في دفع الإشكال بين مسألة ثبوت وصف الشِّرك قبل قيام الحُجَّة وبين عدم إطلاق الكفر... | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 18 صفر 1443 هـ الموافق لـ 25 سبتمبر 2021 م

جاء في الفتوى رقم (٤٩٧) الموسومة ﺑ: «في حكم إطلاقِ الكفر على من أتى بالكفريات»: «أنَّ إطلاق الكُفر على المعيَّن لا يكون إلَّا بعد إقامة الحُجَّة وإزالة الشُّبهة». وجاء في الكلمة الشهرية رقم (٣٤)  ...  للمزيد

الفتوى رقم: ١٢٥٠

الصنف: فتاوى العقيدة

في دفع الإشكال بين مسألة ثبوت وصف الشِّرك قبل قيام الحُجَّة

وبين عدم إطلاق الكفر على المُعيَّن إلَّا بعد إقامة الحُجَّة

السؤال:

جاء في الفتوى رقم (٤٩٧) الموسومة ﺑ: «في حكم إطلاقِ الكفر على من أتى بالكفريات»: «أنَّ إطلاق الكُفر على المعيَّن لا يكون إلَّا بعد إقامة الحُجَّة وإزالة الشُّبهة».

وجاء في الكلمة الشهرية رقم (٣٤) الموسومة ﺑ: «في ضوابط مسألة العذر بالجهل»، وفي الفتوى رقم (٦٦٧) الموسومة ﺑ: «في ثبوت وصف الشرك مع الجهل وقبل قيام الحُجَّة» : «أنَّ وصف الشِّرك يُطلق على المعيَّن قبل قيام الحُجَّة».

فيبدُو ـ من خلال ما سبق ـ تفريقٌ بين إطلاق وصفِ الكفر على المعيَّن قبل قيام الحُجَّة، وبين إلحاق اسم المشرك في حقِّ المتلبِّس به.

فهل هذا التفريق المستنتَج من الفتاوى السابقة صحيحٌ؟  وجزاكم الله خيرَ الجزاء.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعلم ـ رحمك الله ـ أنَّه إذا حَكم الكتابُ والسُّنَّةُ على أمرٍ ما بأنَّه كُفرٌ بإطلاقٍ وَجَب القولُ به؛ لأنَّه حكمٌ شرعيٌّ؛ غيرَ أنَّ إطلاقه على المُعيَّن يجب التثبُّت فيه والتيقُّن إذ لا يَلزم مِن التكفير المطلَق تكفيرُ المعيَّن، ذلك لأنَّ إيمان المعيَّن ثبت بِيَقينٍ فلا يُزال عنه بالشَّكِّ بل يُزال بيقينٍ جريا على قاعدة: «مَا ثَبَتَ بِيَقِينٍ لَا يُزَالُ إِلَّا بِيَقِينٍ»، والتثبُّت واليقين إنَّما يُعرف باستيفاء المعيَّن شروطَ التكفير وانتفاءِ موانعه، فليس كلُّ مَن خالف الكتابَ والسُّنَّةَ يكون كافرًا، إذ قد يكون معذورًا بجهلٍ أو خطإٍ أو تأويلٍ أو إكراهٍ أو غيرِ ذلك ممَّا هو مُفصَّل في موضعه، هذا مِن جهةٍ؛ ولا إشكالَ ـ مِن جهةٍ أخرى ـ في ثبوتِ وصفِ الشِّرك فيمن تُيُقِّنَ شِركُه أو كُفرُه بعد قيامِ الحُجَّة الرِّسالية عليه: أنَّه كافرٌ يستحقُّ العقوبةَ في الدَّارَين.

وإنَّما الإشكالُ في إطلاق وصفِ الشِّرك عليه قبلَ قيام الحُجَّة الرِّسالية، والصحيح أنَّه يَثبت إطلاقُ اسمِ الكافر أو المشركِ المتحقِّق على فاعله قبل بلوغ الحُجَّة الرِّسالية، لقوله تعالى: ﴿لَمۡ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ ١[البينة]، فهؤلاء مع شِدَّة جَهلهم وضلالِهِم فقد سَمَّاهم اللهُ تعالى كُفَّارًا ومُشرِكين قبلَ مجيءِ البَيِّنةِ التي هي رسولٌ مِن الله أرسله ليدعوَ النَّاسَ إلى الحقِّ المُبينِ ويُخرجَهم مِن الظُّلمات إلى النُّور، فدلَّ ذلك على ثبوت وصف الكفر والشِّرك قبلَ البعثة المحمَّدية وقبل قيام الحُجَّة الرِّسالية، بل إنَّ أوَّل شِركٍ وقع في الأرض هو شِركُ قوم نوحٍ ـ عليه السلام ـ ابتدعوا الشِّركَ وعبادةَ الأوثانِ والأصنامِ بشُبهاتٍ زَيَّنها الشَّيطانُ لهم، وهذه الأصنامُ والأوثانُ لم تُعْبَد في بادئِ الأمر، فَلمَّا نُسيَ العِلمُ ونُسِخَ وانتشر الجهلُ عُبِدَتْ، فكانوا مُشركينَ كافرينَ قبلَ أن يبعثَ اللهُ نوحًا ـ عليه السلام ـ أَوَّلَ رسولٍ إلى أهلِ الأرض يدعوهم إلى عبادة اللهِ وحدَه لا شريكَ له، وينهاهم عن عبادة ما سواه، فدلَّ ذلك على أنَّ اسمَ المشرِك ثابتٌ قبلَ بُلوغ الحُجَّة الرِّسالية، وذلك تأسيسًا على ثُنائيةِ الإيمان والكُفر في باب الأسماء والأحكام، فَلَا منزلةَ بين المَنزلتَين، فالكُفر ضِدُّ الإيمان باتِّفاق المسلمين، لقوله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٞۚ[التغابن: ٢]، كما بَيَّنتُه بالتفصيل في فتوى سابقةٍ.

وهذا بخلاف العُقوبةِ والعذابِ في الدَّارين فإنَّما يكون بعدَ قيام الحُجَّة الرِّسالية لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا ١٥[الإسراء]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوۡمَۢا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰهُمۡ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَۚ[التوبة: ١١٥].

وعليه يتبيَّن أنَّ مَنْ أَشركَ بالله الشِّركَ الأكبرَ كعبادة غيرِ اللهِ أو التَّقرُّبِ إلى مَنْ سواهُ فهو مُشركٌ أو كافرٌ مِنْ حيث الوَصفُ والتسميةُ قبلَ بلوغِ الحُجَّةِ الرِّساليةِ، وبعد قِيامها مِن بابٍ أولى، لكنَّه قد يُعذَرُ بجهله مِن جهة إنزالِ العقوبةِ في الدَّارَين فلا تتمُّ إلَّا بعد البيان وإقامة الحُجَّة للإعذار، مثل أن يكون حديثَ عهدٍ بالإسلام أو يعيش في بلدِ جهلٍ أو نشأ في باديةٍ نائيةٍ، لكن لا يزول عنه الوصف والتسمية إلَّا بالتوبة المستجمِعة لشروطها.

وفي هذا المعنى قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «اسمُ المشرِكِ ثبت قبلَ الرِّسالة؛ فإنَّه يُشرك بربِّه ويَعدِلُ به ويجعلُ معه آلهةً أخرى، ويجعلُ له أندادًا قبلَ الرَّسولِ، ويثبتُ أنَّ هذه الأسماء مُقدَّم عليها، وكذلك اسمُ الجهل والجاهلية، يقال: جاهليةٌ وجاهلًا(١) قبل مجيءِ الرَّسول، وأمَّا التعذيب فلا»(٢)، وللمزيد مِنَ الإيضاح يمكن مراجعةُ فتوى: «في حكمِ الذي يسجد للقبر ويطوف به»(٣).

هذا، ولا يفوتني أن أُذكِّر أنَّ أهلَ السُّنَّة يُفصِّلون في الاعتقادات والأقوال والأعمالِ الكُفريةِ بين ما لا يَحتمِلُ إلَّا الكفرَ فقط، وبين ما يَحتمِلُ الكفرَ وعَدَمَه، وقد بيَّنت ذلك في فتوى موسومة ﺑ: «في الاعتراض على تلازُمِ الظَّاهر والباطن في الحكم بالكفر»(٤).

وأمَّا بالنِّسبة للكُفر والشِّرك من جهة المعنى فقد يشتركان في معنًى واحدٍ أو متقاربٍ، وقد يفترقان ويكون الكُفر أعمَّ مِن الشِّرك لدخول الشِّرك وغيره في مسمَّاه، على معنى قولهم: «كلُّ شِركٍ كُفْرٌ وليس كُلُّ كفرٍ شِركًا»، فبينهما عمومٌ وخصوصٌ مُطلَق، قال النووي ـ رحمه الله ـ: «إنَّ الشِّرك والكفرَ قد يُطلقان بمعنًى واحدٍ وهو الكفر بالله تعالى، وقد يُفرَّق بينهما فيُخَصُّ الشِّركُ بعَبَدَةِ الأوثان وغيرِها مِنَ المخلوقات مع اعترافهم بالله تعالى ككفَّار قريشٍ، فيكون الكُفر أعمَّ مِنَ الشِّرك»(٥).

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٢ جمادى الأولى ١٤٤٢ﻫ
المُوافـــق ﻟ: ٢٧ ديــــسمبر ٢٠٢٠م



(١) كذا، ولعلَّ الصواب: جاهلٌ؛ إذ لا وجهَ لنصبها مع عدم الناصب.

(٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٠/ ٣٨).

(٣) الفتوى تحت رقم (١١٦٤).

(٤) الفتوى تحت رقم (١٢٢٥).

(٥) «شرح مسلم» للنووي (٢/ ٧١).