في الجمع بين أحاديثِ صومِ مُعْظَمِ شعبانَ والنهيِ عن صوم النصف الثاني منه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 17 المحرم 1446 هـ الموافق لـ 23 يوليو 2024 م



الفتوى رقم: ١٠٢٠

الصنف: فتاوى الصيام ـ صوم التطوُّع

في الجمع بين أحاديثِ صومِ مُعْظَمِ شعبانَ
والنهيِ عن صوم النصف الثاني منه

السؤال:

ما الحكمة في إكثاره صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مِنْ صوم شعبان، وكيف يُدْفَعُ التعارضُ مع ما جاء مِنَ النهي عن صوم النصف الثاني مِنْ شهر شعبان؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقَدْ ثَبَتَ مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها قالَتْ: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ»(١)، وعن أُمِّ سَلَمةَ رضي الله عنها قالَتْ: «لَمْ يَكُنْ يَصُومُ مِنَ السَّنَةِ شَهْرًا تَامًّا إِلَّا شَعْبَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ»(٢).

ويُحْمَلُ صيامُ الشهرِ كُلِّه على معظمه؛ لأنَّ «الأَكْثَرَ يَقُومُ مَقَامَ الكُلِّ»، وإِنْ كان هذا مجازًا قليلَ الاستعمالِ والأصلُ الحقيقة، إلَّا أنَّ الصارف عنها إلى المعنى المجازيِّ هو ما ثَبَتَ عن عائشة رضي الله عنها قالَتْ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ»(٣)، وعنها رضي الله عنها قالَتْ: «وَمَا رَأَيْتُهُ صَامَ شَهْرًا كَامِلًا مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَمَضَانَ»(٤)، ويُؤيِّدُه حديثُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: «مَا صَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ»(٥).

وأمَّا الحكمة مِنْ إكثاره صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مِنْ صوم شعبان؛ فلأنه شهرٌ تُرْفَعُ فيه الأعمالُ إلى الله تعالى، وكان النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم يُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عملُه وهو صائمٌ، كما ثَبَتَ مِنْ حديثِ أسامةَ بنِ زيدٍ رضي الله عنهما قال: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟» قَالَ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ»(٦).

ولا يَمتنِع أَنْ تكون أيَّامُ التطوُّع التي اشتغل عن صيامها لسفرٍ أو لعارضٍ أو لمانعٍ اجتمعَتْ عليه، فيقضي صومَها في شعبانَ رجاءَ رفعِ عملِه وهو صائمٌ؛ وقد يَجِدُ الصائمُ في شعبان ـ بعد اعتياده ـ حلاوةَ الصيام ولذَّتَه؛ فيدخل في صيامِ رمضانَ بقوَّةٍ ونشاطٍ، وتكون النفسُ قد ارتاضَتْ على طاعة الرحمن(٧).

هذا، وينتفي التعارضُ بالجمع بين الأحاديث الدالَّة على مشروعيةِ صومِ معظمِ شعبانَ واستحبابِه وما جاء مِنَ النهي عن صومِ نصفِ شعبانَ الثاني في حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا»(٨)، وكذلك النهي عن تقدُّمِ رمضانَ بصومِ يومٍ أو يومين في قوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلكَ اليَوْمَ»(٩)؛ فيُدْفَعُ التعارضُ بما وَرَدَ مِنَ الاستثناء في حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه مِنْ قوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلكَ اليَوْمَ»، أي: إلَّا أَنْ يُوافِقَ صومًا معتادًا(١٠)، كمَنِ اعتاد صومَ التطوُّع: كصوم الإثنين والخميس، أو صيامِ داود: يصوم يومًا ويفطر يومًا، أو صومِ ثلاثةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شهرٍ؛ وعليه فإنَّ النهي يُحْمَلُ على مَنْ لم يُدْخِلْ تلك الأيَّامَ في صيامٍ اعتاده(١١)، أي: مِنْ صيام التطوُّع.

ويُلْحَق بهذا المعنى: القضاءُ والكفَّارة والنذر، سواءٌ كان مطلقًا أو مقيَّدًا، إلحاقًا أولويًّا لوجوبها؛ ذلك لأنَّ الأدلَّة قطعيَّةٌ على وجوب القضاء والكفَّارة والوفاءِ بالنذر، وقد تَقرَّرَ ـ أصوليًّا ـ أنَّ العامَّ القطعيَّ لا يُبْطِلُ الخاصَّ الظنِّيَّ ولا يُعارِضه(١٢).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٠ رجب ١٤٣٠ﻫ
الموافق ﻟ: ١٢ يوليو ٢٠٠٩م

 



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصوم» بابُ صومِ شعبان (١٩٧٠)، ومسلمٌ في «الصيام» (١١٥٦)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٢) أخرجه أحمد في «المسند» (٦/ ٢٩٣، ٣٠٠، ٣١١) رقم: (٢٦٥١٧، ٢٦٥٦٢، ٢٦٦٥٣)، والدارميُّ في «سننه» (٢/ ١٧)، وأبو داود في «الصوم» (٢/ ٧٥٠) بابٌ فيمَنْ يَصِلُ شعبانَ برمضان (٢٣٣٦)، والترمذيُّ في «الصوم» (٣/ ١١٣) بابُ ما جاء في وِصَالِ شعبانَ برمضان (٧٣٦)، والنسائيُّ في «الصيام» (٤/ ١٥٠) بابُ ذِكْرِ حديثِ أبي سَلَمة في ذلك ـ أي: التقدُّم قبل شهر رمضان ـ (٢١٧٥) و(٤/ ٢٠٠) بابُ صومِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم (٢٣٥٣)، وابنُ ماجه في «الصيام» (١/ ٥٢٨) بابُ ما جاء في وِصَالِ شعبانَ برمضان (١٦٤٨)، مِنْ حديثِ أبي سَلَمة بنِ عبد الرحمن عن أمِّ سَلَمةَ رضي الله عنها. قال الترمذيُّ: «حديثٌ حَسَنٌ»، وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح سنن أبي داود» (٢/ ٥٣) برقم: (٢٣٣٦)، وأخرج الحديثَ ـ أيضًا ـ مسلمٌ (٨/ ٣٧) رقم: (١١٥٦) مِنْ حديثِ أبي سَلَمة عن عائشة رضي الله عنها قالَتْ: «لَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ؛ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا».

(٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصوم» بابُ صومِ شعبان (١٩٦٩)، ومسلمٌ في «الصيام» (١١٥٦)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٤) أخرجه مسلمٌ في «الصيام» (١١٥٦) مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٥) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصوم» بابُ ما يُذْكَرُ مِنْ صومِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم وإفطارِه (١٩٧١)، ومسلمٌ في «الصيام» (١١٥٧)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٦) أخرجه النسائيُّ في «الصيام» بابُ صومِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم (٢٣٥٧) مِنْ حديثِ أسامة بنِ زيدٍ رضي الله عنهما. وحسَّنه الألبانيُّ في «الإرواء» (٤/ ١٠٣) وفي «السلسلة الصحيحة» (١٨٩٨).

(٧) انظر: «لطائف المعارف» لابن رجب (١٣٥).

(٨) أخرجه أبو داود في «الصوم» (٢/ ٧٥١) بابٌ في كراهِيَةِ ذلك ـ أي: أَنْ يَصِلَ شعبانَ برمضان ـ (٢٣٣٧)، والترمذيُّ في «الصوم» (٣/ ١١٥) بابُ ما جاء في كراهِيَةِ الصوم في النصف الباقي مِنْ شعبانَ لحالِ رمضانَ (٧٣٨)، وابنُ ماجه في «الصيام» (١/ ٥٢٨) بابُ ما جاء في النهي أَنْ يتقدَّم رمضان بصومٍ إلَّا مَنْ صام صومًا فوافَقَه (١٦٥١)، وعبد الرزَّاق في «المصنَّف» رقم: (٧٣٢٥)، والطحاويُّ في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٨٢)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. قال الترمذيُّ: «حديثٌ حسنٌ صحيحٌ»، وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٣٩٧) وفي «تخريج المشكاة» (١/ ٦١٦)، وقال: «استنكره الإمامُ أحمد، لكنَّ سنده صحيحٌ»، وصحَّحه الأرناؤوط ـ أيضًا ـ في «شرح السنَّة» للبغوي (٦/ ٢٣٨).

(٩) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصوم» (٤/ ١٢٧ ـ ١٢٨) باب: لا يُتقدَّم رمضانُ بصومِ يومٍ ولا يومين (١٩١٤)، ومسلمٌ في «الصيام» (٧/ ١٩٤) باب النهي عن تقديمِ رمضانَ بصومِ يومٍ أو يومين (١٠٨٢)، وأبو داود في «الصوم» (٢/ ٧٥٠) بابٌ فيمَنْ يَصِل شعبانَ برمضان (٢٣٣٥)، والترمذيُّ في «الصوم» (٣/ ٦٨) بابُ ما جاء: لا تَقدَّموا الشهرَ بصومٍ (٦٨٤، ٦٨٥)، وابنُ ماجه في «الصيام» (١/ ٥٢٨) بابُ ما جاء في النهي أَنْ يُتقدَّم رمضانُ بصومٍ، إلَّا مَنْ صام صومًا فوافقه (١٦٥٠)، والنسائيُّ في «الصيام» (٤/ ١٤٩) باب التقدُّم قبل شهر رمضان (٢١٧٢)، والبغويُّ في «شرح السنَّة» (٦/ ٢٣٦)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(١٠) انظر: «المجموع» للنووي (٦/ ٤٠٠).

(١١) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٢١٥)، «سُبُل السلام» للصنعاني (٢/ ٣٤٩).

(١٢) لا تَناقُضَ بين خبرين اختلف زمنُهما؛ لجوازِ صِدْقِ كُلٍّ منهما في وقته، والنصُّ العامُّ ـ وإِنْ كان قطعيًّا في وقته ـ إلَّا أنَّ استمرار حُكْمِه إلى الأبد غيرُ قطعيٍّ؛ فنسخُه أو تخصيصُه بالآحاد إنما هو نفيُ استمرارِ حكمِه الذي لا قطعيَّةَ في دلالته على دوامِ حُكْمِه، وكُلٌّ منهما حقٌّ في وقته، [انظر: «مذكِّرة أصول الفقه» للشنقيطي (٨٦)].