أرشيف كلمة الشيخ الشهرية: ميزة شهر رمضان وفضائل الصيام وفوائده وآدابه
الحمد لله ذي المنِّ والتوفيق والإنعام، شرع لعباده شهر
رمضان للصيام والقيام، مرة واحدة كلّ عام، وجعله أحد أركان
الإسلام ومبانيه العظام، ومطهّرا للنفوس من الذنوب والآثام،
والصلاة والسلام على من اختاره الله لبيان الأحكام، واصطفاه
لتبليغ شرعه للأنام، فكان خير من قام وصَام، ووفىّ واستقام،
وعلى آله الأصفياء وصحابته الكرام، ومن تبعهم بإحسان على
الدوام، أما بعد:
فلقد فرض الله تعالى الصيام على جميع الأمم وإن اختلفت كيفيته
ووقته، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ
عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة:
183]، وفي السنة الثانية من الهجرة أوجب الله على هذه الأمة
صيام رمضان وجوبًا آكدًا على المسلم البالغ، فإن كان صحيحًا
مقيمًا وجب عليه أداءً، وإن كان مريضًا وجب عليه قضاءً، وكذا
الحائض والنفساء، وإن كان صحيحًا مسافرًا، خُيِّر بين الأداء
والقضاء، وقد أمره سبحانه وتعالى أن يصوم الشهر كلّه من أوّله
إلى منتهاه، وحدّد له بداية الصوم بحدٍّ ظاهر لا يخفى عن أحد
وهو رؤية الهلال أو إكمال عدّة شعبان ثلاثين يومًا لقوله صلى
الله عليه وآله وسلّم: «لاَ تَصُومُوا
حَتَّى تَرَوُا الْهِلاَلَ، وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ،
فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ»(١-
متفق على صحته: أخرجه البخاري: (4/119)، ومسلم: (7/189،190،191)، وأبو داود: (2/740)، وابن ماجه:
(1/529)، والنسائي: (4/134)، وأحمد: (2/5، 13، 63)، ومالك في الموطإ:
(1/269)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما)،
كما حدّد له بداية الصوم بحدود واضحة جليّة، فجعل سبحانه بداية
الصوم بطلوع الفجر الثاني، وحدّد نهايته بغروب الشمس في قوله
تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ
الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى
الَّليْلِ﴾[البقرة: 187]، وبهذه الكيفية والتوقيت تقرّر
وجوبه حتميًا في قوله تعالى: ﴿فَمَن
شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾[البقرة: 185]،
وصار صومه ركنًا من أركان الإسلام، فمن جحد فرضيته وأنكر وجوبه
فهو مرتدّ عن دين الإسلام، يستتاب فإن تاب وإلاّ قُتِلَ كفرًا،
ومن أقرَّ بوجوبه، وتعمّد إفطاره من غير عذر فقد ارتكب ذنبًا
عظيمًا وإثمًا مبينًا يستحقّ التعزير والردع.
هذا، وشهر رمضان ميّزه الله تعالى بميزات كثيرة من بين الشهور،
واختصّ صيامه عن الطاعات بفضائل متعدّدة، وفوائد نافعة، وآداب
عزيزة.
أمّا فضائل الصيام فمتعدّدة منها: تضاعف فيه الحسنات مضاعفة
لا تنحصر بعدد، بينما الأعمال الأخرى تضاعف الحسنة بعشر
أمثالها إلى سبعمائة ضعف لما رواه الشيخان من حديث أَبِى
هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى
الله عليه وآله وسلم: «كُلُّ عَمَلِ
ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ بعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى
سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى مَا شَاءَ اللهُ يقُولَ اللَّهُ
تَعَالَى: إِلاَّ الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِى وَأَنَا أَجْزِى
بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِى،
لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ
عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ عِنْدَ
اللهِ أَطْيَبُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ»(١٠-
أخرجه ابن ماجه: (1638)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه: (1335)، وفي صحيح الترغيب: (968))
فيتجلى من هذا الحديث أنّ الله اختصّ الصّيام لنفسه عن بقية
الأعمال، وخصّه بمضاعفة الحسنات -كما تقدّم- وأنّ الإخلاص في
الصيام أعمق فيه عن غيره من الأعمال لقوله صلى الله عليه وآله
وسلم: «تَرَكَ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ
وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِى»، كما أنّ الله سبحانه وتعالى
يتولى جزاء الصائم الذي يحصل له الفرح في الدنيا والآخرة، وهو
فرح محمود لوقوعه على طاعة الله تعالى كما أشارت إليه الآية:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ
فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾[يونس:58]، كما يستفاد منه
أنّ ما ينشأ عن طاعة الله من آثارٍ فهي محبوبة عند الله تعالى
على نحو ما يحصل للصائم من تغيّر رائحة فمه بسبب الصيام.
•ومن فضائل الصيام: أنّه يشفع
للعبد يوم القيامة ويستره من الآثام والشهوات الضارّة، ويقيه
من النّار لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:
«الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ
لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ الصِّيَامُ: أَي رَبِّ
مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَة فَشَفِّعْنِى فِيهِ.
وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ
فَشَفِّعْنِى فِيهِ. قَالَ فَيُشَفَّعَانِ»(١١-
أخرجه أحمد: (6785)، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وصححه الألباني في صحيح الجامع: (3776). وفي صحيح الترغيب:(1429)).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم:
«الصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَحِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ النَّارِ»(١٢-
أخرجه أحمد: (9463)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وحسنه الألباني في صحيح الجامع: (3774)، وفي صحيح الترغيب:(980)).
•من فضائله: أنّ دعاء الصائم
مستجاب، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:
«...وَإِنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ
دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً»(١٣-
أخرجه أحمد: (7658)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الألباني في صحيح الجامع: (2165))،
وقد جاء في أثناء ذكر آيات الصيام ترغيب الصائم بكثرة الدعاء
في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ
عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ
إِذَا دَعَانِ﴾[البقرة:186].
•ومن فضائل الصيام: أنّه موجب
لإبعاد النار على الصائم يوم القيامة، لقوله صلى الله عليه
وآله وسلم: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ
يَوْمًا فِى سَبِيلِ اللَّهِ إِلاَّ بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ
الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا»(١٤-
أخرجه مسلم: (2767)، والنسائي:(2260)، والدارمي: (2454)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه).
•كما أنّ من فضائله: اختصاص
الصائمين بباب من أبواب الجنة يدخلون منه دون غيرهم إكرامًا
لهم وجزاء على صيامهم لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:
«إِنَّ فِى الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ
لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ، لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ
أَيْنَ الصَّائِمُونَ ؟ فَيَقُومُونَ، فَيَدْخُلُونَ، فَإِذَا
دَخَلُوا أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ»(١٥-
أخرجه البخاري: (1896)، ومسلم: (2766)، والنسائي: (2248)، وابن ماجه: (1709)، من حديث أبي حازم بن سهل رضي الله عنه)
وفي ذكر بعض هذه الخصائص والفضائل ما يؤذن على الكل.
أمّا فوائد الصوم فعظيمة الآثار في تطهير النفوس وتهذيب
الأخلاق وتصحيح الأبدان، فمنها ما يعوِّد نفسه على الصبر
والتحمّل على ترك مألوفه، ومفارقة شهواته عن طواعية واختيار،
بحيث يكبح جماح شهوته ويغلب نفسه الأمارة بالسوء فيحبسها عن
الشهوات لتسعد لطلب ما فيه غاية سعادتها وقبول ما تزكو به ممّا
فيه حياتها الأبدية، فيضيق مجاري الشيطان بتضييق مجاري الطعام
والشراب، ويُذكّر نفسه بما عليه أحوال الجائعين من المساكين،
فيترك المحبوبات من المفطرات لمحبة ربِّ العالمين، وهذا السّرّ
بين العبد ومعبوده هو حقيقة الصيام ومقصوده، ومنها أنّه يُرقّق
القلب ويلينه لذكر الله فيسهل له طريق الطاعات، ومن فوائد
الصيام: أنّه موجب لتقوى الله في القلوب وإضعاف الجوارح عن
الشهوات قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ﴾[البقرة: 183]، في معرض إيجاب الصيام لأنّه
سبب للتّقوى لتضييق مجاري الشهوات وإماتتها، إذ كلّما قلَّ
الأكل ضعفت الشهوة، وكلّما ضعفت الشهوة قلّت المعاصي، ومن
فوائده الطبّيّة صحّة البدن لأنّه يحمي من اختلاط الأطعمة
المسبّبة للأمراض ويحفظ -بإذن الله- الأعضاء الظاهرة والباطنة
كما قرّره الأطبّاء.
هذا، وختامًا فعلى المسلم الاهتمام بدينه، والعناية بما يصححه
على الوجه المشروع لتترتب فوائده عليه لاسيما أركان الإسلام
ومبانيه العظام ومنها: عبادة الصيام التي تتكرّر في حياة
المسلم مرّة واحدة كلّ عام، فعلى المسلم الذي وفقه الله لصيام
شهر رمضان وقيام لياليه على وجه الإخلاص والمتابعة أن يختمه
بكثرة الاستغفار والانكسار بين يدي الله تعالى، والاستغفار
ختام كلّ الأعمال والعبادات، فلا يغترّ المؤمن بنفسه ويعجب
بعمله ويزكيه، بل الواجب أن يعترف بقلّة عمله في حقّ الله
تعالى وتقصيره فيه، ودورانه بين القبول والرّد، فلذلك كان
السلف يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه ثمّ يهتمون بعد
ذلك بقبوله ويخافون من ردّه وهؤلاء وصفهم الله تعالى بأنهم:
﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ
وَجِلَةٌ﴾[المؤمنون: 60] أي: خائفة لا يأمنون مكر الله،
فكانوا -مع الخوف من عدم القبول- يكثرون من الاستغفار والتوبة
مع اهتمامهم بقبول العمل أشدّ اهتمامًا منهم بالعمل، لأنّ
القبول عنوان التقوى قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِين﴾[المائدة:
27] وإذا كان المنافق يفرح بفراق شهر رمضان لينطلق إلى الشهوات
والمعاصي التي كان محبوسًا عنها طيلة الشهر، فإنّ المؤمن إنّما
يفرح بانتهاء الشهر بعد إتمام العمل وإكماله رجاء تحقيق أجوره
وفضائله ويستتبعه بالاستغفار والتكبير والعبادة. وقد أمر الله
عزّ وجل بالاستغفار الذي هو شعار الأنبياء عليهم السلام
مقرونًا بالتوحيد، والعبد بحاجة إليهما ليكون عمله على التوحيد
قائمًا، ويصلح بالاستغفار تزكية عمله وإعجابه به وما يعتريه من
نقص أو خلل أو خطأ، وفي هذا السياق من اقتران الأمر بالتوحيد
والاستغفار يقول الله عزّ وجلّ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ
لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ
يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾[محمد:19] وقال
في شأن يونس عليه السلام: ﴿فَنَادَى فِي
الظُّلُمَاتِ أَن لاّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي
كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾[الأنبياء: 87].
نسأل الله تعالى أن يرزقنا خيرات هذا الشهر وبركاته، ويرزقنا
من فضائله وأجوره، ولا يحرمنا من العمل الصالح فيه وفي غيره،
كما نسأله سبحانه التوفيق والسداد والقبول والعفو عن التقصير،
والحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه
وإخوانه إلى يوم الدين، وسلم تسليما.