السبت 12 ربيع الأول 1433 هـ / 04 فبراير 2012 م

 

 

          

 
 

 
 

في حكم ربط زكاة الغنم بموسم جز أصوافها

 

الفتوى رقم: 1016

الصنف: فتاوى الزكـاة

في حكم ربط زكاة الغنم بموسم جز أصوافها

السـؤال:

في منطقتنا المشهورة بتربيتها الأغنام، أغلب المربين يزكُّون ماشيتهم في موسم جَزِّ أصوافها، والذي يكون عادةً في فصل الربيع من كل عام، وهذا الفعل وإن كانوا اعتادوا عليه من أسلافهم إلا أنه في الآونة الأخيرة أقرهم عليه ممن يعتد في نظرهم من أهل الفتيا بالمنطقة. فنرجو من فضيلتكم بيان الصواب في هذه المسألة وكذا شيئًا من التفصيل في زكاة الغنم؛ لأنَّ ذلك ممَّا تَمَسُّ الحاجة إليه وجزاكم الله خيرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعلم أنَّ الزكاة فرضُ عينٍ على كلِّ من توفَّرت فيه شروط وجوبها، ومن شرط زكاة الغنم بلوغ النصاب. والقدرُ الذي رتَّب عليه الشرع وجوب الزكاة في الغنم من أربعين إلى مائة وعشرين ففيه شاة واحدة، ومن مائة وإحدى وعشرين إلى مائتين ففيه شاتان، وهكذا يزيد المقدار الواجب بحسب عدد الغنم، علمًا أنَّ الغنم يدخل فيه الضأنُ والمَعْزُ، ويُضَمُّ بعضه إلى بعض في الزكاة باعتبارهما صنفين لنوع واحدٍ إجماعًا(١- «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (25/35)، «الكافي» لابن عبد البر: (106)). والشاة المدفوعة في الزكاة تجزئ سواء كانت من الضأن أو المعز، ذكرًا أو أنثى، وهو أصحُّ المذاهب، وبه قالت المالكية والحنفية وابنُ حزم وغيرهم(٢- انظر: «الكافي» لابن عبد البر: (106)، «المحلى» لابن حزم: (5/268)، «تحفة الفقراء» للسمرقندي: (1/447)).

ومن جهة أخرى فلا تُحْتَسَبُ من تَعداد نصاب الغنم الشاةُ المعلوفة التي يشتري لها صاحبها العلَف أو يحصدُه لها على الصحيح، وإنما تدخل السائمة من الغنم: وهي التي ترعى في الكلأ المباح أكثر العام، أمَّا الغنم المُعَدَّة للتجارة ففيها زكاة عروض التجارة سواء كانت مرعيّةً أو معلوفةً، فإن كان بائعها له نقدٌ بلغ النصاب واستفاد من بيع غنمه فإنه يضم المال المستفاد من غنمه إلى المال الأوَّل ويزكِّيهما جميعًا عند تمام الحول وهو مذهب الأحناف. ومن شرط الزكاة أن يمرَّ على الملك عند المالك عام هجريٌّ كاملٌ للحديث: «لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ»(٣- أخرجه أبوداود كتاب «الزكاة»، باب في زكاة السائمة: (1573)، وأحمد: (1/148)، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وأخرجه الترمذي كتاب «الزكاة»، باب ما جاء لا زكاة على المال المستفاد حتى يحول عليه الحول (631) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وأخرجه ابن ماجه كتاب «الزكاة»، باب من استفاد مالاً (1792)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (4/95)، من حديث عائشة رضي الله عنها. والحديث جوَّز إسناده العراقي في تخريج أحاديث «الإحياء» (1/170)، وصحَّحه الألباني في «الإرواء» (3/254))، علمًا أنَّ ابتداء الحول حين صارت الغنم أربعين، وهو مذهب الشافعي وأحمد، خلافًا لمن قال بأنَّ ابتداء الحول مِن حينِ مَلَكَ الأُمَّهاتِ، وهو مذهب مالك(٤- «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (25/49)). ولزكاة الغنم مسائلُ وأحكامٌ، وكذا في عموم زكاة الماشية، والمعلومُ من حكمة الله في الشريعة أنه وضع شروطًا وأوصافًا معيَّنةً لا تجب إلاَّ بوجودها ولا تتمُّ إلاَّ بانتفاء موانعها، وقد بيَّنها النبي صَلى الله عليه وآله وسَلَّم أتمَّ بيانٍ ممتثلاً لقول ربه عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67]، وليس ممَّا بلَّغه توقيف زكاة الغنم على موسم جز أصوافها في فصل الربيع فضلاً عن تجويز هذه العادة بفتوى شرعية، فلو كانت صحيحة للزمه اتهام النبي صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم بأنه خان الرسالة، وقد أكمل الله به هذا الدِّين فلا يحتاج إلى زياداتِ المبتدعين أو تشريعاتِ المستدركين، وأتَمَّه فلا يُنْقِصُهُ  ورضيه فلا يُسْخِطُهُ أبدًا، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، بل إن في تجويز هذه العادة تقوُّلاً على الله وافتراءً عليه مردودٌ  على قائله، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: 36]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 144]، وقال صَلَّى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»(٥- أخرجه البخاري في «الصلح»: (2697)، ومسلم في «الأقضية» (4589)، وأبو داود في «السنة» (4608)، وابن ماجه في «المقدمة» (14)، وأحمد (26786)، من حديث عائشة رضي الله عنها).

هذا، ولا يُستدَلُّ باستحباب خروج الساعي إلى أهل المواشي في منازلهم ومياههم في الربيع حين تطلع الثُرَيَّا فإنه خارج عن مسألة ربط الزكاة بموسم جَزِّ أصواف الغنم؛ لأنَّ خروج الساعي إلى أهل المواشي لمن مرَّ عليه الحول ولم يُزَكِّ، وهذا أرفق به وبهم بخلاف أهل الذِّمَّة فإنهم يُسْتَجْلَبُونَ لأداء الجزية، ولا يمضي إليهم في أخذها؛ لأنَّ ذلك ذِلَّة وصَغَار، وأمَّا الزكاة فطُهرٌ وإيمان(٦- «الكافي» لابن عبد البر: (107)).

«قال مالك: سُنَّة السعاة أن يُبْعَثُوا قبل الصيف وحين تطلع الثريَّا ويسير الناس بمواشيهم إلى مياههم. قال مالك: وعلى ذلك العمل عندنا؛ لأنَّ ذلك رفق بالناس في اجتماعهم على الماء، وعلى السعاة لاجتماع الناس»(٧- «المدونة الكبرى» لابن القاسم: (1/376)).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في: 16 جمادى الثانية 1430ﻫ
الموافق ﻟ 09 يونيو 2009م


١- «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (25/35)، «الكافي» لابن عبد البر: (106).

٢- انظر: «الكافي» لابن عبد البر: (106)، «المحلى» لابن حزم: (5/268)، «تحفة الفقراء» للسمرقندي: (1/447).

٣- أخرجه أبوداود كتاب «الزكاة»، باب في زكاة السائمة: (1573)، وأحمد: (1/148)، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وأخرجه الترمذي كتاب «الزكاة»، باب ما جاء لا زكاة على المال المستفاد حتى يحول عليه الحول (631) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وأخرجه ابن ماجه كتاب «الزكاة»، باب من استفاد مالاً (1792)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (4/95)، من حديث عائشة رضي الله عنها. والحديث جوَّز إسناده العراقي في تخريج أحاديث «الإحياء» (1/170)، وصحَّحه الألباني في «الإرواء» (3/254).

٤- «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (25/49).

٥- أخرجه البخاري في «الصلح»: (2697)، ومسلم في «الأقضية» (4589)، وأبو داود في «السنة» (4608)، وابن ماجه في «المقدمة» (14)، وأحمد (26786)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

٦- «الكافي» لابن عبد البر: (107)

٧- «المدونة الكبرى» لابن القاسم: (1/376).

البداية - السابق - - اللاحق- النهاية

<<  العودة


نسخة للطباعة        أرسل إلى صديق     أخبر صديقك عن الموقع


.: كل منشور لم يرد ذكره في الموقع الرسمي لا يعتمد عليه ولا ينسب إلى الشيخ :.

.: منشورات الموقع في غير المناسبات الشرعية لا يلزم مسايرتها لحوادث الأمة المستجدة، أو النوازل الحادثة لأنها ليست منشورات إخبارية، إعلامية، بل هي منشورات ذات مواضيع فقهية، علمية، شرعية :.

.: تمنع إدارة الموقع من استغلال مواده وترجمة مواضيعه إلى لغات أخرى لأغراض تجارية، وترخص في الاستفادة من محتوى الموقع لأغراض بحثية أو دعوية على أن تكون الإشارة عند الاقتباس إلى الموقع :.

جميع الحقوق محفوظة (1424ﻫ/2004م - 1433ﻫ/2011م)