• وشِقٍّ
سلبي عارِض على الفِطرة التي
قد تضعف ويَخْفُتُ نورُها فيعرِضُ لها ما يغيِّرها ويحوِّلُها إلى
مِلَلِ الكفر والشِّرك بسبب مؤثِّراتٍ خارجيةٍ كالطبائع
الشرِّيرة، والبيئة
السيِّئة التي يتربَّى فيها الإنسان منذ صغره، ففي الحديث:
«كُلُّ
مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ
وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ
بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ»(٢-
أخرجه البخاري في «الجنائز»: (3/219) باب إذا أسلم الصبيُّ فمات هل يصلى عليه؟ ومسلم في «القدر»: (16/207) باب معنى كلّ مولود يولد على الفطرة، وأبو داود في «السنة»: (5/86) باب في ذراري المشركين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه)،
أو بسبب نزغات شيطانيةٍ طائشةٍ تميل به عن الجادَّةِ وتنحرف به عن
سواء السبيلِ، وإلى هذا المعنى يشير النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه
وآله وسَلَّم بقوله فيما يروي عن ربِّه تبارك وتعالى أنَّه قال:
«إِنِّي
خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإنَّهُمْ أَتَتْهُمُ
الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ
عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا
بِي مَا لَمْ أُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا»(٣-
أخرجه مسلم في «الجنة وصفة نعيمها وأهلها»: (17/ 196) باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، وأحمد: (1794) من حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه)،
فارتبط مصيرُ الإنسانِ في دنياه وآخرته بِرُجْحَانِ أحدِ
الشِّقين:
شِقّ
الخير والتقوى، أو
شِقّ
الشرّ والفجور، فمن طهَّر نفسَه بطاعة الله، وأصلحها من الأخلاق
الدنيئة والرذائل فقد أفلح وربح، ومن أخملها ودسَّها حتى ركب
المعاصي وترك طاعةَ الله فقد خاب وخسر، وأصلُ هذا المعنى قول الله
تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا،
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن
زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 7-10].
لذلك أرسل اللهُ الرسلَ لتذكِّر النفسَ بوجوب المحافظةِ على طهارة
فِطرَتها المتجلِّية في معرفةِ الله ومحبَّتِهِ والإخلاصِ له
وإيثارِه على غيره، وتُنبِّهُها عليه، مع التفصيل والبيان،
وتعرِّفها الأسبابَ المعارضةَ لموجَب الفطرة
المانعةِ من اقتفاء أثرها،
كما حذّرت من الاستسلام للنَّزَعات الشيطانية والطبائع
الشرِّيرة الطارئة على النفس
التي تُضْعِفُ من عزمها، وترمي بها في بُؤَرِ الضلال وساحات الهوى،
وتنحرفُ بها عن سواء السبيل فدعت إلى تخليص الفطرة من كلّ ما قد
يُعَكِّرُ صفاءَهَا ويذهب
نقاءَها
ممّا يلابسها من الشوائب والعوالق المدنِّسة قال تعالى:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا
فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ
لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30]، قال ابن القيم -رحمه الله-: «وهكذا شأن الشرائع
التي جاءت بها الرسل، فإنّها أمرٌ بمعروفٍ، ونهيٌ عن منكر، وإباحةُ
طَيِّبٍ، وتحريمُ خبيثٍ، وأمرٌ بعدلٍ، ونهيٌ عن ظُلْمٍ، وهذا كلّه
مركوزٌ في الفطرة، وكمال تفصيله وتبيينِه موقوفٌ على الرسل»(٤-
«شفاء العليل» لابن القيم: (2/821)).
وعلى
أساس معايير الهداية التي جاءت بها الرسلُ تقوم دعوةُ المصلحين
إلى توحيد الله ربِّ العالمين وعبادتِه ومحبَّتِهِ والإخلاصِ
له، فهو أصلُ الدِّين، ودعوةُ جميعِ الأنبياءِ والمرسلين، وهو
ركنُ الأعمال وشرطُ التمكين في الدنيا، والنجاةِ في الآخرة،
وبه تتَّحدُ الأُمَّةُ وتجتمع على إمامها وقدوتها محمّد صَلَّى
الله عليه وآله وسَلَّم، فلا وحدة بدون توحيد، ولا اجتماع بدون
اتباع. وميدانُ الإصلاح يدعو القائمين به إلى تطهيرِ الفطرةِ
من الأخلاط والشوائب ممّا يضادُّ التوحيدَ الخالصَ، والتحذيرِ
من دعاوى الجاهليةِ ومظاهرِ الشرك وأشكالِ الخُرَافَةِ وأنماطِ
البِدَعِ، ومحاربةِ كلِّ أسبابِ الانحرافِ عن دِينِ الفطرةِ
بإظهار الحقِّ، والأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر بوسيلةِ
العلم الشرعيِّ الصحيحِ الذي هو مادَّةُ الإسلامِ وموضوعُه،
وبمنهج مستمَدٍّ من الكتاب والسُّنَّةِ وما عليه سلفُ الأُمّة.
كما أنّ ميدانَ الإصلاحِ ينادي أصحابَه إلى ربطِ النفوس بشريعة
الله الشاملة لجميع ميادين الحياة فيما يحتاجه الناسُ لصلاح دنياهم
وآخرتِهم، وغرسِ الأخلاق الفاضلةِ ومبادئ البِرِّ والإحسانِ
والتعاوُنِ على الحقِّ والخيرِ بالأسلوب الدَّعَوِيِّ المُنْبَثِقِ
من قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ
رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:
125].
كما أنّ ميدانَ الإصلاح يتطلَّبُ من القائمين عليه من دعاة الحقِّ
أن يكونوا على بصيرةٍ بالمجال الدعوي: من علمٍ دقيقٍ بالشرع
ومقاصده العليا، ومراميه النبيلةِ مع الصِّلة الوثيقةِ بالله
تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى
اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ
اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:
108]،
وأَنْ يبتعدوا في مسيرتهم الدعويةِ عن الجفوة والغِلظة وسوءِ
الأدبِ والمنقلب، فالرِّفقُ في الأسلوب من أبرز خصائص دعوة الحقِّ،
وأن يتَنَزَّهوا عن الأغراض الدنيئة والاغترار بالدنيا؛ لأنّ
الانشغال بها والتلهِّي عن الآخرة أوَّلُ طريقِ الضَّيَاع، قال
تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ
تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ
وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾
[المنافقون: 9]،
وأَنْ يلتزموا التوكُّلَ على الله والتحلِّي بالصبر على دعوتهم إلى
الخير والرُّشْدِ والسُّؤْدُدِ، ويعتبروا بما واجه النبيُّ صَلَّى
اللهُ عليه وآله وسَلَّم من كلّ أشكال الصدود والفجور، وكلِّ ألوان
الكنود والجحودِ، فَصَبَرَ عليها وصابر ورابط حتى أتمَّ اللهُ
دعوتَهُ، وانتشرت في الآفاق.
إنَّ صَبْرَ الدعاةِ المصلحينَ على ما يصيبهم هو من عزائم الأمور؛
لأنّه صبرٌ على استكبار الجاحدين، وجفوة العصاة، وعَنت المدعوين،
وهو من علامات أهل الصلاح المتقِّين قال تعالى:
﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى
اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا
آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾
[إبراهيم: 12]، كما هو من صفات الأئمّة المقتدى بهم، قال
تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً
يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا
يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24].
هذا، وإذا تحقَّقت الدِّعامةُ الأولى لصلاح الفرد بإصلاح نفسه فقد
استقامت لَبِنَةٌ لمجتمعِهِ المسلمِ تنتظمُ إلى جانبها لَبِنَاتٌ
قويةٌ صالحةٌ يُشَيَّدُ بها صَرْحُ أُمَّةِ الإسلامِ، كالبنيان
المرصوص يشدُّ بعضُه بعضًا، تَقِرُّ بها أعينُ الموحِّدين في
تماسكها وعِزَّتها وتمكينها وهَيْمَنَتِهَا، وتحتلُّ صدارةَ
المجتمعاتِ على مدى الزمان وفي كلّ الأحوال، قال تعالى:
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً
وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:92].
قال الشيخ العلاَّمة ابن باديس -رحمه الله-:
«فصلاحُ النَّفْسِ هو صلاحُ الفَرْدِ، وصلاحُ الفردِ هو صلاحُ
المجموعِ، والعنايةُ الشرعيَّةُ متوجِّهةٌ كُلُّهَا إلى إصلاحِ
النفوسِ؛ إِمَّا مباشرةً وإمَّا بواسطةٍ، فما مِنْ شَيْءٍ مِمَّا
شَرعَهُ اللهُ تعالى لعبادِه من الحقِّ والخيرِ والعدلِ والإحسانِ،
إلاَّ وهو راجعٌ عليها بالصَّلاح، وما من شيءٍ نهى اللهُ تعالى عنه
من الباطلِ والشَّرِّ والظُّلْمِ والسُّوءِ، إلاَّ وهو عائدٌ عليها
بالفساد؛ فتكميل النَّفْسِ الإنسانيَّةِ هو أعظمُ المقصودِ من
إنزالِ الكتبِ وإرسالِ الرُّسلِ، وشرع الشَّرَائِعِ». [ابن باديس:
حياته وآثاره: (1/233)].
نسألُ اللهَ تعالى أن يفتح علينا بالاعتصام بحبله المتين، وأن
يجمعَ كلمتَنَا على التقوى والدِّين، وأن يُوَفِّقَ القائمين على
الإصلاح في دعوتهم، ويُسَدِّدَ خطاهم، ويجمعَهم على التعاون على
البِرِّ والتقوى والتواصي بالحقِّ والصبر، واللهُ من وراء القَصْدِ
وهو يهدي السبيل.
وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على
نبيّنا محمَّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلّم
تسليمًا.
الجزائر في: 01 جمادى الأولى 1428ﻫ
الموافق ﻟ: 18 ماي 2007م