الخميس 26 جمادى الثانية 1433 هـ / 17 مايو 2012 م

 

 

          

 
 

 
 

في حكم المتاجرة بالعملات الورقية

 

الفتوى رقم: 115

الصنف: فتاوى البيوع والمعاملات المالية

 

 

في حكم المتاجرة بالعملات الورقية

 

السؤال: ما حكم المتاجرة بالعملات الورقية؟

 

الجواب: الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين وآله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أما بعد:

فاعلم أنَّ علة العملات الورقية النقدية كعلة الذهب والفضة ترجع إلى الثمنية، والأثمان ليس لها قيمة ذاتية مقصودة، وإنما قيمتها اعتبارية، فلا غرض في عينها قال أبو حامد الغزالي -رحمه الله-:" وكل من عامل معاملة الربا على الدراهم والدنانير فقد كفر النعمة وظلم، لأنهما خلقا لغيرهما لا لنفسهما، إذ لا غرض في عينها، فإذا اتجر في عينهما فقد اتخذهما مقصودًا على خلاف وضع الحكمة"(١)، فالأوراق النقدية -إذن- مقياس للأموال لا تقصد لعينها وإنما يتوسل بها إلى السلع وسد الحاجيات، فهي تدخل في باب الوسائل لتحصيل المطالب والمقاصد ولا ينتفع بذاتها، وفي هذا المعنى يقول ابن تيمية-رحمه الله-:" فإن المقصود من الأثمان أن تكون معيارًا للأموال يتوسل بها إلى معرفة مقادير الأموال، ولا يقصد الانتفاع بعينها، فمتى بيع بعضها ببعض إلى أجل قصد بها التجارة التي تناقض مقصود الثمنية"(٢).

وعليه، فالاتجار بما جُعل ثمنًا للسلع والمبيعات خروج عن الحكمة الموضوعة لهما، فضلاً عن إضرار الناس وإفساد لمعاملاتهم، و"الضرر يزال" كما تقرر في القواعد، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ»(٣) وفي معرض ذكر مفاسد التجارة فيها قال ابن القيم -رحمه الله-:" ويمنع -أي الحاكم- من إفساد نقود الناس وتغييرها، ويمنع من جعل النقود متجرًا، فإنه يدخل على الناس من الفساد مالا يعلمه إلاَّ الله، بل الواجب أن تكون النقود رؤوس أموال يتجر بها ولا يتجر فيها، وإذا حرم السلطان سكة أو نقدًا منع من الاختلاط بما أذن في المعاملة به"(٤).

أما الأصناف الربوية الأخرى الواردة في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه كالبر والشعير والتمر والملح وما يلحق بها فإنّه يجوز الاتجار فيها لأنهما ليست أثمانًا، وإنما هي عروض، والعروض يجوز الانتفاع بعينها، بخلاف الأثمان، فإنه يجوز الاتجار بها ولا يجوز الاتجار فيها بعملية الصرف إلا في حدود الحاجة، وبشرط اتحاد المجلس إذا اختلفت أجناسها، وأن يتم الصرف بسعر يومه وهو السعر العام المتعارف عليه غالبًا.

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما.

 

الجزائر في: 17 ذي الحجة 1426ﻫ

الـموافق ﻟ: 17 جـانفي 2006م

 


١- إحياء علوم الدين للغزالي: 4/92.

٢- مجموع الفتاوى لابن تيمية: 29/471-472.

٣- أخرجه ابن ماجه في الأحكام (2430)، وأحمد (23462)، والبيهقي (12224)، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.وصححه الألباني في الإرواء (896). وفي السلسلة الصحيحة (250)، وفي غاية المرام (254).

٤- الطرق الحكمية لابن القيم: 219-220.

البداية - السابق - - اللاحق- النهاية

<<  العودة


نسخة للطباعة        أرسل إلى صديق     أخبر صديقك عن الموقع


 

 

.: كل منشور لم يرد ذكره في الموقع الرسمي لا يعتمد عليه ولا ينسب إلى الشيخ :.

.: منشورات الموقع في غير المناسبات الشرعية لا يلزم مسايرتها لحوادث الأمة المستجدة، أو النوازل الحادثة لأنها ليست منشورات إخبارية، إعلامية، بل هي منشورات ذات مواضيع فقهية، علمية، شرعية :.

.: تمنع إدارة الموقع من استغلال مواده وترجمة مواضيعه إلى لغات أخرى لأغراض تجارية، وترخص في الاستفادة من محتوى الموقع لأغراض بحثية أو دعوية على أن تكون الإشارة عند الاقتباس إلى الموقع :.

جميع الحقوق محفوظة (1424ﻫ/2004م - 1433ﻫ/2012م)