمِ حَرْقِ النار لإبراهيم، وناقةِ صالحٍ، وعَصَا موسى وانفلاقِ البحر، وما ظَهَرَ على يدَيْ عيسى مِنْ إحياء الموتى وغيرِها، وانشقاقِ القمر لمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ كُلُّها إلى الله لا إلى اختيار المخلوقين، وهي غيرُ داخلةٍ في قدرتهم.

فشتَّانَ ـ إذن ـ بين معجزات الأنبياء والرُّسُل وآياتِهم وما جاءوا به مِنَ الوحي والدِّين الذي يُوافِقُ الفِطَرَ ويُجانِسُ العقولَ ويُكمِّلُها صحَّةً وصلاحًا، وبين مُخالَفةِ السَّحَرة والكُهَّان والدجَّالِين وأضرابِهم للأدلَّة السمعية والعقلية والفطرية؛ فإنها لا تزيد العقولَ والفِطَرَ إلَّا ضَياعًا وفسادًا، وهي مِنْ قبيل المَكْرِ والاستدراج والمِحَنِ والاعوجاج.

ثانيهما: الفرقُ بين المعجزة والكرامة:

تختلف الكرامةُ عن المعجزة مِنْ ناحيةِ: أنَّ الكرامةَ غيرُ مقرونةٍ بالتحدِّي والإعجاز، وليس فيها دَعْوَى النبوَّةِ ولا هي مقدِّمةٌ لها؛ فذلك خاصٌّ بالرُّسُل والأنبياء بمعجزاتهم، وإنما الكرامةُ هي ما يُكْرِمُ به اللهُ أولياءَه كرامةً خاصَّةً على صلاحِهم وقوَّةِ إيمانهم وتقواهُمْ، بما يُجْريهِ اللهُ على أيديهم مِنْ خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشَفات وأنواعِ القدرة والتأثيرات، [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٣/ ١٥٦)]، وقد جاء تعريفُ السفارينيِّ ـ رحمه الله ـ في [«لوامع الأنوار البهيَّة» (٢/ ٣٩٢)] بما يُفيدُ هذا المعنى بقوله: «الكرامة: وهي أمرٌ خارقٌ للعادة غيرُ مقرونٍ بدعوى النبوَّة ولا هو مقدِّمةٌ، يظهر على يدِ عبدٍ ظاهرِ الصلاح، مُلتزِمٍ لمُتابَعةِ نبيٍّ كُلِّفَ بشريعته، مصحوبٍ بصحيح الاعتقاد والعملِ الصالح، عَلِمَ بها ذلك العبدُ الصالح أم لم يعلم».

وتُفارِقُ الكرامةُ المعجزةَ مِنْ ناحيةٍ أخرى، وهي: أنَّ الأصل ـ في الكرامة ـ الإخفاءُ والكتمان، وهو لازمٌ عمَّا تَقدَّمَ مِنْ كونها غيرَ مقرونةٍ بالتحدِّي والإعجاز، بخلافِ المعجزةِ فإنَّ إظهارَها واجبٌ؛ لتكونَ دليلًا على أنَّ صاحِبَها مُرْسَلٌ مِنْ عندِ الله؛ ليتمَّ بها تبليغُ الرسالة.

علمًا أنَّ الكرامة لا تدلُّ ـ دائمًا ـ على تفضيلِ مَنْ أَكْرَمه اللهُ بها على غيرِه بخلاف المعجزة؛ إذ قد يكون الذي لم يَحْظَ بالكرامة أَكْمَلَ استقامةً مِنَ الذي أُعْطِيَها وأَفْضَلَ منه علمًا وعملًا وطاعةً؛ لذلك كانَتِ الخوارقُ في التابعين أَكْثَرَ منها في الصحابـة رضي الله عنهم، والصحابةُ رضي الله عنهم خيرٌ مِنَ التابعين وأَكْمَلُ منهم علمًا وعملًا وأخلاقًا وجهادًا، قال ابنُ أبي العزِّ ـ رحمه الله ـ في [«شرح العقيدة الطحاوية» (٥٦٠)]: «وأمَّا ما يبتلي اللهُ به عَبْدَه مِنَ السرِّ بخَرْقِ العادة أو بغيرِها أو بالضرَّاء فليس ذلك لأجلِ كرامة العبد على ربِّه ولا هوانِه عليه، بل قد سَعِدَ بها قومٌ إذا أطاعوه، وشَقِيَ بها قومٌ إذا عصَوْه؛ كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلۡإِنسَٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ ١٥ وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيۡهِ رِزۡقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ ١٦ كَلَّا[الفجر: ١٥ ـ ١٧]؛ ولـهذا كان الناسُ ـ في هذه الأمور ـ ثلاثةَ أقسامٍ: قسمٌ ترتفع درجتُهم بخرق العادة، وقسمٌ يتعرَّضون بها لعذاب الله، وقسمٌ يكون ـ في حقِّهم ـ بمنزلة المُباحات».

لذلك كان المطلوبُ مِنَ العبد: الاستقامةَ على الدِّينِ، والْتزامَ طاعةِ الله، والسعيَ في الاستفادة مِنَ العلم، والزيادةَ في العمل، وهدايةَ الخَلْقِ إلى الحقِّ، وليس إشغالُ المرءِ نَفْسَه بالتطلُّع إلى الكرامة مطلوبًا حتَّى يتحسَّرَ أو يَحزن إذا لم يَحْظَ بالكرامة أو يُوَفَّقْ إليها، قال أبو عليٍّ الجوزجانيُّ: «كُنْ طالبًا للاستقامة لا طالبًا للكرامة؛ فإنَّ نَفْسَك مُنْجَبِلةٌ على طلبِ الكرامة، وربُّكَ يطلب منك الاستقامةَ» [«مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١١/ ٣٢٠)، «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ (٥٥٩)]؛ ذلك لأنَّ الاستقامة حظُّ الربِّ، وطَلَبَ الكرامةِ حظُّ النفس؛ «فسبيلُ الصـادقِ مُطالَبةُ النفسِ بالاستقامة فهي كُلُّ الكرامة، ثمَّ إذا وَقَعَ في طريقِه شيءٌ خارقٌ كان كأَنْ لم يقع؛ فما يُبالي ولا ينقص بذلك، وإنما ينقص بالإخلال بواجبِ حقِّ الاستقامة» [«مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١١/ ٣٢١)].

هذا، والمعجزاتُ الخارقةُ للعادةِ المعجوزُ عن مُعارَضتِها ـ التي أيَّد اللهُ بها رُسُلَه عليهم السلام ليُستدَلَّ بها على صدقِهم ويتمَّ المقصودُ مِنْ تبليغ الرسالة وإقامةِ الحجَّة على خَلْقه ـ لا تَستمِرُّ لأحَدٍ كائنًا مَنْ كان للدلالة على صدقِه بعد انقطاع الوحي بوفاة النبيِّ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فلا نبوَّةَ ولا رسالةَ بعد نبوَّةِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم خاتمِ الأنبياء والرُّسُل عليهم السلام؛ قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّ‍ۧنَ[الأحزاب: ٤٠]؛ فلم يَبْقَ ـ إذن ـ إلَّا كراماتُ الأولياء، والتصديقُ بها مِنْ أصول أهل السنَّة والجماعة؛ فالقرآنُ الكريم حدَّث بها، وصحَّتْ ـ في ذِكْرِها ـ الأحاديثُ الثابتة؛ فلا مجالَ لإنكارها، وقد حكى القرآنُ الكريم عن الكرامات التي تُلازِمُ المُخْلِصين لله المتفرِّغين لعبادته، الذين سَلِمَتْ فِطَرُهم وزَكَتْ نفوسُهم؛ فمِنْ ذلك ما حدَّث به في شأنِ مريمَ عليها السلام؛ فقَدْ كان يُوجَدُ عندها فاكهةُ الشتاء في فصل الصيفِ وفاكهةُ الصيف في الشتاء، فجاء في القرآنِ عنها أنه: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ ٣٧[آل عمران]، وما وَقَعَ ـ أيضًا ـ لأصحاب الكهف وبقائهم فيه أحياءً مضروبًا على آذانهم ثلاثةَ قرونٍ وزيادةَ تسعِ سنواتٍ هلاليةٍ، [للتوضيح: قال ابنُ كثيرٍ في «تفسيره» (٣/ ٧٩): «هذا خبرٌ مِنَ الله تعالى لرسوله صلَّى الله عليه وسلَّم بمقدارِ ما لَبِثَ أصحابُ الكهف في كهفِهم منذ أرقدهم إلى أَنْ بَعَثهم اللهُ وأَعْثَر عليهم أهلَ ذلك الزمان، وأنه كان مقدارُه: ثلاثَمائة سنةٍ تزيد تسعَ سنين بالهلالية، وهي الثلاثُمائة سنةٍ بالشمسية؛ فإنَّ تَفاوُتَ ما بين كُلِّ مائةِ سنةٍ بالقمرية إلى الشمسية ثلاثُ سنين؛ فلهذا قال ـ بعد الثلاثمائة ـ: ﴿وَٱزۡدَادُواْ تِسۡعٗا ٢٥[الكهف]»]، وحِفْظِ اللهِ أبدانَهم مِنَ التدهور وأجسامَهم مِنَ الإتلاف طِيلةَ تلك المدَّةِ الطويلة، وما وَقَعَ في صدرِ هذه الأمَّةِ مِنَ الصحابة والتابعين وسائرِ قرون الأمَّة، وهي موجودةٌ فيها إلى يوم القيامة.

(٥) وتمامُ الآيـة: ﴿وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢٥[الحديد].

(٦) ساقطةٌ مِنْ «م.ر».

(٧) وتمامُ الآية: ﴿أَتَنۡهَىٰنَآ أَن نَّعۡبُدَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ ٦٢[هود].

(٨) ساقطةٌ مِنْ «م.ر».

(٩) وتمامُ الآية: ﴿فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٤[إبراهيم].

(١٠) ساقطةٌ مِنْ «م.ر».

(١١) وتمامُ الآية: ﴿نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ٨٣[الأنعام].

(١٢) ما بين المعقوفين ساقطٌ مِنْ «م.ر.أ»، و«تعالى» ساقطةٌ مِنْ «م.ف».

(١٣) ما بين المعقوفين ساقطٌ مِنْ «م.ر.أ»، و«تعالى» ساقطةٌ مِنْ «م.ف».