تفسير المعوِّذتين (١) | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 16 ربيع الأول 1441 هـ الموافق لـ 13 نوفمبر 2019 م



تفسير المعوِّذتين (١)

«قد اشتملت السورتان على ثلاثة أصولٍ وهي أصول الاستعاذة أحدها: نفس الاستعاذة، والثانية: المستعاذ به والثالثة: المستعاذ منه، فبمعرفة ذلك تُعرف شدَّةُ الحاجة والضرورة إلى هاتين السورتين، فلْنعقدْ لهما ثلاثةَ فصولٍ: الفصل الأوَّل: في الاستعاذة، والثاني: في المستعاذ به، والثالث: في المستعاذ منه.

الفصل الأوَّل:

اعلَمْ أنَّ لفظ «عاذ» وما تصرَّف منها يدلُّ على التحرُّز والتحصُّن والنجاة، وحقيقة معناها الهروبُ مِن شيءٍ تخافه إلى مَن يعصمك منه، ولهذا يسمَّى المستعاذ به مَعاذًا كما يسمَّى ملجأً ووَزَرًا، وفي الحديث: «أنَّ ابنة الجَوْن لمَّا أُدخلت على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فوضع يدَه عليها قالت: «أعوذ بالله منك» فقال لها: «قَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ» رواه البخاريُّ فمعنى: «أعوذ»: ألتجئ وأعتصم وأتحرَّز، وفي أصله قولان أحدهما: أنه مأخوذٌ مِن الستر، والثاني: أنه مأخوذٌ مِن لزوم المجاورة، فأمَّا مَن قال: إنه مِن الستر قال: العرب تقول للبيت الذي في أصل الشجرة التي قد استتر بها «عُوَّذٌ» بضمِّ العين وتشديد الواو وفتحها، فكأنه لمَّا عاذ بالشجرة واستتر بأصلها وظلِّها سمَّوْه عُوَّذًا فكذلك العائذ قد استتر مِن عدوِّه بمن استعاذ به منه واستجنَّ به منه، ومن قال: هو لزوم المجاورة قال: العرب تقول للَّحم إذا لصق بالعظم فلم يتخلَّص منه «عوذ» لأنه اعتصم به واستمسك به، فكذلك العائذ قد استمسك بالمستعاذ به واعتصم به ولزمه، والقولان حقٌّ والاستعاذة تنتظمهما معًا، فإنَّ المستعيذ مستترٌ بمَعاذه متمسكٌ به معتصمٌ به قد استمسك قلبُه به ولزمه كما يَلزم الولدُ أباه إذا أشهر عليه عدوُّه سيفًا وقصده به فهرب منه فعرض له أبوه في طريقِ هربِه، فإنه يلقي نفسَه عليه ويستمسك به أعظمَ استمساكٍ، فكذلك العائذ قد هرب مِن عدوِّه الذي يبغي هلاكَه إلى ربِّه ومالكه وفرَّ إليه وألقى نفسَه بين يديه واعتصم به واستجار به والتجأ إليه وبَعُدَ، فمعنى الاستعاذة القائمِ بقلبه وراء هذه العبارات، وإنما هي تمثيلٌ وإشارةٌ وتفهيمٌ، وإلَّا فما يقوم بالقلب حينئذٍ مِن الالتجاء والاعتصام والانطراح بين يدَيِ الربِّ والافتقار إليه والتذلُّل بين يدَيْه أمرٌ لا تحيط به العبارةُ، ونظير هذا التعبيرُ عن معنى محبَّته وخشيته وإجلاله ومهابته، فإنَّ العبارة تقصر عن وصف ذلك ولا تُدْرَك إلَّا بالاتِّصاف بذلك لا بمجرَّد الصفة والخبر كما أنك إذا وصفتَ لذَّةَ الوقاع لعنِّينٍ لم تُخلق له شهوةٌ أصلًا فلو قرَّبْتَها وشبَّهتها بما عساك أن تشبِّهها به لم تحصل حقيقةُ معرفتها في قلبه، فإذا وصَفْتها لمن خُلقت فيه ورُكِّبت فيه عرفها بالوجود والذوق، وأصلُ هذا الفعل «أَعْوُذُ» بتسكين العين وضمِّ الواو، ثمَّ أُعِلَّ بنقل حركة الواو إلى العين وتسكين الواو، فقالوا: «أعوذ» على أصل هذا الباب، ثمَّ طردوا إعلالَه فقالوا في اسم الفاعل: «عائذٌ» وأصلُه: «عاوذٌ» فوقعت الواو بعد ألف فاعلٍ فقلبوها همزةً، كما قالوا «قائمٌ» و«خائفٌ» وقالوا في المصدر: «عياذًا بالله» وأصله: «عِواذًا» كلواذٍ فقلبوا الواو ياءً لكسرة ما قبلها ولم تحصِّنها حركتُها لأنها قد ضعفت بإعلالها في الفعل وقالوا: مستعيذٌ وأصله مستعْوِذٌ كمستخرج فنقلوا كسرة الواو إلى العين قبلها ثمَّ قُلبت الواوُ قبلها كسرةً فقُلبت ياءً على أصل الباب.

فإن قلت: فلِمَ دخلت السينُ والتاء في الأمر مِن هذا الفعل كقوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ ولم تدخل في الماضي والمضارع بل الأكثر أنْ يقال: «أعوذ بالله وعُذْتُ بالله» دون «أستعيذ واستعذتُ»؛

قلت: السين والتاء دالَّةٌ على الطلب فقولُه: أستعيذ بالله أي: أطلب العياذَ به كما إذا قلتَ: أستخير اللهَ أي: أطلبُ خيرتَه، وأستغفره أي: أطلب مغفرتَه، وأستقيلُه أي: أطلب إقالتَه، فدخلت في الفعل إيذانًا لطلب هذا المعنى مِن المَعاذ فإذا قال المأمورُ: «أعوذ بالله» فقد امتثل ما طُلب منه لأنه طلب منه الالتجاءَ والاعتصام وفرقٌ بين نفس الالتجاء والاعتصام وبين طلبِ ذلك، فلمَّا كان المستعيذ هاربًا ملتجئًا معتصمًا بالله أتى بالفعل الدالِّ على ذلك دون الفعل الدالِّ على طلبِ ذلك فتأمَّلْه، وهذا بخلافِ ما إذا قيل: «استغْفِرِ اللهَ» فقال: «أستغفرُ الله» فإنه طُلب منه أن يطلب المغفرةَ مِن الله فإذا قال: «أستغفر اللهَ» كان ممتثلًا، لأنَّ المعنى: أطلبُ مِن الله تعالى أن يغفر لي، وحيث أراد هذا المعنى في الاستعاذة فلا ضير أن يأتيَ بالسين فيقول: «أستعيذ بالله تعالى» أي: أطلب منه أن يُعيذني، ولكنَّ هذا معنًى غير نفس الاعتصام والالتجاء والهرب إليه، فالأوَّل: يُخبر عن حاله وعياذِه بربِّه وخبره يتضمَّن سؤالَه وطلبه أن يعيذه، والثاني: طالبٌ سائلٌ مِن ربِّه أن يعيذه كأنه يقول: أطلب منك أن تعيذني، فحال الأوَّل أكمل مجيءَ امتثال هذا الأمر بلفظ الأمر، ولهذا جاء عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في امتثال هذا الأمر: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» و«أعوذ بكلمات الله التامات»، و«أعوذ بعزَّة الله وقدرته» دون «أستعيذ»، بل الذي علَّمه الله إيَّاه أن يقول: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ دون «أستعيذ» فتأمَّلْ هذه الحكمةَ البديعة.

فإن قلت: فكيف جاء امتثال هذا الأمر بلفظ الأمر والمأمور به فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ومعلومٌ أنه إذا قيل: «قل: الحمد لله» و«قل: سبحان الله» فإنَّ امتثاله أن يقول: «الحمد لله» و«سبحان الله» ولا يقول: «قل: سبحان الله»؛

قلت: هذا هو السؤال الذي أورده أبيُّ بن كعبٍ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعينه وأجابه عنه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال البخاريُّ في «صحيحه»: حدَّثنا قتيبة: ثنا سفيان عن عاصمٍ وعبدة عن زرٍّ قال: «سألت أُبَيَّ بن كعبٍ عن المعوِّذتين فقال: سألت رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: «قِيلَ لِي فَقُلْتُ» فنحن نقول كما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم» رواه البخاري، ثمَّ قال: حدَّثنا عليُّ بن عبد الله: ثنا سفيان: ثنا عبدة بن أبي لبابة عن زرِّ بن حبيشٍ وحدَّثنا عاصمٌ عن زرٍّ قال: «سألت أُبَيَّ بن كعبٍ قلت: «أبا المنذر إنَّ أخاك ابن مسعودٍ يقول كذا وكذا»، فقال: «إنِّي سألتُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: «قيل لي فقلت» قال: فنحن نقول كما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم».

قلت: مفعول القول محذوفٌ وتقديره قيل لي: قل أو قيل لي هذا اللفظ فقلت كما قيل لي، وتحت هذا السرِّ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ليس له في القرآن إلَّا بلاغُهُ لا أنه هو أنشأه مِن قِبَل نفسه، بل هو المبلِّغ له عن الله وقد قال الله له: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ فكان يقتضي البلاغُ التامُّ أن يقول: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ كما قال الله، وهذا هو المعنى الذي أشار النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إليه بقوله: «قيل لي فقلت» أي: إنِّي لست مبتدئًا بل أنا مبلِّغٌ أقول كما يقال لي وأبلِّغ كلامَ ربِّي كما أنزله إليَّ، فصلواتُ الله وسلامُه عليه، لقد بلَّغ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ وقال كما قيل له فكفانا وشفانا مِن المعتزلة والجهمية وإخوانهم ممَّن يقول: هذا القرآن العربيُّ وهذا النظم كلامُه ابتدأ هو به ففي هذا الحديث أبينُ الردِّ لهذا القول وأنه صلَّى الله عليه وسلَّم بلَّغ القولَ الذي أُمر بتبليغه على وجهه ولفظه حتى أنه لمَّا قيل له: قُلْ لأنه مبلِّغٌ محضٌ وما على الرسول إلَّا البلاغ.

[«بدائع الفوائد» (٢/ ١٩٩)]