في الموقفِ الشَّرعيِّ، ومسؤولية الدَّاعيةِ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 8 جمادى الأولى 1444 هـ الموافق لـ 02 ديسمبر 2022 م

الفتوى رقم: ١٢٨٤

الصنف: فتاوى منهجية

في الموقفِ الشَّرعيِّ، ومسؤولية الدَّاعيةِ

السؤال:

نَرجُو منكم ـ حَفِظكم اللهُ ـ الإجابةَ على الأسئلةِ الآتية:

الأوَّل: هل طعنُ الدَّاعيةِ في المُخالِف له في المَسائلِ الاجتهاديَّةِ بالتَّقليدِ والتَّعصُّبِ المَذهبيِّ والجُمودِ على الرَّأي أمرٌ دَرَجَ عليه السَّلفُ الصَّالح؟ وما المَوقف الشَّرعيُّ مِنَ الدُّعاة المَنصوحين الَّذين ثَبَتَتْ ـ في حَقِّهم ـ شهاداتٌ متكاثرةٌ مِنْ بطانتِهم المُقرَّبةِ وغيرِها تُدينُهم على مُؤاخَذاتِهم وهَنَاتِهم؟

الثَّاني: ما هو الدَّواءُ النَّاجعُ والحلُّ النَّافعُ ـ في نظرِكم ـ المُسهِمُ في تهدئةِ الأوضاعِ المُتَّسِمةِ بالغَليانِ والغضبِ المُفرِط في السَّاحة السَّلفيَّة في بلدنا؟

وأخيرًا: فما هي النَّصيحةُ الَّتي تُوجِّهونها لأبنائكم لِتُنيرَ لهم ظُلمةَ الدَّرب وتُلحِقهم بمَنْ سَبَق في الرَّكب؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فينبغي ـ بادِئَ ذي بَدءٍ ـ أَنْ يُعلَمَ: أنَّ مِنْ شرطِ الدَّاعية أَنْ يكونَ على قدرٍ متميِّزٍ وجانبٍ مُعتَبرٍ مِنَ البَصيرةِ والعِلمِ بما يَدعو إليه مِنَ التَّوحيدِ ونبذِ الشِّرك، وبيانِ الحلالِ والحرامِ، والتَّحلِّي بمَكارِم الأخلاقِ، وأَنْ يكونَ على بصيرةٍ وعلمٍ بشرعيَّةِ ما يُوجِّه به المَدعوِّين ويُذكِّرهم ويَنصحهم به؛ ليكونَ ـ هو والمَدْعوُّون ـ على بيِّنةٍ وبصيرةٍ مِنْ أمرهم؛ فلا يأمر إلَّا بحقٍّ ولا ينهى إلَّا عن مُنكَرٍ أو باطلٍ يَعلَمُه بدليله؛ لأنَّ العِلمَ ما قام عليه الدَّليلُ وأيَّدَتْه الحجَّةُ عن الله ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ وأَنْ تكونَ دعوتُه إلى الله لا إلى غيرِه؛ لقوله تعالى: ﴿قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ‌ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي‌ۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٨[يوسف]؛ فإنَّ أَتباعَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يَدْعون إلى الله وإلى سبيلِه ولا يُشرِكون به، ويَدْعون على بصيرةٍ وعلمٍ، ويَسلكون سبيلَ نبيِّهم صلَّى الله عليه وسلَّم وسُنَّتَه، ولا يُقدِّمون عليه أحَدًا؛ فمَنْ فقَدَ العِلمَ أو شروطَه ولوازمَه، أو لم يَكن على بصيرةٍ بموضوعِ دعوتِه حلَّ مَحَلَّه الجهلُ الَّذي يَدفعُه إلى الخَبْطِ والخَلْطِ والخَلَلِ والخَطَلِ، والقولِ على اللهِ ورسولِه صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم بغيرِ علمٍ، والابتداعِ في دِينِ الله؛ وغالبًا ما يلتجئ إلى التَّقليدِ الأَعمَى و يركن إلى التَّعصُّبِ المَذمومِ وغلقِ بابِ الاجتهادِ ومَنعِه على أهلهِ؛ يتَّخِذ ذلك عُكَّازةً في نحرِ مَنْ له أهليَّةُ الاستنباطِ ونحرِ مَنِ اتَّبعَه وأخَذَ الحقَّ الَّذي انتهى إليه اجتهادُه بدليلِه؛ لأنَّ المقلِّدَ لا يملكُ أدواتِ الاجتهادِ وشروطَه، ويقف ـ والحالُ هذه ـ موقفَ المُنابِذِ للمُؤهَّلين للنَّظرِ، والمُحارِبِ لآرائهم، ولمَنْ أخَذَ بالحجَّة عنهم؛ وقد تجتمعُ في المقلِّدِ الأوصافُ الثَّلاثةُ: الابتداعُ، والتقليدُ، والوقيعةُ في أتباعِ الدَّليل.

وانطلاقًا مِنَ الشَّرطِ المُتقدِّمِ فإنَّه يجبُ أَنْ يكونَ رائدُ طالبِ العلمِ بَلْهَ الدَّاعية ومبتغاهما هو الحقَّ، فلا يجوزُ أَنْ يَترُكَا الحُجَّةَ المُلزِمةَ مِنْ قولِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسَلَّم الثَّابتةِ صِحَّتُه لقولِ مَنْ ليس قولُه حُجَّةً مِنْ إمامٍ أو فقيهٍ مهما سَمَتْ مكانتُه وعَلَتْ منزلتُه، كما لا يجوزُ التَّعصُّبُ للإمامِ المتبوعِ وتنزيلُ قولِه ـ في أتباعِه ـ منزلةَ قولِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسَلَّم في أمَّتِه، فالتَّعصُّبُ لم يكن عند السَّلفِ إلَّا للحقِّ الَّذي وصَلَهم صحيحًا مِنَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسَلَّم أو مِنْ مجموعِ صحابتِه الكرامِ ومَنْ بعدهم، فلا يَعرفون الحقَّ بأسماءِ الرِّجالِ وآرائِهم؛ وإنَّما الحقُّ يُعرَفُ بدليلِه، وأهلُ الحقِّ يُعرَفون به، ولا يَضرُّهم مَنْ خالفَهم بعده أو خَذَلهم ـ كائنًا مَنْ كان ـ كما قال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه: «الجَمَاعَةُ هِيَ الحَقُّ وَلَوْ كُنْتَ وَحْدَكَ»، لذلك كان السَّلفُ يَدعونَ إلى إعمالِ النَّظرِ والاجتهادِ في الأدلَّةِ والقرائنِ، ويَنبِذون التَّقليدَ ويُحذِّرون مِنْ فسادِه وضررِه على الدِّين، وهذا هو التَّقليدُ المذمومُ الَّذي اتَّفق السَّلفُ على تحريمِه، وهو على ثلاثةِ أنواعٍ ذكَرَها ابنُ القيِّمِ ـ رحمه الله ـ بقوله:

ـ «أحدُها: الإعراضُ عمَّا أنزلَ اللهُ وعدمُ الالتفاتِ إليه اكتفاءً بتقليدِ الآباءِ.

ـ الثَّاني: تقليدُ مَنْ لا يَعلمُ المُقلِّد أنَّه أهلٌ لِأَنْ يُؤخَذَ بِقولِهِ.

ـ الثَّالثُ: التَّقليدُ بعد قِيامِ الحُجَّةِ وظُهورِ الدَّليلِ على خِلافِ قَولِ المُقلَّدِ.

والفَرقُ بينَ هَذا وبينَ النَّوعِ الأوَّلِ: أنَّ الأوَّلَ قَلَّدَ قبلَ تَمكُّنِه مِنَ العِلمِ والحُجَّةِ، وهَذا قلَّدَ بعد ظُهورِ الحُجَّةِ لهُ؛ فهو أَولَى بالذَّمِ ومَعصيةِ اللهِ ورسولِه.

وقد ذمَّ اللهُ سبحانَه هذهِ الأنواعَ الثَّلاثةَ مِنَ التَّقليدِ في غيرِ مَوضعٍ مِن كتابِه كما في قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡ‍ٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٧٠[البقرة]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّقۡتَدُونَ ٢٣ قَٰلَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكُم بِأَهۡدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمۡ عَلَيۡهِ ءَابَآءَكُمۡ[الزخرف]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآ[المائدة: ١٠٤]، وهذا في القُرآنِ كثيرٌ يَذمُّ فيه مَنْ أَعرَضَ عمَّا أَنزلَه وقَنِعَ بتقليدِ الآباءِ.

فإِنْ قِيلَ: إنَّما ذمَّ مَنْ قلَّد الكُفَّارَ وآباءَه الذين لا يَعقلون شيئًا ولا يَهتدون، ولم يَذُمَّ مَنْ قلَّد العُلَماءَ المُهتدين، بل قد أَمَر بسؤالِ أهلِ الذِّكر وهُمْ أهلُ العلم وذلك تقليدٌ لهم، فقال تعالى: ﴿فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ[النحل: ٤٣؛ الأنبياء: ٧]، وهذا أمرٌ لمَنْ لا يعلم بتقليدِ مَنْ يعلم؛ فالجواب: أنه سبحانه ذمَّ مَنْ أَعرضَ عمَّا أَنزلَه إلى تقليد الآباء، وهذا القَدْرُ مِنَ التَّقليدِ هو ممَّا اتَّفق السَّلفُ والأئمَّةُ الأربعةُ على ذمِّهِ وتَحريمِهِ»(١).

· وأمَّا المَوقفُ الشَّرعيُّ فإنَّه يقتضي ـ مِنَ المَنصُوحينَ وأتباعِهم  ـ الرُّجوعَ إلى الحقِّ والإنابةَ مع البيانِ والإصلاحِ، للآياتِ الآمرة بذلك؛ ومسؤوليَّةُ هذا الوضعِ المُضطربِ والمَشحونِ وتَبِعاتُه إنَّما يَتحمَّلُها كُلُّ مَنْ يأبى الرُّجوعَ إلى الطَّريق السَّويِّ، علمًا أنَّه لا يَنفعُ التَّملُّصُ مِنَ الأخطاءِ الثَّابتةِ في قضايَا متنوِّعةٍ أو إنكارُها بالمراوغةِ وإلصاقِ التُّهَمِ بالغيرِ ولَمْزِ الشُّهودِ بأوصافٍ مُنحطَّةٍ ليُشكِّكوا في مِصداقيَّتِهم، كما لا جَدوَى مِنَ التَّتَرُّسِ بقنواتِ الوقيعةِ والشَّتيمةِ في الدُّعاةِ المُخالِفين لهم مِنَ الأئمَّةِ وطلبةِ العلمِ، فقَدْ عرَفَها القاصي والدَّاني، ولا داعِيَ لاستعمالِ أسلوبِ الهُروبِ إلى الأمامِ تحت غطاءِ التَّحريشِ والتَّلبيسِ والتَّشويشِ أو بركوبِ موجةِ التَّخفِّي بالمَعاريضِ والتَّوريةِ وغيرِها مِنْ أنواعِ التَّعميةِ والتَّضبيبِ في المواقفِ الَّتي يُحسِنُها القومُ ويتباهَوْن بها، يُغالِطونَ بها أتباعَهم ومُريدِيهم ومُناصِريهم في الدَّاخلِ والخارجِ، لأنَّ تلك المَعارِيضَ والتَّوْرِياتِ ليست لرفعِ ظلمٍ أو جلبِ حقٍّ، بل هي لهضمِ حقٍّ وإنزالِ ظلمٍ؛ ولَئِنْ كان بعضُ آحادِ المُخالَفاتِ المذكورةِ قد يكون مُبالَغًا فيه أو مُقحَمًا على غيرِ الجنسِ الَّذي ذُكِرَت فيه إلَّا أنَّ غالِبَها ثابتٌ عليهم مُندرِجٌ فيه، وما مَثَلُ هذه المحاولاتِ للتَّملُّص بهذه الأساليبِ المُلتوِيَة المكشوفةِ المفضوحةِ والهروب منها إلَّا كما قِيلَ: «كُلَّما انتَعشَ انتَكسَ»؛ فإنَّها تزيدُ صاحِبَها تورُّطًا وتحطُّ مِنْ مستواه؛ رفَعَ اللهُ قَدْرَ عبدٍ دانَ بالحقِّ واستقامَ عليه، وآثَرَ الصَّوابَ ورجَعَ إليه.

· وأمَّا بخصوصِ الدَّواءِ النَّاجعِ والحلِّ النَّافعِ لتَسكينِ الوَضعِ وتَهدِئَتِه فيَكمُنُ في رجوعِ المُخطِئِ المُخالِفِ عمَّا خالفَ فيه إلى الحقِّ المُبينِ، وفي ردِّ المَظالمِ إلى المُستحِقِّين إلَّا أَنْ يَعْفوا؛ لأنَّ الحقَّ ضالَّةُ المُؤمنِ، والرُّجوعَ إلى الحقِّ واجبٌ ونُبلٌ وفضيلةٌ، والتَّمادِيَ في الباطلِ ممنوعٌ ونَقصٌ وخِسَّةٌ ورذيلةٌ؛ وعلى الدَّاعيةِ المُوجِّهِ أَنْ يَرعى في المَدعوِّينَ الأُخوَّةَ الإيمانيَّة بالصِّدقِ في التَّطبيقِ العمليِّ لِمَا يُرشِد إليه الإسلامُ دِينًا وخُلُقًا وتربيةً دون بَطَرِ الحقِّ، ولا بَغيٍ على إخوانِه، ولا غمطِهم أو بخسِهم ما لهم عليه، فلا ينبغي أَنْ يكون صادًّا عن الصِّراطِ القويمِ بسُوءِ عملِه وقبيحِ تصرُّفاتِه، ولا مُشوِّهًا لصورةِ الإسلامِ النَّقيَّةِ، ولا مُبتزًّا للأخوَّةِ الإيمانيَّةِ في جانبِها الأخلاقيِّ والأدبيِّ، وأَنْ يكون حَذِرًا مِنِ اتِّباعِ الهوى، زاهدًا فيما عند النَّاسِ، لا يَسألُ ولا يَطمعُ فيما في أيديهِم مِنْ دُنيَا ولا مالٍ ولا جاهٍ ولا رياسةٍ، ولا يخافُ مِنْ صوتِ الحقِّ أَنْ يُزيلَ مركزَه ومَنصِبَه، أو أَنْ يُفنِيَ أطماعَه أَو أَنْ يَقضيَ على أحلامِه وآمالِه؛ وكما قِيلَ: «لَأَنْ أكون ذَنَبًا في الحقِّ خيرٌ مِنْ أَنْ أكونَ رأسًا في الباطلِ».

فلو انْسَجمَ الدَّاعي إلى الله مع المنهجِ السَّلفيِّ بحقٍّ لَحَصَلَ الخيرُ العظيمُ والنَّفعُ العميمُ، لكِنْ ماجَتِ السَّاحةُ بالاضطرابِ بسببِ الأخطاءِ في الفهمِ والتَّصوُّرِ، والتَّقصيرِ أو القُصورِ في النَّظرِ والعملِ، والبَغيِ على المُخالِف بالوقيعةِ فيه ونبزِه بفعلِ الخوارجِ مع كونِه أَسْعَدَ بالدَّليل، وعدمِ تَحَرِّي إدراكِ الحقائقِ ومعرفةِ الصَّواب، والمُتاجرةِ بالدَّعوةِ، والتَّغاضي عن الأخطاءِ، والتَّعامي عن العُيوبِ والمآخذِ والمخالفاتِ إذا كانت مِنْ أتباعهم، وتضخيمِ مُؤاخَذاتِ غيرِهم أو اختلاقِها لهم، والتَّلبيسِ بالباطل؛ صدًّا عن الحُجَج البيِّنات؛ وقد نَسُوا أنًّ الحقَّ يَبقى حقًّا وإِنْ قلَّتْ كَلِماتُه، كما أنَّ الباطلَ باطلٌ مهما كثُرَ لغَطُه وتعدَّدَتْ مجالسُه، فبذلك اتَّسعَتْ دائرةُ الاضطرابِ لعدمِ الانسجامِ مع المنهجِ الرَّبَّانيِّ والهَديِ النَّبويِّ والفهمِ السَّلفيِّ القويمِ، فتركوا عمومَ السلفيِّين في حيرةٍ وأمرٍ مَريجٍ، واللهُ المُستعانُ.

· ونصيحتي ـ باختصارٍ ـ: أنَّ على طالبِ العلمِ أَنْ لا يُبدِّد وقتَه وجُهْدَه فيما يهواه النَّاسُ ويَرغَبون فيه مِنْ سفاسفِ الأمُورِ وجهالاتِ السُّفهاءِ، الَّذين يَخبطونَ في أعمالِهم بلا هُدًى، ويَضَعونَ الأمورَ في غيرِ مواضعِها، بل عليه أَنْ يملأ قلبَه بالعلمِ النَّافع ويسلكَ الهُدى العاصمَ بالعلمِ مِنَ الضلالِ؛ والعملَ الصَّالحَ المُنجِيَ مِنَ الغيِّ إلى السَّداد والرَّشاد، ويُنمِّيَ البصرَ النافذَ عند مجيء الشَّهَوَاتِ، والعقلَ الكاملَ الرَّاجحَ عند نُزولِ الشُّبُهات، ليكونَ على بصيرةٍ بالمَطالِبِ الشرعيَّة، ودرايةٍ بمَواضِع المَصالحِ والمَضارِّ، مميِّزًا في ذلك بين الحقِّ والباطلِ، والهدى والضَّلالِ، والصَّحيحِ والسَّقيم ونحوِها؛ حتَّى يكونَ على بَيِّنةٍ واضحةٍ بحَقيقَةِ دِينِه وأحكامِه.

وعليه أَنْ يحذرَ مِنْ مخالطةِ الجُهَّالِ والسُّفَهاءِ، والعُصَاةِ المُصِرِّينَ والمُجاهِرينَ، والخَرِفين والمُهتَرِئين والمُستَهْتِرِين الَّذين فَقَدُوا العقلَ والبصيرةَ؛ ولا يدَ لهم في الخيرِ ولا قدَمَ صدقٍ لهم في الدَّعوةِ إلى الله، فإنَّ هؤلاء لا يَسْلَمُ مَنْ خالَطَهم ـ في الغالبِ ـ مِنَ الإثم وإفسادِ الدَّعوةِ وتَفريقِ السَّلفيِّين وتشتيتِ صفِّهم باللَّدَد في الخُصومةِ والفجورِ فيها، والكذبِ في الحديث، وتضييعِ الأمانات، وتزويرِ الحقائقِ، وتزويقِ الأكاذيب، وكتمِ الحقِّ ولَبْسِه بالباطل، والافتراءِ على الصَّادقين وتكذيبِهم، والبغيِ على أهل الحقوق، وعدمِ قبول النَّصيحةِ والرُّجوعِ إلى الحقِّ، وأخذِ العزَّةِ إيَّاه بالإثم، وما يعقبه مِنْ مكرِ اللَّيلِ والنَّهارِ، فإنَّ ذلك مِنْ علاماتِ أهلِ النِّفاقِ والشِّقاقِ وسُوءِ الأخلاقِ وصفًا لهم، فالواجبُ أَنْ يكون بمَنأًى عنهم.

 وعليه أَنْ يقومَ بحقِّ الإسلامِ ـ قولًا وعملًا ـ على الوجهِ المَرْضيِّ الَّذي يَقِي إسلامَه مِنْ شَوْبِ النِّفاق، وأَنْ يجتهدَ في أَنْ يكونَ الحقُّ رائِدَه ومَقصِدَه، والسُّنَّةُ حادِيَه، والدَّليلُ قائدَه وسائقَه، ويبتعدَ عن أهلِ الأهواءِ وضلالهم، ويُهاجِرَ أصحابَ العقولِ الفاسدةِ والآراءِ الكاسدةِ وهذيانَهم إلى نورِ الكتابِ والسُّنَّةِ؛ كما قال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه: «الاقتصادُ في السُّنَّةِ خيرٌ مِنَ الاجتهادِ في البدعةِ»(٢).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٨ رجب ١٤٤٣هـ
الموافق ﻟ: ١ مارس ٢٠٢٢م



(١) «إعلام الموقِّعين» لابن القيِّم (٣/ ٨٧).

(٢) أخرجه اللَّالَكائيُّ في «شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة» (١/ ٦١)، وأبو إسماعيل الأنصاريُّ الهَرَويُّ في «ذمِّ الكلام وأهلِه» (٣/ ٧٢).