الجمعة 26 ربيع الأول 1431 هـ   الموافق لـ: 12 مارس 2010 م

 

عدد الزوار:  7572150

  

 

 

العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية - الشيخ عبد الحميد بن باديس عليه رحمة الله (التصفيف التاسع عشر)

«التصفيف التاسع عشر»

عقيدة الإثبات والتَّنـزِيه

 

الثَّامِنُ وَالثَّلاَثُونَ:

نُثْبِتُ لَهُ تَعَالَى مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ، عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، مِنْ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَأَسْمَائِهِ، وَأَفْعَالِهِ، وَنَنْتَهِي عِنْدَ ذَلِكَ وَلاَ نَزِيدُ عَلَيْهِ، وَنُنَزِّهُهُ فِي ذَلِكَ عَنْ مُمَاثَلَةِ أَوْ مُشَابَهَةِ شَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ(١- فإنَّ من أجلِّ أبواب التوحيد وأعظمِها قدرًا توحيدُ الأسماء والصفات، لارتباطه بالله عزَّ وجلَّ في ذاته وأسمائه وصفاته، إذ كمال الذات بأسمائها الحسنى وصفاتها العليا، وقد وصف الله تعالى نفسَه في كتابه العزيز وعلى لسان نبيِّه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بأكمل الأوصاف كما يليق بجَلال عظمته سبحانه، ليعرِّف العبدَ بربِّه، حتى إذا عَرَفه وحَّده وأنِس به، واستحى من قربه، وعبدَه كأنه يراه، لذلك كان أنفع العلوم علم التوحيد ومنه علم الأسماء والصفات؛ لأنَّ «شرف العلم بشرف المعلوم، والباري أشرف المعلومات، فالعلم بأسمائه أشرف العلوم». [«أحكام القرآن» لابن العربي: (2/804)]، غير أنَّ توحيد الأسماء والصفات - مع شرفه وعظيم قدره - قد زلَّت في معظم أبوابه الأقدامُ، وضَلَّت فيها الأفهامُ، وافترق الناس فيها إلى أهل تشبيهٍ وتمثيلٍ، الذين غَلَوْا في الإثبات حتى شبَّهوا صفاتِه بصفات خلقه، وإلى أهل تعطيلٍ وتأويلٍ الذين غَلَوا في التنزيه حتى سَلَبوا لله صفاتِ كماله سبحانه، ظنًّا منهم أنَّ إثبات الصفات يستلزم التشبيهَ، وهدى اللهُ أهلَ السُّنَّة والجماعة مِن سلف هذه الأُمَّة، وسَدَّد فَهمَهم في الاعتقاد السليم القائم على أصلين راسخين: 1- إثباتٌ بلا تشبيهٍ، 2- تنزيهٌ بلا تعطيلٍ. فكان مذهب أهل السُّنَّة والجماعة بريئًا من التشبيه والتعطيل، فلا ينفون ما أثبته اللهُ لنفسه، ولا يثبتون ما نفاه اللهُ عن نفسه، ولا يحرِّفون الكَلِمَ عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يمثلون صفاتِه بصفات خلقه، قال ابن تيمية – رحمه الله – في «مجموع الفتاوى» (6/515): «وجماع القول في إثبات الصفات هو القول بما كان عليه سلف الأُمَّة وأئمَّتها وهو أن يوصف اللهُ بما وصف به نفسَه وبما وصفه به رسوله، ويُصان ذلك عن التحريف والتمثيل والتكييف والتعطيل؛ فإنَّ اللهَ ليس كمثله شيءٌ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فمن نفى صفاتِه كان معطِّلاً. ومن مَثَّل صفاته بصفات مخلوقاته كان ممثِّلاً، والواجب إثبات الصفات ونفي مماثلتها لصفات المخلوقات، إثباتًا بلا تشبيهٍ وتنزيهًا بلا تعطيلٍ، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فهذا ردٌّ على الممثِّلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] ردٌّ على المعطِّلة، فالممثِّل يعبد صنمًا والمعطِّل يعبد عدمًا». قلتُ: ولهذا فصفات اللهِ تعالى تُثبَتُ على وجه التفصيل كإثبات السمع والبصر وسائر الصفات، وتُنفى - على وجه الإجمال - الصفاتُ المنفيّة التي يتنزّه الله عنها كنفي المثلية في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، فأهل السُّنَّة لا يتجاوزون النصوص الشرعية، بل يعتصمون بالألفاظ الشرعية الواردة في باب الأسماء والصفات نفيًا وإثباتًا، ويتوقَّفون فيما لم يصرِّح الكتاب والسُّنة بنفيه ولا إثباته كالعَرَض والجسم والجوهر بناءً على هذا الأصل العظيم. هذا، وقد أجمع أهل السُّنَّة والجماعة قاطبةً على هذا المعتقد السليم، ونقل ابن عبد البر - رحمه الله – عنهم ذلك في «التمهيد» [7/145] بقوله: «أهل السُّنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسُّنَّة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلاَّ أنهم لا يكيِّفون شيئًا من ذلك، ولا يَحدُّون فيه صفة محدودة». ولأهل السُّنَّة والجماعة قواعد مُثلى في باب الأسماء والصفات دلَّت عليها النصوص الشرعية منها: - صفات الله تعالى توقيفية، فلا يُثبت منها إلاَّ ما أثبته الله لنفسه، أو ما أثبته له رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ولا ينفى عن الله تعالى إلاَّ ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، مع اعتقادِ ثبوتِ كمالِ ضِدِّه لله تعالى. - كلُّ صفةٍ ثَبَتَتْ بالنقل الصحيح وافقت العقلَ الصريحَ ولا بُدَّ. - كلُّ اسم ثبت لله تعالى فهو متضمِّنٌ لصفةٍ ولا عكس. - إنَّ النفي ليس فيه كمال ولا مدح إلاَّ إذا تضمَّن إثباتًا. - الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه وصفاته، بل يطلق عليه منها كمالها. - صفاتُ الله تعالى ذاتيةٌ وفعليةٌ، فالصفاتُ الذاتيةُ لا تنفكُّ عن الذات ولا تتعلَّق بها مشيئته وقدرته، والصفات الفعلية تتعلَّق بها مشيئته وقدرته، وأفعاله لا منتهى لها. - القولُ في الصفات كالقول في الذات، والقولُ في بعضها كالقول في البعض الآخر، فالكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، وجَحْدُ الأسماء والصفات إنكارٌ للذات. والمصنِّف - رحمه الله – قرَّر منهجَ السلف في باب الأسماء والصفات فبيَّن وجوب الإيمان بما أثبته اللهُ لنفسه في كتابه؛ لأنه لا أحدَ أعلم من الله بالله: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ﴾ [البقرة: 140]، ووجوب الإيمان بما أثبته رسوله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه لا مخلوق أعلم بخالقه من رسوله صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال الله في حقِّه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3-4]، من غير تكييفٍ ولا تشبيهٍ ولا تمثيلٍ، وتنزيه الله تعالى عن النقائص والعيوب تنزيهًا لا يفضي إلى التعطيل بتأويل المعاني أو تحريف الألفاظ عن مدلولها بدعوى التنزيه، ونفي كلِّ ما نفاه اللهُ عن نفسه في كتابه أو نفاه رسوله مع اعتقاد ثبوت كمال ضدِّه لله تعالى، فنفي الموت عنه يتضمَّن كمال حياته، ونفي الظلم عنه يتضمَّن كمال عدله، ونفي النوم يتضمَّن كمال قَيُّوميته، وعلى هذا فكلُّ نفي عن الله يتضمَّن إثباتَ ضِدِّ المنفيِّ من الكمال والجلال. فكان منهج السلف الجامع بين احترام النصوص والإيمان بها مُؤسَّسًا على إثبات الكمال بخلاف منهج الخلف فمذهبهم مؤسَّسٌ على نفي الكمال أو نفي بعضه مع الاعتراض على النصوص وسوء الظنِّ بها إذ ظاهرها ‑عندهم‑ التشبيه فنَفَوْا وأوَّلوا، ولا شكَّ أنَّ السلف ‑رحمهم الله‑ أعلم بالله وصفاته من الخَلَف؛ لأنَّ قدوتهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام، ولا يخفى أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أعلم الناسِ بربِّه، فمن الممتنع أن يكون خواصُّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابُه مع حرصِه صلى الله عليه وآله وسلم على إفادتهم وتعليمهم أجهلَ بالله وصفاته ممَّن جاء من بعدهم من الخَلَف الذين اتخذوا مصدرَ التلقي العقولَ الآدميةَ والمقاييسَ اليونانيةَ الوثنيةَ!! فإنَّ أحوال السلف وجهادهم وحرصهم على نقل الشريعة صافيةً من الأدران والشوائب، ومجانبتهم للبدع تمنع قولهم بغير الحق. ونقل محمَّد الصالح رمضان تلميذ الشيخ عبد الحميد بن باديس في «تعليقه على العقائد» (73) أنَّ الإمام ابن باديس كان وقت الدرس يمتثل بالبيتين التاليين: «فَنَحْنُ مَعْشَرَ فَرِيقِ السُّنَّةِ *** السَّالِكِينَ فِي طَرِيقِ الجَنَّةِ نَقُولُ بِالإِثْبَاتِ وَالتَّنْزِيهِ *** مِنْ غَيْرِ تَعْطِيلٍ وَلاَ تَشْبِيهٍ» وزاد عليها مُعَلِّقًا فقال: «المعطِّلون: هم الذين ينفون الصفاتِ الإلهية، والمشبِّهون: هم الذين يشبِّهونها بصفات المخلوقين، وكلاهما في ضلال، أمَّا السُّنِّيون: فهم الذين يثبتونها له تعالى، وينزِّهونها عن التشبيه بالمخلوقات. والتعطيل: تعطيلُ اللفظ عن دلالة معناه الحقيقي أو الخروج به إلى معنًى آخر، والتشبيه: تشبيه الله بمخلوقاته. فنحن نثبت لله ما أثبته الله لنفسه من أقوالٍ أو أفعالٍ أو صفاتٍ، ولا نشبِّهه في شيءٍ من ذلك بالمخلوقات، ولا غرابةَ في إثبات شيءٍ مع عدم تكييفه في الإنسان يثبت أن بين جنبيه نفسًا ولكن لا يستطيع تكييفها كذلك نثبت صفات الله بلا كيف» )، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾(٢- آية: (28 و30) من سورة آل عمران)، ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾(٣- آية (116) من سورة المائدة)، وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةً، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الأَنْصَارِيُّ(٤- هو الصحابي خُبَيْبُ بنُ عَدِيِّ بنِ عامر الأنصاري، شهد أُحُدًا، واستشهد في عهد النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسلم، وهو أول مَن سَنَّ الركعتين عند القتل، وكان فيمن بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع بني لحيان، فلما صاروا بالرجيع غدروا بهم، واستصرخوا عليهم، وقتلوا فيهم، وأسروا خبيبًا وباعوه بمكة، فقتلوه بمن قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قومهم، وصلبوه بالتنعيم. انظر: «الاستيعاب» لابن عبد البر: (1/440)، «أسد الغابة» لابن الأثير: (2/104) ، «سير أعلام النبلاء» للذهبي: (1/246)، «الإصابة» لابن حجر: (1/418) )، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ قَالَ:

وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا *** عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللهِ مَصْرَعِي

وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ(٥- قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في «الفتح» (13/381): «قال عياض: ذات الشيء نفسه وحقيقته، وقد استعمل أهل الكلام الذات بالألف واللام، وغلطهم أكثر النحاة، وجوزه بعضهم؛ لأنها ترد بمعنى النفس وحقيقة الشيء، وجاء في الشعر لكنه شاذ، واستعمال البخاري لها دال على ما تقدم من أنَّ المراد بها نفس الشيء على طريقة المتكلِّمين في حقِّ الله تعالى، ففرق بين النعوت والذات». قلتُ: وإضافة لفظة «الذات» إلى الله تعالى يصحُّ إذا كان بمعنى نفس الموصوف بصفات الكمال التي لا نقص فيها وحقيقته، لا أن «الذات» صفة له ولا ذاتًا مجرَّدة عن الصفات، ولا صفات مجرَّدة عن الذات، إذ لا يمكن وجود الذات إلاَّ بما به تصير ذاتًا من الصفات، ولا يمكن وجود الصفات إلاَّ بما به تصير صفات من الذات. [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (5/330، 338)، (6/142، 206)] ) وَإِنْ يَشَأْ *** يُبَارِكُ عَلَى أَوْصَالِ شَلْوٍ مُمَزَّعِ(٦- «أوصال شِلو ممزع» قال ابن حجر –رحمه الله- في «الفتح» (7/384): «الأوصال جمع وصل: وهو العضو، والشلو بكسر المعجمة: الجسد، وقد يطلق على العضو، ولكن المراد به هنا الجسد، والممزع بالزاي ثمَّ المهملة: المقطع، ومعنى الكلام أعضاء جسد يقطع»)

فَلَمَّا قُتِلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ يَوْمَ أُصِيبُوا» رَوَاهُ البُخَارِيُّ(٧- أخرجه البخاري في «الجهاد» (6/165) باب هل يستأسر الرجل؟ ومن لم يستأسر، ومن ركع ركعتين عند القتل، وفي «المغازي» (7/308) باب فضل من يشهد بدرًا (7/378) باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان، وفي «التوحيد» (13/381) باب ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله تعالى، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾(٨- آية (110) من سورة الإسراء)، ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾(٩- آية (180) من سورة الأعراف. استدل المصنف بالآيتين أنَّ أسماء الله الحسنى أعلام وأوصاف دالَّة على صفات كماله سبحانه، وأنَّ المنهج هو عين المنهج في الذات والصفات وهو عقيدة السلف في الإثبات والتنزيه، علمًا أنَّ الإيمان بالاسم ‑عند أهل السُّنة والجماعة- لا يتم إلا بأركان ثلاثة: - الركن الأول: الإيمان بالاسم، يتضمَّن: إثبات الاسم حقيقة أوَّلاً، فأسماء الله وصفاته تطلق على الله حقيقة لا مجازًا خلافًا للمتكلِّمين، قال ابن تيمية ‑رحمه الله‑ في «مجموع الفتاوى» (5/196): «وقد اتفق أهل الإثبات على أنَّ الله حي حقيقة، عليم حقيقة، قدير حقيقة، سميع حقيقة، بصير حقيقة»، وتنزيه الله تعالى عن مماثلة المخلوقين ثانيًا، وذلك بالاعتصام بالقاعدة العامة في الصفات التي ذكرها المصنف ‑رحمه الله- إثباتًا ونفيًا، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]، فالأسماء تتفق وتتماثل ولا يعني تماثلها تماثل المسميات، وإنما تختلف باختلاف الإضافة والتخصيص، فما أضيف إلى الله فلا يدخل في معناه المخلوق، بل هو خاصٌّ بالله تعالى، وما أُضيف إلى المخلوق فلا يدخل في معناه الخالق، بل هو خاصٌّ بالمخلوق، فالقدر الذي تتفق فيه الأسماء هو عند الإطلاق فقط ولا يعني اتفاق المسميات عند الإضافة والتخصيص، والإيمان بأنَّ أسماء الله حسنى ثالثًا، وأنها متضمَّنة لصفات بالغة في الحسن وغاية في الكمال، لا نقص فيها بوجه من الوجوه لا احتمالاً ولا تقديرًا، ويكون الحسن في أسماء الله تعالى إمَّا باعتبار كلِّ اسمٍ على انفراده، أو باعتبار ضمه إلى غيره، فيجمع في الاسم إذا ضم إلى غيره حسنًا على حسن وكمالاً فوق كمال، لقوله تعالى: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾ [الأعراف: 180]. - الركن الثاني: الإيمان بما دلَّ عليه الاسم من معنى، ويتضمن: - أولا: الإيمان بأنَّ لكل اسمٍ من أسمائه الحسنى له من جهة اللفظ معنى معلوم يخصه غير الاسم الآخر، وهو غير معلوم من جهة الحقيقة والكيفية بإجماع السلف. [انظر: «ذم التأويل» لابن قدامة: (27)]، أي: قطع الطمع عن إدراك الحقيقة والكيفية، لقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110]، والمعلوم أنَّ السلف يفوضون علم الحقائق والكيفيات في الصفات إلى الله تعالى، مع إثبات اللفظ والمعنى لله تعالى. - ثانيًا: الإيمان بأنَّ أسماء الله تعالى أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وليس معنى الاسم هو الذات فقط، وهي أوصاف باعتبار ما دلَّت عليه من المعاني، فالأسماء مترادفة من حيث الذات فتتفق جميعًا في دلالتها على مسمًّى واحد وهو ذات الله المقدسة، وهي متباينة من جهة الصفات لدلالة كلِّ واحدٍ منها على معناه الخاصّ، فمعنى الخالق غير معنى الرزاق، والرحيم غير العزيز، والعزيز غير الحكيم، والحكيم غير الغفور، وهي دالة جميعًا على صفات الكمال المطلق الذي لا يعتريه نقص ولا عيب بأي وجه من الوجوه، لذلك كانت أسماء الله حسنى، أي: بالغة في الحسن إلى غاية، لا حسنة، والله سبحانه موصوفٌ بصفات الكمال المطلق، فلو تجرَّدت الأسماء الحسنى عن المعاني والأوصاف لكانت أعلامًا محضة جامدة لا تدلُّ على معنى، ولاَنْتَفَى الفرق بين اسم وآخر، ولما عِيب على أهل الشرك إقرارهم ببعض الأسماء كالخالق والرزاق وإنكارهم اسم الرحمن، علمًا أنَّ نفي أسماء الله الحسنى وتجريدها عن معانيها من أعظم الإلحاد فيها، قال تعالى: ﴿وَللهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180]. - الركن الثالث: الإيمان بالآثار المترتبة على الاسم ذي وصف متعدٍّ, أمَّا الاسم الدالُّ على وصفٍ لازم غير متعدٍّ فلا علاقة له إلاَّ بالركنين السابقين مثل اسم «الحي» فيتضمن صفة الحياة وهو وصف لازم لا يتعدَّى إلى الغير، لذلك ليس له أثر. والمراد بالآثار هو الحكم والمقتضى، فإنَّ ظهور الأحكام وآثار الاسم الدال على وصف مُتعَدٍّ لا بُدَّ منه، إذ هو من مقتضى الكمال المقدس والملك التام، فاسم «الرحمن» و«الرحيم» مشتقَّان من صفة الرحمة، وتتعلَّق بهما الآثار، و«الرحمن» أشد مبالغة من «الرحيم»، فـ «الرحمن»: ذو الرحمة الواسعة التي شملت الخلق في أرزاقهم وأسباب معايشهم ومصالحهم وعمَّت المؤمن والكافر والصالح والطالح، وأمَّا «الرحيم» فخاصٌّ بالمؤمنين لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 43]، فأهل التقوى من عباده المتبعين لأنبيائه ورسله لهم الرحمة المطلقة ومن عداهم فلهم نصيب منها، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 156]، وقد بيَّن ابن القيم –رحمه الله- أنَّ ظهور آثار الرحمة من أعظم الأدلة على كمال الموصوف حيث قال: «إنَّ ظهور آثار هذه الصفة في الوجود كظهور أثر صفة الربوبية والملك والقدرة، فإنَّ ما لله على خلقه من الإحسان والإنعام شاهد برحمةٍ تامَّةٍ وسعت كلَّ شيءٍ كما أنَّ الموجودات كلَّها شاهدة له بالربوبية التامة الكاملة، وما في العالم من آثار التدبير والتصريف الإلهي شاهد بملكه سبحانه، فجعلُ صفة الرحمة واسم الرحمة مجازًا كجعل صفة الملك والربوبية مجازًا، ولا فرق بينهما في شرع ولا عقل ولا لغة. وإذا أردت أن تعرف بطلان هذا القول، فانظر إلى ما في الوجود من آثار رحمته الخاصة والعامة، فبرحمته أرسل إلينا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأنزل علينا كتابه، وعلمنا من الجهالة، وهدانا من الضلالة، وبصَّرنا من العمى، وأرشدنا من الغي، وبرحمته عرفنا من أسمائه وصفاته وأفعاله ما عرفنا به أنه ربنا ومولانا... وبرحمته وضع رحمته بين عباده ليتراحموا بها، وكذالك بين سائر الحيوان. فهذا التراحم الذي بينهم بعض آثار الرحمة التي هي صفته ونعمته، واشتق لنفسه اسم «الرحمن الرحيم». [«مختصر الصواعق المرسلة» للموصلي: (2/316)] )، ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى، وَالَّذِي أَخْرَجَ المَرْعَى، فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾(١٠- آية: (2 ،3 ،4، 5) من سورة الأعلى)، ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾(١١- آية: (107) من سورة هود، آية: (16) من سورة البروج)، ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ، فَلاَ تَضْرِبُواْ للهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾(١٢- آية: (73، 74) من سورة النحل)، ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾(١٣- آية: (169) من سورة البقرة)، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾(١٤- آية: (11) من سورة الشورى. والمصنِّف ‑رحمه الله‑ استدلَّ بهذه الآيات على صفات الله سبحانه بعدما استدلَّ بالمنصوص على الذات والأسماء، وأنها من حيث تعلُّقُها بذات الله تعالى صفات ذاتية وهي التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها، كالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر، وصفات فعلية وتسمَّى بالصفات الاختيارية وهي صفات متعلقة بمشيئة الله وقدرته، إن شاء فعلها وإن لم يشأ لم يفعلها، لقوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: 27]، وقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: 107، البروج: 16]، وأفعاله سبحانه لا منتهى لها ولا حصر، كالخلق والإعطاء والإنبات والإخراج، والإنعام، والأمر والنهي وغيرها. فالصفات الفعلية من حيث قيامها بالذات تسمَّى صفات ذات، ومن حيث تعلقها بما ينشأ عنها من الأقوال والأفعال تسمَّى صفات أفعال، فمثلاً: صفة الكلام، فإنها صفة ذات وصفة فعل، فمن حيث قيامها بالذات لكونها متكلمة أزلاً وأبدًا فهي صفة ذات، ومن حيث تعلقها بالمشيئة والإرادة فهي صفة فعل، ومرجع معاني الصفات الذاتية والفعلية إلى اسمي «الحي» و«القيوم»، فترجع لـ «الحي» صفات الذات ولـ «القيوم» صفات الفعل. هذا، وجدير بالتنبيه أنَّ ما يطلق على الله تعالى على سبيل الإخبار عنه تعالى جائز إذا كان اللفظ دالاًّ على معنى حسن أو على أقل تقدير لا يدل على ذمٍّ أصلاً، كالألفاظ العامة التي يقصد بالإخبار بها أنَّ الله تعالى ذو حقيقة موجودة في الخارج، كأن يقول مخبرًا: الله تعالى ذات، وشيء، وموجود، أو كالألفاظ الخاصة بالله تعالى لا تطلق على غيره، ولم يرد في الكتاب والسُّنة التسمية أو الوصف بها إلاَّ أنها تدلُّ على معنى معين لا عموم فيه ولا إطلاق لا يليق إلاَّ بالله تعالى، والمخلوق لا يتصف بها لقصوره عن الاتصاف بمعانيها، مثل: القديم، القائم بنفسه، واجب الوجود، أزلي سرمدي، ونحو ذلك، فهذه وغيرها يجوز إطلاقها على الله تعالى من باب الإخبار عنه دون الوصف والتسمية، وما يطلق عليه من باب الإخبار لا يجب أن يكون توقيفيًّا، قال ابن القيم ‑رحمه الله‑ في «بدائع الفوائد» (1/161): «إن ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع ممَّا يدخل في باب أسمائه وصفاته كالشيء والموجود والقائم بنفسه فإنه يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا» ).


١-  فإنَّ من أجلِّ أبواب التوحيد وأعظمِها قدرًا توحيدُ الأسماء والصفات، لارتباطه بالله عزَّ وجلَّ في ذاته وأسمائه وصفاته، إذ كمال الذات بأسمائها الحسنى وصفاتها العليا، وقد وصف الله تعالى نفسَه في كتابه العزيز وعلى لسان نبيِّه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بأكمل الأوصاف كما يليق بجَلال عظمته سبحانه، ليعرِّف العبدَ بربِّه، حتى إذا عَرَفه وحَّده وأنِس به، واستحى من قربه، وعبدَه كأنه يراه، لذلك كان أنفع العلوم علم التوحيد ومنه علم الأسماء والصفات؛ لأنَّ «شرف العلم بشرف المعلوم، والباري أشرف المعلومات، فالعلم بأسمائه أشرف العلوم». [«أحكام القرآن» لابن العربي: (2/804)]، غير أنَّ توحيد الأسماء والصفات - مع شرفه وعظيم قدره - قد زلَّت في معظم أبوابه الأقدامُ، وضَلَّت فيها الأفهامُ، وافترق الناس فيها إلى أهل تشبيهٍ وتمثيلٍ، الذين غَلَوْا في الإثبات حتى شبَّهوا صفاتِه بصفات خلقه، وإلى أهل تعطيلٍ وتأويلٍ الذين غَلَوا في التنزيه حتى سَلَبوا لله صفاتِ كماله سبحانه، ظنًّا منهم أنَّ إثبات الصفات يستلزم التشبيهَ، وهدى اللهُ أهلَ السُّنَّة والجماعة مِن سلف هذه الأُمَّة، وسَدَّد فَهمَهم في الاعتقاد السليم القائم على أصلين راسخين: 1- إثباتٌ بلا تشبيهٍ، 2- تنزيهٌ بلا تعطيلٍ.

فكان مذهب أهل السُّنَّة والجماعة بريئًا من التشبيه والتعطيل، فلا ينفون ما أثبته اللهُ لنفسه، ولا يثبتون ما نفاه اللهُ عن نفسه، ولا يحرِّفون الكَلِمَ عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يمثلون صفاتِه بصفات خلقه، قال ابن تيمية – رحمه الله – في «مجموع الفتاوى» (6/515): «وجماع القول في إثبات الصفات هو القول بما كان عليه سلف الأُمَّة وأئمَّتها وهو أن يوصف اللهُ بما وصف به نفسَه وبما وصفه به رسوله، ويُصان ذلك عن التحريف والتمثيل والتكييف والتعطيل؛ فإنَّ اللهَ ليس كمثله شيءٌ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فمن نفى صفاتِه كان معطِّلاً. ومن مَثَّل صفاته بصفات مخلوقاته كان ممثِّلاً، والواجب إثبات الصفات ونفي مماثلتها لصفات المخلوقات، إثباتًا بلا تشبيهٍ وتنزيهًا بلا تعطيلٍ، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فهذا ردٌّ على الممثِّلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] ردٌّ على المعطِّلة، فالممثِّل يعبد صنمًا والمعطِّل يعبد عدمًا».

قلتُ: ولهذا فصفات اللهِ تعالى تُثبَتُ على وجه التفصيل كإثبات السمع والبصر وسائر الصفات، وتُنفى - على وجه الإجمال - الصفاتُ المنفيّة التي يتنزّه الله عنها كنفي المثلية في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، فأهل السُّنَّة لا يتجاوزون النصوص الشرعية، بل يعتصمون بالألفاظ الشرعية الواردة في باب الأسماء والصفات نفيًا وإثباتًا، ويتوقَّفون فيما لم يصرِّح الكتاب والسُّنة بنفيه ولا إثباته كالعَرَض والجسم والجوهر بناءً على هذا الأصل العظيم.

هذا، وقد أجمع أهل السُّنَّة والجماعة قاطبةً على هذا المعتقد السليم، ونقل ابن عبد البر - رحمه الله – عنهم ذلك في «التمهيد» [7/145] بقوله: «أهل السُّنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسُّنَّة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلاَّ أنهم لا يكيِّفون شيئًا من ذلك، ولا يَحدُّون فيه صفة محدودة».

ولأهل السُّنَّة والجماعة قواعد مُثلى في باب الأسماء والصفات دلَّت عليها النصوص الشرعية منها:

- صفات الله تعالى توقيفية، فلا يُثبت منها إلاَّ ما أثبته الله لنفسه، أو ما أثبته له رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ولا ينفى عن الله تعالى إلاَّ ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، مع اعتقادِ ثبوتِ كمالِ ضِدِّه لله تعالى.

- كلُّ صفةٍ ثَبَتَتْ بالنقل الصحيح وافقت العقلَ الصريحَ ولا بُدَّ.

- كلُّ اسم ثبت لله تعالى فهو متضمِّنٌ لصفةٍ ولا عكس.

- إنَّ النفي ليس فيه كمال ولا مدح إلاَّ إذا تضمَّن إثباتًا.

- الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه وصفاته، بل يطلق عليه منها كمالها.

- صفاتُ الله تعالى ذاتيةٌ وفعليةٌ، فالصفاتُ الذاتيةُ لا تنفكُّ عن الذات ولا تتعلَّق بها مشيئته وقدرته، والصفات الفعلية تتعلَّق بها مشيئته وقدرته، وأفعاله لا منتهى لها.

- القولُ في الصفات كالقول في الذات، والقولُ في بعضها كالقول في البعض الآخر، فالكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، وجَحْدُ الأسماء والصفات إنكارٌ للذات.

والمصنِّف - رحمه الله – قرَّر منهجَ السلف في باب الأسماء والصفات فبيَّن وجوب الإيمان بما أثبته اللهُ لنفسه في كتابه؛ لأنه لا أحدَ أعلم من الله بالله: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ﴾ [البقرة: 140]، ووجوب الإيمان بما أثبته رسوله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه لا مخلوق أعلم بخالقه من رسوله صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال الله في حقِّه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3-4]، من غير تكييفٍ ولا تشبيهٍ ولا تمثيلٍ، وتنزيه الله تعالى عن النقائص والعيوب تنزيهًا لا يفضي إلى التعطيل بتأويل المعاني أو تحريف الألفاظ عن مدلولها بدعوى التنزيه، ونفي كلِّ ما نفاه اللهُ عن نفسه في كتابه أو نفاه رسوله مع اعتقاد ثبوت كمال ضدِّه لله تعالى، فنفي الموت عنه يتضمَّن كمال حياته، ونفي الظلم عنه يتضمَّن كمال عدله، ونفي النوم يتضمَّن كمال قَيُّوميته، وعلى هذا فكلُّ نفي عن الله يتضمَّن إثباتَ ضِدِّ المنفيِّ من الكمال والجلال.

فكان منهج السلف الجامع بين احترام النصوص والإيمان بها مُؤسَّسًا على إثبات الكمال بخلاف منهج الخلف فمذهبهم مؤسَّسٌ على نفي الكمال أو نفي بعضه مع الاعتراض على النصوص وسوء الظنِّ بها إذ ظاهرها ‑عندهم‑ التشبيه فنَفَوْا وأوَّلوا، ولا شكَّ أنَّ السلف ‑رحمهم الله‑ أعلم بالله وصفاته من الخَلَف؛ لأنَّ قدوتهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام، ولا يخفى أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أعلم الناسِ بربِّه، فمن الممتنع أن يكون خواصُّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابُه مع حرصِه صلى الله عليه وآله وسلم على إفادتهم وتعليمهم أجهلَ بالله وصفاته ممَّن جاء من بعدهم من الخَلَف الذين اتخذوا مصدرَ التلقي العقولَ الآدميةَ والمقاييسَ اليونانيةَ الوثنيةَ!! فإنَّ أحوال السلف وجهادهم وحرصهم على نقل الشريعة صافيةً من الأدران والشوائب، ومجانبتهم للبدع تمنع قولهم بغير الحق.

ونقل محمَّد الصالح رمضان تلميذ الشيخ عبد الحميد بن باديس في «تعليقه على العقائد» (73) أنَّ الإمام ابن باديس كان وقت الدرس يمتثل بالبيتين التاليين:

«فَنَحْنُ مَعْشَرَ فَرِيقِ السُّنَّةِ *** السَّالِكِينَ فِي طَرِيقِ الجَنَّةِ

نَقُولُ بِالإِثْبَاتِ وَالتَّنْزِيهِ *** مِنْ غَيْرِ تَعْطِيلٍ وَلاَ تَشْبِيهٍ»

وزاد عليها مُعَلِّقًا فقال: «المعطِّلون: هم الذين ينفون الصفاتِ الإلهية، والمشبِّهون: هم الذين يشبِّهونها بصفات المخلوقين، وكلاهما في ضلال، أمَّا السُّنِّيون: فهم الذين يثبتونها له تعالى، وينزِّهونها عن التشبيه بالمخلوقات.

والتعطيل: تعطيلُ اللفظ عن دلالة معناه الحقيقي أو الخروج به إلى معنًى آخر، والتشبيه: تشبيه الله بمخلوقاته. فنحن نثبت لله ما أثبته الله لنفسه من أقوالٍ أو أفعالٍ أو صفاتٍ، ولا نشبِّهه في شيءٍ من ذلك بالمخلوقات، ولا غرابةَ في إثبات شيءٍ مع عدم تكييفه في الإنسان يثبت أن بين جنبيه نفسًا ولكن لا يستطيع تكييفها كذلك نثبت صفات الله بلا كيف».

٢- آية: (28 و30) من سورة آل عمران.

٣- آية (116) من سورة المائدة.

استدلَّ المصنِّف ‑رحمه الله‑ على القاعدة الأولى من عقيدة الإثبات والتنزيه بالنصوص الشرعية على الذات والأسماء والصفات الذاتية والفعلية، وسيأتي المزيد من النصوص الشرعية في القواعد اللاحقة.

والملاحظ أنَّ المصنِّف ‑رحمه الله‑ أثبت النفس لله تعالى، ومراده بالنفس هي ذاته الإلهية المقدسة، ولا يقصد بذلك ذاتًا منفكةً عن الصفات ولا صفة ذاتٍ كما قاله بعض الناس، وإنما هي نفس الموصوف وحقيقته، قال ابن تيمية ‑رحمه الله‑ في «مجموع الفتاوى» (14/196): «ونفسه: هي ذاته المقدسة»، وقال في موضع آخر منه (9/292): «ويُراد بنفس الشيء ذاتُه وعينُه، كما يُقال: رأيت زيدًا نفسَه وعينَه، وقد قال تعالى : ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: 116]، وقال : ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54]، وقال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: 28]، وفي الحديث الصحيح أنه قال لأم المؤمنين: «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ لَوْ وُزِنَّ بِمَا قُلْتِيهِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ». [أخرجه الترمذي في «الدعوات» (5/556)، باب في دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والنسائي في «السهو» (3/77) باب نوع آخر من عدد التسبيح، وابن ماجه في «الأدب» (2/1251)، باب فضل التسبيح، من حديث ابن عباس عن جويرية رضي الله عنها، والحديث صحَّحه الألباني في «صحيح الترمذي» برقم (3555)، و«صحيح ابن ماجه» برقم (3808)]، وفي الحديث الإلهي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ». [أخرجه البخاري في «التوحيد» (13/384)، باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ، وأخرجه مسلم في «الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار» (17/2) باب الحث على ذكر الله تعالى، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]. فهذه المواضع المراد بلفظ النفس فيها عند جمهور العلماء: الله نفسه التي هي ذاته المتصفة بصفاته ليس المراد بها ذاتًا منفكة عن الصفات ولا المراد بها صفة للذات، وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات كما يظنّ طائفة أنها الذات المجرّدة عن الصفات وكلا القولين خطأ».

٤- هو الصحابي خُبَيْبُ بنُ عَدِيِّ بنِ عامر الأنصاري، شهد أُحُدًا، واستشهد في عهد النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسلم، وهو أول مَن سَنَّ الركعتين عند القتل، وكان فيمن بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع بني لحيان، فلما صاروا بالرجيع غدروا بهم، واستصرخوا عليهم، وقتلوا فيهم، وأسروا خبيبًا وباعوه بمكة، فقتلوه بمن قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قومهم، وصلبوه بالتنعيم.

انظر: «الاستيعاب» لابن عبد البر: (1/440)، «أسد الغابة» لابن الأثير: (2/104) ، «سير أعلام النبلاء» للذهبي: (1/246)، «الإصابة» لابن حجر: (1/418).

٥- قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في «الفتح» (13/381): «قال عياض: ذات الشيء نفسه وحقيقته، وقد استعمل أهل الكلام الذات بالألف واللام، وغلطهم أكثر النحاة، وجوزه بعضهم؛ لأنها ترد بمعنى النفس وحقيقة الشيء، وجاء في الشعر لكنه شاذ، واستعمال البخاري لها دال على ما تقدم من أنَّ المراد بها نفس الشيء على طريقة المتكلِّمين في حقِّ الله تعالى، ففرق بين النعوت والذات».

قلتُ: وإضافة لفظة «الذات» إلى الله تعالى يصحُّ إذا كان بمعنى نفس الموصوف بصفات الكمال التي لا نقص فيها وحقيقته، لا أن «الذات» صفة له ولا ذاتًا مجرَّدة عن الصفات، ولا صفات مجرَّدة عن الذات، إذ لا يمكن وجود الذات إلاَّ بما به تصير ذاتًا من الصفات، ولا يمكن وجود الصفات إلاَّ بما به تصير صفات من الذات. [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (5/330، 338)، (6/142، 206)].

٦- «أوصال شِلو ممزع» قال ابن حجر رحمه الله- في «الفتح» (7/384): «الأوصال جمع وصل: وهو العضو، والشلو بكسر المعجمة: الجسد، وقد يطلق على العضو، ولكن المراد به هنا الجسد، والممزع بالزاي ثمَّ المهملة: المقطع، ومعنى الكلام أعضاء جسد يقطع».

٧- أخرجه البخاري في «الجهاد» (6/165) باب هل يستأسر الرجل؟ ومن لم يستأسر، ومن ركع ركعتين عند القتل، وفي «المغازي» (7/308) باب فضل من يشهد بدرًا (7/378) باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان، وفي «التوحيد» (13/381) باب ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله تعالى، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

٨- آية (110) من سورة الإسراء.

٩- آية (180) من سورة الأعراف.

استدل المصنف بالآيتين أنَّ أسماء الله الحسنى أعلام وأوصاف دالَّة على صفات كماله سبحانه، وأنَّ المنهج هو عين المنهج في الذات والصفات وهو عقيدة السلف في الإثبات والتنزيه، علمًا أنَّ الإيمان بالاسم ‑عند أهل السُّنة والجماعة- لا يتم إلا بأركان ثلاثة:

- الركن الأول: الإيمان بالاسم، يتضمَّن: إثبات الاسم حقيقة أوَّلاً، فأسماء الله وصفاته تطلق على الله حقيقة لا مجازًا خلافًا للمتكلِّمين، قال ابن تيمية ‑رحمه الله‑ في «مجموع الفتاوى» (5/196): «وقد اتفق أهل الإثبات على أنَّ الله حي حقيقة، عليم حقيقة، قدير حقيقة، سميع حقيقة، بصير حقيقة»، وتنزيه الله تعالى عن مماثلة المخلوقين ثانيًا، وذلك بالاعتصام بالقاعدة العامة في الصفات التي ذكرها المصنف ‑رحمه الله- إثباتًا ونفيًا، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]، فالأسماء تتفق وتتماثل ولا يعني تماثلها تماثل المسميات، وإنما تختلف باختلاف الإضافة والتخصيص، فما أضيف إلى الله فلا يدخل في معناه المخلوق، بل هو خاصٌّ بالله تعالى، وما أُضيف إلى المخلوق فلا يدخل في معناه الخالق، بل هو خاصٌّ بالمخلوق، فالقدر الذي تتفق فيه الأسماء هو عند الإطلاق فقط ولا يعني اتفاق المسميات عند الإضافة والتخصيص، والإيمان بأنَّ أسماء الله حسنى ثالثًا، وأنها متضمَّنة لصفات بالغة في الحسن وغاية في الكمال، لا نقص فيها بوجه من الوجوه لا احتمالاً ولا تقديرًا، ويكون الحسن في أسماء الله تعالى إمَّا باعتبار كلِّ اسمٍ على انفراده، أو باعتبار ضمه إلى غيره، فيجمع في الاسم إذا ضم إلى غيره حسنًا على حسن وكمالاً فوق كمال، لقوله تعالى: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾ [الأعراف: 180].

- الركن الثاني: الإيمان بما دلَّ عليه الاسم من معنى، ويتضمن:

- أولا: الإيمان بأنَّ لكل اسمٍ من أسمائه الحسنى له من جهة اللفظ معنى معلوم يخصه غير الاسم الآخر، وهو غير معلوم من جهة الحقيقة والكيفية بإجماع السلف. [انظر: «ذم التأويل» لابن قدامة: (27)]، أي: قطع الطمع عن إدراك الحقيقة والكيفية، لقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110]، والمعلوم أنَّ السلف يفوضون علم الحقائق والكيفيات في الصفات إلى الله تعالى، مع إثبات اللفظ والمعنى لله تعالى.

- ثانيًا: الإيمان بأنَّ أسماء الله تعالى أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وليس معنى الاسم هو الذات فقط، وهي أوصاف باعتبار ما دلَّت عليه من المعاني، فالأسماء مترادفة من حيث الذات فتتفق جميعًا في دلالتها على مسمًّى واحد وهو ذات الله المقدسة، وهي متباينة من جهة الصفات لدلالة كلِّ واحدٍ منها على معناه الخاصّ، فمعنى الخالق غير معنى الرزاق، والرحيم غير العزيز، والعزيز غير الحكيم، والحكيم غير الغفور، وهي دالة جميعًا على صفات الكمال المطلق الذي لا يعتريه نقص ولا عيب بأي وجه من الوجوه، لذلك كانت أسماء الله حسنى، أي: بالغة في الحسن إلى غاية، لا حسنة، والله سبحانه موصوفٌ بصفات الكمال المطلق، فلو تجرَّدت الأسماء الحسنى عن المعاني والأوصاف لكانت أعلامًا محضة جامدة لا تدلُّ على معنى، ولاَنْتَفَى الفرق بين اسم وآخر، ولما عِيب على أهل الشرك إقرارهم ببعض الأسماء كالخالق والرزاق وإنكارهم اسم الرحمن، علمًا أنَّ نفي أسماء الله الحسنى وتجريدها عن معانيها من أعظم الإلحاد فيها، قال تعالى: ﴿وَللهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180].

- الركن الثالث: الإيمان بالآثار المترتبة على الاسم ذي وصف متعدٍّ, أمَّا الاسم الدالُّ على وصفٍ لازم غير متعدٍّ فلا علاقة له إلاَّ بالركنين السابقين مثل اسم «الحي» فيتضمن صفة الحياة وهو وصف لازم لا يتعدَّى إلى الغير، لذلك ليس له أثر.

والمراد بالآثار هو الحكم والمقتضى، فإنَّ ظهور الأحكام وآثار الاسم الدال على وصف مُتعَدٍّ لا بُدَّ منه، إذ هو من مقتضى الكمال المقدس والملك التام، فاسم «الرحمن» و«الرحيم» مشتقَّان من صفة الرحمة، وتتعلَّق بهما الآثار، و«الرحمن» أشد مبالغة من «الرحيم»، فـ «الرحمن»: ذو الرحمة الواسعة التي شملت الخلق في أرزاقهم وأسباب معايشهم ومصالحهم وعمَّت المؤمن والكافر والصالح والطالح، وأمَّا «الرحيم» فخاصٌّ بالمؤمنين لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 43]، فأهل التقوى من عباده المتبعين لأنبيائه ورسله لهم الرحمة المطلقة ومن عداهم فلهم نصيب منها، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 156]، وقد بيَّن ابن القيم –رحمه الله- أنَّ ظهور آثار الرحمة من أعظم الأدلة على كمال الموصوف حيث قال: «إنَّ ظهور آثار هذه الصفة في الوجود كظهور أثر صفة الربوبية والملك والقدرة، فإنَّ ما لله على خلقه من الإحسان والإنعام شاهد برحمةٍ تامَّةٍ وسعت كلَّ شيءٍ كما أنَّ الموجودات كلَّها شاهدة له بالربوبية التامة الكاملة، وما في العالم من آثار التدبير والتصريف الإلهي شاهد بملكه سبحانه، فجعلُ صفة الرحمة واسم الرحمة مجازًا كجعل صفة الملك والربوبية مجازًا، ولا فرق بينهما في شرع ولا عقل ولا لغة.

وإذا أردت أن تعرف بطلان هذا القول، فانظر إلى ما في الوجود من آثار رحمته الخاصة والعامة، فبرحمته أرسل إلينا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأنزل علينا كتابه، وعلمنا من الجهالة، وهدانا من الضلالة، وبصَّرنا من العمى، وأرشدنا من الغي، وبرحمته عرفنا من أسمائه وصفاته وأفعاله ما عرفنا به أنه ربنا ومولانا... وبرحمته وضع رحمته بين عباده ليتراحموا بها، وكذالك بين سائر الحيوان.

فهذا التراحم الذي بينهم بعض آثار الرحمة التي هي صفته ونعمته، واشتق لنفسه اسم «الرحمن الرحيم». [«مختصر الصواعق المرسلة» للموصلي: (2/316)].

١٠- آية: (2 ،3 ،4، 5) من سورة الأعلى.

١١- آية: (107) من سورة هود، آية: (16) من سورة البروج.

١٢- آية: (73، 74) من سورة النحل.

١٣- آية: (169) من سورة البقرة.

١٤- آية: (11) من سورة الشورى.

والمصنِّف ‑رحمه الله‑ استدلَّ بهذه الآيات على صفات الله سبحانه بعدما استدلَّ بالمنصوص على الذات والأسماء، وأنها من حيث تعلُّقُها بذات الله تعالى صفات ذاتية وهي التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها، كالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر، وصفات فعلية وتسمَّى بالصفات الاختيارية وهي صفات متعلقة بمشيئة الله وقدرته، إن شاء فعلها وإن لم يشأ لم يفعلها، لقوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: 27]، وقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: 107، البروج: 16]، وأفعاله سبحانه لا منتهى لها ولا حصر، كالخلق والإعطاء والإنبات والإخراج، والإنعام، والأمر والنهي وغيرها.

فالصفات الفعلية من حيث قيامها بالذات تسمَّى صفات ذات، ومن حيث تعلقها بما ينشأ عنها من الأقوال والأفعال تسمَّى صفات أفعال، فمثلاً: صفة الكلام، فإنها صفة ذات وصفة فعل، فمن حيث قيامها بالذات لكونها متكلمة أزلاً وأبدًا فهي صفة ذات، ومن حيث تعلقها بالمشيئة والإرادة فهي صفة فعل، ومرجع معاني الصفات الذاتية والفعلية إلى اسمي «الحي» و«القيوم»، فترجع لـ «الحي» صفات الذات ولـ «القيوم» صفات الفعل.

هذا، وجدير بالتنبيه أنَّ ما يطلق على الله تعالى على سبيل الإخبار عنه تعالى جائز إذا كان اللفظ دالاًّ على معنى حسن أو على أقل تقدير لا يدل على ذمٍّ أصلاً، كالألفاظ العامة التي يقصد بالإخبار بها أنَّ الله تعالى ذو حقيقة موجودة في الخارج، كأن يقول مخبرًا: الله تعالى ذات، وشيء، وموجود، أو كالألفاظ الخاصة بالله تعالى لا تطلق على غيره، ولم يرد في الكتاب والسُّنة التسمية أو الوصف بها إلاَّ أنها تدلُّ على معنى معين لا عموم فيه ولا إطلاق لا يليق إلاَّ بالله تعالى، والمخلوق لا يتصف بها لقصوره عن الاتصاف بمعانيها، مثل: القديم، القائم بنفسه، واجب الوجود، أزلي سرمدي، ونحو ذلك، فهذه وغيرها يجوز إطلاقها على الله تعالى من باب الإخبار عنه دون الوصف والتسمية، وما يطلق عليه من باب الإخبار لا يجب أن يكون توقيفيًّا، قال ابن القيم ‑رحمه الله‑ في «بدائع الفوائد» (1/161): «إن ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع ممَّا يدخل في باب أسمائه وصفاته كالشيء والموجود والقائم بنفسه فإنه يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا».

 

<<  العودة


نسخة للطباعة        أرسل إلى صديق     أخبر صديقك عن الموقع



.: كل منشور لم يرد ذكره في الموقع الرسمي لا يعتمد عليه ولا ينسب إلى الشيخ :.

.: منشورات الموقع في غير المناسبات الشرعية لا يلزم مسايرتها لحوادث الأمة المستجدة، أو النوازل الحادثة لأنها ليست منشورات إخبارية، إعلامية، بل هي منشورات ذات مواضيع فقهية، علمية، شرعية :.

.: تمنع إدارة الموقع من استغلال مواده لأغراض تجارية، وترخص في الاستفادة من محتوى الموقع لأغراض بحثية أو دعوية على أن تكون الإشارة عند الاقتباس إلى الموقع :.

جميع الحقوق محفوظة (1424ھ/2004م - 1431ھ/2010م)