في الاعتراضِ على حُكمِ المُتلبِّسِ بالبدعةِ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 6 جمادى الأولى 1444 هـ الموافق لـ 30 نوفمبر 2022 م

الفتوى رقم: ١٢٧٩

الصنف: فتاوى منهجية

الجواب عن الاعتراضِ على حُكمِ المُتلبِّسِ بالبدعةِ

نصُّ الشبهة:

جاء في الكلمة الشَّهريَّةِ رقم: (٧٨) المعنونة ﺑ: «ضوابط الهجر الشَّرعي»: «أَنْ يتثبَّت ويتبيَّن أنَّ ما وقع فيه المخالفُ دلَّت النُّصوصُ والأصول الشَّرعيَّة على بِدعِيَّتِه وكونِه معصيةً مِنْ جهةٍ، وأَنْ يتيقَّنَ ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ أنَّ المخالفَ قد وقع فيها فعلًا، والتأكُّدُ مِنْ ذلك يندرجُ تحت بابِ «حَمْلِ النَّاسِ فِي دِينِهِمْ عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ حَالِهِمْ، وَعَدَمِ أَخْذِهِمْ بِالتَّخَرُّصِ وَالظَّنِّ»، بل يتبيَّن حقيقةَ الحال لقوله تعالى: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ[الحُجُرات: ١٢]، وقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡ‍ُٔولٗا ٣٦[الإسراء]، وقد عقَدَ الإمامُ ابنُ مُفلِحٍ ـ رحمه الله ـ فصلًا خاصًّا في كتابه «الآداب الشَّرعيَّة» بعنوان: «لا تجوز الهجرة بخبر الواحد عمَّا يُوجِبُ الهجرةَ».

كما يجب أَنْ يراعى خُلُوُّ المتلبِّسِ بالبدعةِ أو المعصيةِ مِنَ الموانعِ والأعذارِ، كالجهلِ والتأوُّلِ وغيرهما، فأهلُ الأعذارِ والموانعِ تُقدَّمُ لهم النَّصيحةُ والبيانُ الَّذي لا تَبقى معه الشبهةُ العالقةُ في الأذهان، فالرَّجل لا يُحْكَم عليه بالابتداعِ إلَّا إذا خالف نصًّا شرعيًّا ظاهرًا أو أمرًا مُجمَعًا عليه خلافًا لا يُعْذَر فيه».

وهذا تأصيلٌ باطلٌ؛ لأنَّ المتلبِّس بالبدعةِ في نفس الأمر قد يكون غيرَ مُتعمِّدٍ لذلك دفَعَتْه الشبهةُ أو التأويلُ إليها، ومع ذلك يكون هجرُه ـ وهو اللائق ـ إعزازًا للدِّين وتعزيرًا له ووعظًا للناس مِنْ أَنْ يفعلوا فَعْلَتَه؛ قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «وكذلك يُعاقَبُ مَنْ دَعَا إلى بدعةٍ تضرُّ الناسَ في دِينِهم وإِنْ كان قد يكونُ معذورًا فيها في نفس الأمر لاجتهادٍ أو تقليدٍ». [«مجموع الفتاوى» (١٠/ ٣٧٥)]، وقال ـ أيضًا ـ: «داعية أهلِ البِدَع يُهجَرُ فلا يُستشهَدُ ولا يُروَى عنه ولا يستفتى ولا يُصلَّى خلفه قد يكون مِنْ هذا الباب؛ فإنَّ هَجْرَه تعزيرٌ له وعقوبةٌ له جزاءً لمنعِ الناس مِنْ ذلك الذنبِ الذي هو بدعةٌ أو غيرُها، وإِنْ كان في نفس الأمر تائبًا أو معذورًا» [«مجموع الفتاوى» (١٠/ ٣٧٦)].

وقد جاء عن السَّلفِ الصَّالحِ أمثلةٌ كثيرةٌ فيها هجرُ مَنْ هذا هو حالُه مِنْ غيرِ مراعاةِ الشَّرط الوارد في كلامِكم السَّابق، كهجرِ كعبِ بنِ مالكٍ وصاحبَيْه رضي الله عنهم، وكهجرِ الفاروقِ رضي الله عنه لصَبيغ بنِ عِسلٍ، وقال الخلَّالُ في «السُّنَّة» (٦٥٩): «أخبرني محمدُ بنُ أبي هارونَ، ومحمَّدُ بنُ جعفرٍ، أنَّ أبا الحارث حدَّثهم قال: وجَّهْنا رُقعةً إلى أبي عبد الله: مَا تَقُولُ رَحِمَكَ اللهُ فِيمَنْ قَالَ: لا أَقُولُ: إنَّ مُعَاوِيَةَ كَاتِبُ الوَحيِ، وَلَا أَقُولُ إنَّهُ خَالُ المؤمِنِينَ، فَإنَّهُ أخَذَهَا بالسَّيفِ غَصْبًا؟ قالَ أبو عبد الله: «هَذَا قَولُ سُوءٍ رَدِيءٌ، يُجَانَبُونَ هَؤُلاءِ القَومُ، ولا يُجَالسُونَ، وَنُبَيِّنُ أَمْرَهُمْ للنَّاسِ»».

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالَّذي ينبغي إيضاحُه ـ ابتداءً ـ قبلَ الشُّروعِ في الجوابِ هو: أَنْ أُعيِّنَ مَحَلَّ الاعتراضِ حتَّى يكونَ الجوابُ مُطابِقًا لمَحَلِّه غيرَ خارجٍ عنه، ولمعرفتِه يتطلَّبُ الموقفُ بَيانَ أمرَين وهما:

الأمر الأوَّل: هو التَّفرِيقُ بَيْن صِنفَين ممَّنْ صدَرَتْ منهم البدعةُ:

الصِّنفُ الأوَّلُ: هو مَنْ صدَرَتْ عنه البدعةُ، وقامَتْ عليه الحُجَّةُ بأنَّها بدعةٌ، فظهرَ الحقُّ له لكنَّه أَصرَّ عليها، واتَّبعَ ـ بعد البيان ـ هواهُ، أو قلَّد الآباءَ، أو تَعصَّبَ للرِّجالِ والشُّيوخِ، فيُعرِضُ عن الحقِّ ـ عندئذٍ ـ ولا يُريدُه؛ إصرارًا على ما هو عليه مِنَ الباطلِ؛ فهذا حريٌّ بأَنْ يُوصَف بالابتِداعِ، أي: أنَّ الوَصفَ يُلائِمُه بعد توفُّر الشُّرُوطِ وانتفاءِ الموانعِ، وهو ما يُطلِقُ عليه العلماءُ اسْمَ «المُبتدِع».

الصِّنفُ الثَّاني: هو مَنْ صَدَرَتْ منه البِدعةُ وَلو كانَ عالمًا مُجتهِدًا إلَّا أنَّه وقَعَ فِيها وهو يجهلُ كونَها بدعةً أو تأوَّلهَا تَأويلًا سائغًا ـ وهو مِنْ أهلِ التَّأوِيلِ ـ أو أخطأ في الاجتهادِ أو في الحُكمِ على الحديثِ فاعْتَقدَ صِحَّتَه بعد استفراغِ الجُهدِ، فعمِلَ بِمقتضَاهُ وهو ـ في حقيقته ـ ضعيفٌ لا يُحتجُّ به، وغيرِ ذلك مِنَ القُيودِ والموانعِ الَّتي تحولُ دون الحكمِ على مُرتكِبِ البدعةِ ـ قبل البيانِ ـ بالابتِداعِ، فهذَا الصِّنفُ لا يُنزَّلُ مَنزلةَ المبتدعةِ في التَّعامُلِ سواءٌ أكان بالهجرِ أم الزَّجرِ أم التَّعزِيرِ والضَّربِ ونحوِها، وهو ما يُطلِقُ عليه العلماءُ ﺑ «صاحبِ البدعةِ»، فبَيْنَ الصِّنفَين ـ في الحقيقةِ ـ عُمومٌ وخصوصٌ: «فكُلُّ مُبتدِعٍ هو صَاحِبُ بدعةٍ، وليسَ كُلُّ صَاحبِ بِدعةٍ مُبتدِعًا»، فصاحبُ البدعةِ ـ إذن ـ هو محلُّ الموضوعِ المتبَاحَثِ فيه، وقَد دلَّتْ نُصوصُ الكتابِ والسُّنَّةِ وأقوالُ السَّلفِ على عدمِ جوازِ تَبديعِ أحَدٍ مِنْ أهلِ السُّنَّةِ أو تَفسيقِه، أو الحُكمِ عليه بالخروجِ مِنْ دائرةِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ بِسببِ خَطئِه في الاجتهادِ سواءٌ في مسَائِلِ الاعتقادِ أو مسائلِ الحلالِ والحرامِ، لأنَّه ابتغى إلى الحقِّ سبيلًا، واجتهدَ في إصابةِ الحقِّ وإدراكِ الخيرِ، وبذَلَ وُسْعَه ولم يقصِّر، فهو معذورٌ غيرُ مُؤاخَذٍ على خَطئِه ولا على نسيَانِه، بل هو مأجُورٌ على اجتهادِه، وهذا هو مُعتقَدُ أهلِ السُّنَّةِ؛ ولم يُخالف في ذلك أحَدٌ مِنْ عُلماءِ المسلمين المُعتَدِّ بأقوالِهم، ذلك لأنَّ اللهَ لا يُكلِّفُ العَبدَ ما يعجزُ عنه ولا يُطيقُه، ولا يُؤاخِذُه بالخَطإ والنِّسيانِ مَهمَا كانَ خَطَؤُه إذَا اتَّقَى اللهَ في اجتهادِه وقصَدَ الخَيرَ وابتغَى الحقَّ واستفرغ الوُسْعَ ولم يفرِّط ولم يُخالِطِ اجتهادَه هوًى؛ ويَدلُّ على ذلك قولُه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ[البقرة ٢٨٦]؛ وقد ثبَتَ في «الصَّحيح» أنَّ اللهَ تعالى قال: «قَدْ فَعَلْتُ»(١)؛ كما أنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بتَقوَاه بقَدْرِ الوُسعِ والطَّاقةِ والاستطاعةِ؛ قال تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ[التغابن: ١٦]، وقد نوَّهَ ابنُ تيميةَ ـ رحمه الله ـ على معنى الاستطاعةِ وعدمِ المؤاخذةِ بالخطإِ والنِّسيانِ بقوله: «فدلَّتْ هذه النُّصوصُ على أنَّه لا يُكلِّفُ نَفسًا مَا تعجزُ عنه خلافًا للجهميَّةِ المجبِرَةِ، ودلَّت على أنَّه لا يُؤاخِذُ المُخطِئَ والنَّاسِيَ خلافًا للقدَريَّةِ والمعتزلةِ؛ وهذَا فصلُ الخطابِ في هذا البابِ، فالمجتهِدُ المستدِلُّ مِنْ إمامٍ وحاكمٍ وعالمٍ وناظرٍ ومُفتٍ وغيرِ ذلك، إذَا اجتَهدَ واستدَلَّ فاتَّقَى اللهَ ما استطاعَ كان هذا هو الَّذي كلَّفَهُ اللهُ إيَّاهُ، وهو مُطيعٌ للهِ مُستحِقٌّ للثَّوَابِ إذَا اتَّقاهُ ما استطاعَ، ولا يُعاقِبُه اللهُ ـ ألبتَّةَ ـ خلافًا للجهميَّةِ المجبِرَةِ»(٢)؛ فلذلك كانت هذه الأعذارُ قيودًا لازمةً يجبُ مُراعَاتُها في الحكمِ بِمشروعِيَّةِ الهجرِ، وهذه الأعذارُ أصنافٌ تتفرَّعُ إلى أسبابٍ مُتعدِّدةٍ وأَوصَلَها ابنُ تيميةَ ـ رحمه الله ـ إلى عشرةِ أسبابٍ في رسالتِه الجلِيلة «رفع المَلام عن الأئمَّةِ الأعلامِ» تعود ـ في جُملتِها ـ إلى: الجهلِ والتَّأوِيلِ والخطإ والنِّسيانِ وغيرِها، ولا شكَّ أنَّ مَنْ راعَى تلك الأسبابَ سَلِمَ مِنَ القدحِ في العُلماءِ وغيرِهم والطَّعنِ فيهم وسوءِ الظَّنِّ بهم وهجرِ مجالسِهم وأقوالِهم؛ إذِ الأصلُ أنَّه لا يَحِلُّ هَجْرُ مُنابِذٍ للسُّنَّةِ لا يَعلمُها؛ أو مُتلبِّسٍ ببدعةٍ يَجهلُها، أو مَنْ وصَلَتِ السُّنَّةُ إلى عِلمِه بِطريقٍ ضعيفٍ لا يُحتَجُّ به، أو كان مِنْ أهلِ الاجتهادِ والتَّأويلِ فأوَّلها تأوِيلًا سائغًا؛ وقد أشارَ النَّوويُّ ـ رحمه الله ـ إلى قَيدِ العلمِ عند الهِجرانِ في مَعرِض شرحِ حديثِ عبدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ رضي الله عنه في كَراهَة الخَذْفِ(٣) ما نصُّهُ: «فيهِ هِجرَانُ أهلِ البِدعِ والفُسوقِ ومُنَابِذِي السُّنَّةِ مع العِلْمِ»(٤).

وليس معنَى ذلك تَرْكَ التَّنبِيهِ على أخطاءِ العلماءِ ولا تَرْكَ مُناصَحتهم وتَنبِيهِهم عَليها، بل الواجبُ نَصيحتُهم وتنبيهُهم على هفوَاتِهم وأخطائِهم وزلَّاتِهم والتَّلطُّفُ في بيانها لهم، وتنبيهُ النَّاسِ عليها وبيانُ الحقِّ لهم ـ إِنْ تَبيَّن خطؤُهم فيها ـ اتِّقاءً لزَلَّةِ العالِمِ وحذرًا مِنْ رَوَاجِها على النَّاس بسببِ جلالته، مِنْ دون الحطِّ عليه أو الحطِّ مِنْ قَدْرِه؛ والأَوْلَى أَنْ يكونَ التَّوضيحُ والبيانُ مِنْ أهلِ العِلمِ أو مِنْ طلبتِه المُمَكَّنِينَ فيه لقوله تَعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ[آل عمران: ١٨٧]؛ ﻓ «اللهُ تعالى قد أمَرَ بالصِّدق والبيان، ونهى عن الكذبِ والكِتمانِ فيما يُحتاجُ إلى معرفتِه وإظهارِه»(٥)؛ وقد عصَمَ اللهُ الأمَّةَ مِنْ أَنْ تتَّفِقَ على الإقرارِ بالخطإ ـ ولو كان اجتهادًا ـ أو السُّكوتِ عليه دون وجودِ مُنكِرٍ أو مُخالِفٍ، لأنَّه ضلالةٌ مِنَ الشَّيطانِ، وإِنْ كان صاحبُه مجتهدًا متأوِّلًا معذورًا مأجورًا غيرَ مأزورٍ جليلَ القَدْرِ محفوظَ المنزلةِ؛ قالَ ابنُ تَيمِيَّةَ ـ رحمه الله ـ: «فَمَنْ نَدَبَ إلى شيءٍ يتقرَّبُ بِهِ إلى اللهِ أو أوجَبَهُ بِقولِه أو فعلِه مِنْ غيرِ أَنْ يَشْرَعه اللهُ: فقَدْ شَرَعَ مِنَ الدِّينِ ما لم يَأذَنْ به اللهُ، ومَنِ اتَّبَعَهُ في ذلك: فقَدِ اتَّخَذَ شرِيكًا لله شَرَعَ في الدِّينِ ما لم يَأذَنْ بِهِ اللهُ؛ نعم: قد يكون مُتأوِّلًا في هذا الشَّرعِ فيُغفَرُ له لأجلِ تأويلِهِ إذا كان مجتهدًا الاجتهادَ الَّذي يُعفى فيه عن المخطئ، ويثابُ ـ أيضًا ـ على اجتهادِهِ، لَكِنْ لا يجوزُ اتِّباعُهُ في ذلك، كما لا يجوز اتِّباعُ سائرِ مَنْ قال أو عَمِلَ قولًا أو عملًا قَدْ عَلِمَ الصَّوابَ في خلافِه، وإِنْ كان القائلُ أو الفاعلُ مأجورًا أو معذورًا»(٦).

الأمرُ الثَّاني: التَّفريقُ بينَ المبتدعِ الدَّاعيَةِ إلى بِدعتِه وغيرِه.

هذا، وحريٌّ بالمُعتَرِضِ قبل أَنْ يَستشهِدَ بِكلامِ ابنِ تيميةَ أَنْ يَعِيَ الفرقَ ـ أيضًا ـ بيْن الدَّاعيةِ إلى البدعةِ وغيرِ الدَّاعيَةِ إليها حتَّى لا يكونَ اعتراضُه مَمزوجًا بالخَلطِ والمغالطةِ وسوءِ الفهمِ، الَّذي يُخشى أَنْ يُوصَفَ مَنْ كان هذا شأنَه ﺑ «حاطِبِ ليلٍ، وجارِفِ سَيلٍ»، ذلك لأنَّ ابنَ تيمية ـ رحمه الله ـ لمَّا نصَّ على عِقابِ المُبتدِعِ والتَّعزِيرِ والهجرِ إنَّما عَنَى به خُصوصَ الدَّاعيةِ إلى بِدعتِه بخلافِ الكاتِمِ لها بَلهَ إِنْ كان صَاحِبَ بدعَةٍ، كما أنَّه مِنْ بابِ العقوبة على خصوصِ بدعةٍ تضرُّ الناسَ غيرَه في دِينِهم لدفعِ ضرَرِها عنهم، فمَناطُ الحكم الذي قرَّره ابنُ تيمية هو: إظهارُ المعصية أو الدعوةُ إليها مع ضررِ الغير في الدِّين أو الدنيا ولو كان صاحبُها متأوِّلًا، ولو أَتمَّ المعترضُ قراءةَ كلامِ ابنِ تيميَّةَ لَوجَدَ أنه مثَّل بالفئة الباغية مِنَ الصَّحابة وغيرِهم الَّذين تأوَّلوا في القِتال، ولا يمكنُ أَنْ نَسحبَ عليهم الحُكمَ الَّذي فَهِمه المعترضُ، فلا يجوزُ تفسيقُهم ولا هجرُهم وإِنْ جاز قِتالُهُم؛ فليستِ المسائلُ بابًا واحدًا لا تتبعَّض أحكامُها، لذَلكَ كان الاستشهادُ بكلامِ ابنِ تيميةَ ـ رحمه الله ـ خارجًا عن الموضوعِ الذي نحن بصدَدِه؛ علمًا أنَّ الفرقَ بينَ الدَّاعيةِ إلى بدعته وغيرِ الدَّاعيةِ إليها قد أَظهرَه ابنُ تيميةَ ـ رحمه الله ـ جليًّا في النَّوع الثَّانِي مِنَ الهجرِ الشَّرعيِّ بما نصُّه: «الهجرُ على وجهِ التَّأديبِ، وهو هجرُ مَنْ يُظهِرُ المُنكَراتِ، يُهجَرُ حتَّى يتوبَ منها، كما هجَرَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم والمسلمُون: الثَّلاثَةَ الَّذينَ خُلِّفُوا، حتَّى أنزلَ اللهُ تَوبتَهم حينَ ظَهَرَ منهم تركُ الجِهادِ المُتَعيِّنِ عليهم بغيرِ عذرٍ، ولم يَهجرْ مَنْ أَظهرَ الخيرَ وإِنْ كانَ منافِقًا، فهنا الهجرُ هو بِمنزلةِ التَّعزيرِ.

والتَّعزيرُ يكونُ لمَنْ ظهَرَ منه تركُ الواجباتِ وفعلُ المحرَّمَاتِ: كتاركِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، والتَّظاهرِ بالمظالمِ والفواحشِ، والدَّاعِي إلى البِدَعِ المخالفةِ للكتابِ والسُّنَّةِ وإجماعِ سلفِ الأمَّةِ الَّتي ظهَرَ أنَّها بِدَعٌ؛ وهذا حقيقةُ قولِ مَنْ قالَ مِنَ السَّلفِ والأئمَّةِ: إنَّ الدُّعاةَ إلى البِدَعِ لا تُقبَلُ شَهادتُهم ولا يُصلَّى خَلْفَهم ولَا يُؤخَذُ عنهم العِلمُ ولا يُناكَحون، فهذهِ عُقوبةٌ لهم حتَّى ينتَهوا؛ ولهذا يُفرِّقونَ بيْن الدَّاعيةِ وغيرِ الدَّاعيةِ؛ لأنَّ الدَّاعيةَ أَظهرَ المُنكَراتِ فاستحقَّ العقوبةَ، بخلافِ الكاتِمِ فإنَّهُ ليسَ شرًّا مِنَ المُنافِقِين الَّذينَ كانَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم يَقبلُ علانِيَتَهُم ويَكِلُ سرَائِرَهُم إلى اللهِ، مع عِلمِه بحالِ كثيرٍ مِنهم»(٧).

وأمَّا هجرُ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم والمسلمين لكعبِ بنِ مالكٍ وصاحبَيْهِ(٨) رضي الله عنهم حين تخلَّفُوا عنِ الخروجِ معه، فقد تقدَّمَ مِنْ كلام ابنِ تيميةَ ـ رحمه الله ـ أنَّه هجَرَ مَنْ يُظهِرُ المُنكَراتِ وهو يَعلمُ بها، فقد ظهَرَ مِنهم تَركُ الجهادِ المُتعيِّن عَليْهم بغيرِ عذرٍ أوَّلًا، وخَشِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم عليهمُ النِّفاقَ ثانيًا، فهجَرَهم إلى أَنْ تنزلَ توبتُهم، وهو ما ذكَرَه البَغوِيُّ ـ رحمه الله ـ في قصَّةِ تخلُّفِهم عنِ الخروجِ مع النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في غزوةِ تَبوكَ فقال ـ رحمه الله ـ: «وفيهِ دليلٌ على أنَّ هِجرانَ أهلِ البدعِ على التَّأبِيد، وكان رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم خافَ على كعبٍ وأصحابِه النِّفاقَ حينَ تخلَّفوا عنِ الخروجِ معه، فأمَرَ بِهِجرانِهم، إلى أَنْ أَنزلَ اللهُ توبتَهم، وعرَفَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم براءتَهم»(٩)، مع أنَّهم صَدَقُوه، بخلاف المُعذِّرين الكاذبين المتخلِّفين بلا عُذرٍ الذين فضَحَهم اللهُ بعد ذلك.

وأمَّا تَعزيرُ الفاروقِ عمرَ بنِ الخطَّاب رضي الله عنه صَبيغَ بنَ عِسلٍ التَّميميَّ اليربوعيَّ؛ فلأنَّه كانَ يتَّبِعُ المتشابِهَ مِنَ القرآنِ ويصرِفه عنِ صوابِ القولِ فيه إلى فاسدِ التَّأويلِ، فقَدْ قَدِمَ المدينَة، وكان ـ عنده ـ كُتُبٌ، فجعَلَ يسألُ عن مُتشابِه القرآنِ ويخوضُ فيه مُجادِلًا ضُعَفاءَ المسلمين في العلمِ مِنَ العوامِّ وغيرِهم، فيُدخِلُ في قلوبِهم التَّشكِيكَ والرَّيبَ والضَّلالَ، وذلكَ بتحريفِ القرآنِ عن نَهجِ التَّنزيلِ(١٠)، فهو داعيةٌ إلى بدعتِه مُدخِلٌ على النَّاسِ الضررَ في دِينِهم وعقيدتِهم مهما كان قصدُه حسنًا، ولذلكَ أَوجعَهُ عمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه ضربًا حتَّى أدماهُ تأديبًا له باعتبارِه خليفةَ المسلمين، وهَجَرَهُ وأمَرَ بهجرِه زجرًا له، وبعد توبَتِه أَذِنَ له بالذَّهَابِ إلى أرضِه، ولكِنْ أمَرَ النَّاسَ بِهجره هَجرًا وقائِيًّا مخافَةً عليهم منه.

وأمَّا ما نَقَلَه الخلَّالُ عنِ الإمامِ أحمدَ ـ رحمه الله ـ فهو ـ أيضًا ـ مِن الصِّنفِ الأوَّلِ، مُبتَدِعٌ مُعلِنٌ بِبدعةٍ يَعتَقِدُها ويدعُو إليها، وفيها ضررٌ على دِين النَّاسِ بإفسادِ قلوبِهم على أحَدِ كَتَبةِ الوَحيِ وهو فتحُ بابٍ للطَّعنِ في سائرِ الصَّحابةِ، وهذا ـ بلا شكٍّ ـ خارجٌ ـ أيضًا ـ عن المحلِّ المتبَاحَثِ فيه، علمًا أنَّه قد ورَدَتْ رواياتٌ عن الإمامِ أحمدَ يُفرِّقُ فيها بيْن المُظهِرِ للبدعةِ والدَّاعيَةِ إليهَا وبيْن مَنْ لم يُظهِرْ بِدعتَه ولم يُعلِنْ عنها، فمِنْ ذلك: قال عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ: سألتُ أبي عن رَجلٍ ابتدعَ بدعةً يَدعو إليها، وله دُعاةٌ عليها: هل تَرى أَنْ يُحبَسَ؟ قال: نَعم، أَنْ يُحبسَ وتُكَفَّ بدعتُه عنِ المسلمين(١١)، وفي مسألةٍ أخرى قال: قلت لأبي: مَا تقولُ في أصحابِ الحديثِ يأتونَ الشَّيخَ لعلَّهُ يكونَ مُرجِئًا أو شِيعيًّا أو فيهِ شيءٌ مِنْ خِلافِ السُّنَّةِ، أينبغِي أَنْ أَسكتَ فلا أحذِّر عنه أم أحذِّرُ عَنهُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ يَدْعُو إلى بِدعَةٍ وَهُوَ إِمَامٌ فِيهَا وَيَدْعُو إليها قَالَ: نعم تُحذِّرُ عَنه(١٢)، وعن إسحاقَ بنِ إبراهيمَ بنِ هانئٍ: وسُئِل أيُصلَّى خَلْفَ صاحبِ بدعةٍ؟ فقال: إذا كان داعيةً، أو يُخاصِم فيها، أو يدعو إليها، لا يُصلَّى خلفَه ولا يُكلَّمُ، قلت: يُبايَعُ أو يشترَى منه؟ قال: يُجتنَبُ أحبُّ إليَّ؛ فقلت: فمَنْ كان فيه شيءٌ، إلَّا أنَّه لا يُخاصِمُ فيه؟ قال: هو أَهْوَنُ؛ قلت: فيُصلَّى خلفَ هذا؟ قال: نَعم؛ قلت: أفَلَيسَ هذا صاحِبَ بدعةٍ؟ قال: بَلى، ولكِنَّ هذَا لعلَّه لَا يَدرِي، يَرجِع، وهذَا يدعُو إليهَا(١٣).

ومِنْ هذا المُنطلَقِ يَتبيَّنُ أنَّ المُعترِضَ قد جانبَ الصَّوابَ في الحكمِ على صاحبِ البدعةِ والمتلبِّس بها، كما حادَ بمجموعِ استشهاداتِه حَيدًا ملحوظًا عن المحلِّ المتباحَثِ فيه، وذلك لعدمِ مراعاةِ التَّفريقِ بين المُبتدعِ وصاحبِ البدعةِ أوَّلًا، والتَّفريقِ بين المبتدعِ الدَّاعيةِ إلى بدعتِه وغيرِ الدَّاعيةِ إليها ثانيًا.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٩ رجب ١٤٤٣ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٠ فبراير ٢٠٢٢م

 



(١) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (١٢٦) بابُ بيانِ قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ[البقرة: ٢٨٤]، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٩/ ٢١٦ ـ ٢١٧).

(٣) قال ابنُ الأثير [في «النِّهاية» (٢/ ١٦)]: «فيه «أنه نهى عن الخذف» هو رميُك حصاةً أو نواةً تأخذها بين سبَّابتَيْك وترمي بها، أو تتَّخِذُ مِخذفةً مِنْ خشبٍ ثمَّ ترمي بها الحصاةَ بين إبهامك والسبَّابة؛ ومنه حديثُ رمي الجمار «عليكم بمِثلِ حصى الخَذْف» أي: صغارًا». وقال ـ أيضًا ـ (١/ ٣٥٦): «فتَناوَل السيفَ فحذَفَه به» أي: ضرَبَه به عن جانبٍ؛ والحذف يُستعمَل في الرميِ والضربِ معًا».

(٤) «شرح مسلم» للنووي (١٣/ ١٠٦).

(٥) «منهاج السُّنَّة» لابن تيمية (١/ ١٦).

(٦) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٨٤) و«مجموع الفتاوى» (٤/ ١٩٥) كلاهما لابن تيمية.

(٧) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٨/ ٢٠٤ ـ ٢٠٥).

(٨) وهما: مُرارةُ بنُ الرَّبيع الأنصاريُّ الأوسيُّ العَمْريُّ ـ مِنْ بني عمرو بنِ عوفٍ ـ، وهلال بنُ أُمَيَّةَ الأنصاريُّ الأوسيُّ الواقفيُّ رضي الله عنهما.

(٩) «شرح السُّنَّة» للبغوي (١/ ٢٢٦).

(١٠) انظر: «الفقيه والمتفقِّه» للخطيب البغدادي (٢/ ١٩).

(١١) «مسائل عبد الله» (٤٣٩).

(١٢) «مسائل عبد الله» (٤٣٩).