الفتوى رقم: ١٢٦

الصنف: فتاوى المعاملات المالية

في دفع الرشوة للتهرُّب من المكوس

السؤال:

أنتم على علمٍ -شيخنا- بما تحدِّده الدولة من القيمة المالية التي يحملها معه مَن أراد الخروج مِن الوطن وهي ٧٦٠٠ أورو، ولكن هذه القيمة لا تساعد التجَّارَ لشراء السلع، حيث إنهم يحتاجون قيمةً أكبر لشراء سلعهم، وبهذه الطريقة هم مضطرُّون إلى الإدلاء في الفواتير التي تمرُّ على البنك بالقيمة الحقيقية للسلع، وهذا يجعل التجَّارَ في الخارج لا يبيعون لهم السلعَ ويقبضون حقَّهم عن طريق البنوك لأنهم يريدونها نقدًا، وهم أيضًا يخافون من بُنوكِنا لِما شاع عليها من اختلاساتٍ من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى هذا التصريح الحقيقيُّ لأسعار البضائع يجعلهم يدفعون مكوسًا كبيرةً عند الجمارك وعند مصالح الضرائب، فمنهم من يلجأ -في هذه الحالة- لدفع رشاوى للجمارك من أجل إخراج قيمةٍ كبيرةٍ ليسدِّد ثمنَ البضاعة هناك نقدًا، وقيمةٍ صغيرةٍ تسدَّد عن طريق البنك هروبًا من المكوس، ومنهم من يشتري العملةَ في الخارج على أن يدفع لأصحابها الدينارَ في الجزائر، سواءٌ مسبَّقًا أو آجلاً حتى لا يدفع الرشوةَ للجمارك أو يدفع مكوسًا كبيرةً، فهل يجوز إعطاء رشوةٍ من أجل التهرُّب من المكوس الزائدة؟ وهل شراء العملة بهذه الكيفية تهرُّبًا من الرشوة والمكوس يُعتبر جائزًا؟ وجزاكم الله خيرًا.

                                   

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا، أمَّا بعد:

فإنه يجوز للتاجر أن يصانع بماله عند اضطراره مع إثم القابض دون الدافع(١)، غير أنه ينبغي أن يَكره الفعلَ ويُنكر على الفاعل ولو بأدنى درجات الإنكار لئلاَّ يكون راضيًا باغيًا، وحريٌّ بأهل التقوى والدين أن يجتنبوا مخالطةَ المعصية وأهلِها خشية تهوين الإثم، ولو من جانبٍ واحدٍ لكثرة التعامل به فينقلب المنكر معروفًا، فيضيِّع حدود الله تعالى، والحريص على دينه عليه أن يهجر المعصية لأنها رجسٌ لقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدَّثِّر: ٥]، ولقوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ»(٢).

أمَّا تحويل الدينار الجزائريِّ من بلدٍ لآخر بالعملة الورقية الأجنبية وفق إجراءات الاستيراد فجائزٌ ولو حصل تفاوتٌ بين العوضين في القدر لاختلاف الجنس، ويكفي قبضُ الحوالة فهي في حكم التقابض المشروط في المجلس الواحد، أمَّا أن يشتريَ المال في الخارج ويعطيَ لأصحابها الدينارَ في الجزائر فإنَّ عملية الصرف هذه غيرُ جائزةٍ لتخلُّف شرط التقابض في المجلس الواحد لقوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «وَلاَ تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ»(٣)، وقوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُم إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»(٤).

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في: ١٦ صفر ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ١٦ مارس ٢٠٠٦م

 


(١) راجع فتوى رقم: (٣٦)، بعنوان: «في حكم من صانع بماله عند اضطراره» على الموقع الرسمي.

(٢) أخرجه البخاري في «الإيمان» (١٠)، واللفظ لابن حبَّان (١٩٦)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

(٣) رواه البخاري (٢١٧٧)، ومسلم (١٥٨٤)، من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه.

(٤) أخرجه مسلم في «المساقاة» (١٥٨٧)، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

.: كل منشور لم يرد ذكره في الموقع الرسمي لا يعتمد عليه ولا ينسب إلى الشيخ :.

.: منشورات الموقع في غير المناسبات الشرعية لا يلزم مسايرتها لحوادث الأمة المستجدة،

أو النوازل الحادثة لأنها ليست منشورات إخبارية، إعلامية، بل هي منشورات ذات مواضيع فقهية، علمية، شرعية :.

.: تمنع إدارة الموقع من استغلال مواده لأغراض تجارية، وترخص في الاستفادة من محتوى الموقع

لأغراض بحثية أو دعوية على أن تكون الإشارة عند الاقتباس إلى الموقع :.

جميع الحقوق محفوظة (1424ھ/2004م - 1436ھ/2014م)