في الاعتراض على جهةِ دلالةِ حديثِ وابصةَ وعليِّ بنِ شَيْبان رضي الله عنهما | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 2 ذي الحجة 1443 هـ الموافق لـ 01 يوليو 2022 م

اعترضَ أحَدُ الدُّعاةِ المُخالِفينَ على استدلالكم بحديثِ وابِصةَ رضي الله عنه بقوله: «الاستدلال بحديثِ وابصةَ رضي الله عنه على التَّباعُد استدلالٌ بالقياس، وهذا قياسٌ مع الفارق، فحديثُ وابصةَ...  للمزيد

الفتوى رقم: ١٢٩٢

الصنف: فتاوى الصلاة - صلاة الجماعة

في الاعتراض على
جهةِ دلالةِ حديثِ وابصةَ وعليِّ بنِ شَيْبان رضي الله عنهما

السؤال:

اعترضَ أحَدُ الدُّعاةِ المُخالِفينَ على استدلالكم بحديثِ وابِصةَ رضي الله عنه بقوله: «الاستدلال بحديثِ وابصةَ رضي الله عنه على التَّباعُد استدلالٌ بالقياس، وهذا قياسٌ مع الفارق، فحديثُ وابصةَ رضي الله عنه يتكلَّم على المُنفرِد خَلف الصَّفِّ، فكيف يُستدَلُّ به على التَّباعُد؟ والاستدلالُ بالقياس ظنِّيٌّ وليس قطعيًّا، فكيف يُلْزَمُ مَنْ خالفَ بالرُّجوعِ ويُطلَبُ منه التوبةُ، وقد رَتَّبَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم للحاكِمِ إذا أخطأ أجرًا؟ فأنَّى له الوِزرُ؟»، وقال: «أنا أعتقد بأنَّ الشيخَ أخطأ في الفتوى، فكيف أتوب مِنْ أمرٍ أراهُ حَقًّا إلى ما أراه مُخالِفًا للصَّواب»، فما رأيُكم في صحَّةِ هذا الاعتراضِ؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فهذا الاعتراضُ يتضمَّن عِدَّةَ مُغالَطاتٍ أُحاوِلُ أَنْ أُبَيِّنَ مُجمَلَهَا في النِّقاطِ الآتيةِ:

ـ الأولى: القول بأنَّ الاستدلالَ بحديثِ وابصةَ رضي الله عنه على الصَّلاة بالتَّباعدِ هو استدلالٌ بالقياس، فإنَّ هذا القولَ مُعرًّى عن الدَّليل، وغايةٌ في السُّقوط؛ ذلك لأنَّ حديثَ وابصةَ بنِ مَعْبَدٍ الأسديِّ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ»(١) فيه نصٌّ على تعليلِ الأمر بالإعادة بوصف الانفراد خلف الصفِّ في صلاة الجماعة، وهذا عملٌ بالنصِّ لا بالقياس، وقد جاء ما يُبيِّنُه ويؤيِّدُ تعميمَه مِنْ حديثِ عليِّ بنِ شَيْبانَ اليماميِّ الحنفيِّ السُّحَيْميِّ رضي الله عنهما: أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ، فَوَقَفَ حَتَّى انْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْتَقْبِلْ صَلَاتَكَ؛ فَلَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ»، وفي روايةٍ: «.. لِرَجُلٍ فَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ»(٢)، وهي صيغةُ عُمومٍ، وهي النَّكرةُ في سياق النَّفي، وهي تفيد العمومَ بالإجماع؛ والمَعلومُ أنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم كانوا يفهمون العمومَ مِنْ صِيَغِهِ وألفاظِه، ويُجْرُونَ صِيَغَ العُمومِ ـ حالَ وُرُودِها في الكتابِ والسُّنَّةِ ـ على العموم، ويأخذون بها ولا يطلبون دليلَ العموم، بل كانوا ـ في اجتهاداتهم ـ يطلبون دليلَ الخصوص، وجرى ذلك بينهم مِنْ غيرِ نكيرٍ(٣).

وإذا كانتِ النَّكرةُ في سياقِ النَّفي تفيدُ العمومَ فإنَّ دلالته على أفرادِهِ دلالةٌ لفظيَّةٌ وليست قياسيَّةً، لا تحتاج إلى قرائنَ ولا استنباطٍ، غايةُ ما في الأمر أنَّها تحتاج إلى تطبيقِ النَّصِّ العامِّ على أفراده، وفي مسألَتِنا هذه يُنظَرُ في الصلاةِ بالتَّباعد مِنْ حيثُ هيئتُها مِنْ تحقُّقِ صفةِ الانفراد المَنهيِّ عنه في الحديث فيه، ولا يُساوِرنا أدنى شكٍّ أنَّ الانفرادَ ـ في الواقعِ العملي ـ مُتحقِّقٌ في التَّباعد، سواءٌ كان المُنفرِدُ خلفَ الإمامِ أو خلفَ الصَّفِّ ـ إِنْ وُجِدَتْ حقيقةُ الصَّفِّ في الصَّلاة بالتَّباعد ـ أو مع الصَّفِّ إذا تَفرَّد المُصلِّي عنه منحازًا عنه يمينًا أو شِمالًا، فكُلُّها يَشْمَلُها عمومُ حديثِ عليِّ بنِ شَيْبانَ الحنفيِّ السُّحَيْميِّ رضي الله عنهما: «لَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ»، كما يعمُّ الحكمُ المنفردَ الواحدَ والمنفردَيْن وأكثرَ مِنْ ذلك فهُم مُنفرِدون وحكمُ الحديثِ يَشْمَلُهم.

وأمَّا قوله: «خَلْفَ الصَّفِّ» فإمَّا أَنْ يكون قد خرَجَ مَخْرَجَ الغالِب الأعمِّ فلا مفهومَ له، وإمَّا أَنْ يكون الوصفُ طَرديًّا ليس في إناطةِ الحكم به مصلحةٌ، لأنَّ العلماءَ لا يختلِفون في صورةِ الانفراد بين أَنْ تكون خلفَ الإمامِ أو خلفَ الصَّفِّ أو مع الصَّفِّ وَحْدَه، ألَا تَرَى أنَّ الاثنين إِنْ صلَّيَا جماعةً لم يكن الإمامُ منهما متقدِّمًا؟ وإنما يُؤمَرُ المأمومُ الواحدُ أَنْ يُصافَّه حتَّى لا يكونَ مُنفرِدًا، وإلَّا فإنَّه لو كان خَلْفَه لم يكن خلف صفٍّ فإنَّه لا صَفَّ، فإِنْ لَحِقَ بهما بعد ذلك ثالثٌ رجَعَ الذي كان عن يمين الإمامِ القهقرى على أصل الائتمام، فكان المأمومان خلف إمامِهما؛ وإنَّما يختلف العلماءُ في حكمِ صلاة المُنفرِد، وقد سبَقَ وأَنْ بَيَّنْتُ الرَّاجحَ منها(٤)، وهذا باستثناءِ صلاة المرأة الواحدة خلف الرَّجلِ أو صفِّ الرِّجال، بخلاف المرأتين فما فوق، فلا بُدَّ مِنْ تَصافِّهنَّ فيما بينهنَّ.

هذا، وإِنْ كان بعضُ أهلِ العلم يُسمِّي هذا النَّوعَ مِنَ الاجتهاد بتحقيقِ المَناطِ ـ تجوُّزًا في اللفظ ـ على غيرِ معناه الاصطلاحيِّ،  فإنَّما عُدَّ ذلك مُسامَحةً ليس إلَّا، ويُؤكِّدُ ذلك ما بيَّنه الشَّنقيطيُّ ـ رحمه الله ـ بقوله في نحوِ الذي نحن فيه: «والمَناطُ هنا ليس بمعناهُ الاصطلاحيِّ؛ لأنَّه ليس المُرادُ به العِلَّةَ، وإنَّما المُرادُ به: النَّصُّ العامُّ، وتطبيقُ النَّصِّ في أفراده هو هذا النَّوعُ مِنْ تحقيق المَناط؛ ولا يخفى أنَّ في عَدِّهِ مِنْ تحقيق المَناطِ مسامحةً، ولا مُشاحَّةَ في الاصطلاح»(٥).

فالحاصل: أنَّ دلالةَ العمومِ على أفراده دلالةٌ لفظيَّةٌ وليست قياسيَّةً ـ كما يزعم المُعترِضُ ـ وهي تنتقل بذهنِ العارفِ باللُّغةِ مِنَ اللَّفظِ العامِّ إلى جميعِ أفرادِه انتقالًا ذِهنيًّا لا يتوقَّفُ فيه على الاستنباط والتَّأمُّلِ والاعتبارِ الدَّقيق كما هو شأنُ القياس، ولا معنَى ـ إذَنْ ـ لإيراد قادحِ الفَرْقِ في هذا البابِ، إذ لا يَمُتُّ إليه بِصِلَةٍ لا مِنْ قريبٍ ولا مِنْ بعيدٍ؛ فضلًا عن أنَّه ـ لو سلَّمْنا جدلًا أنَّ مسلكِي في منعِ صلاة التَّباعد هو بالإلحاق القياسيِّ ـ فإنَّ المعترضَ قد ادَّعى فرقًا لم يبيِّن وجهَه ولا كونَه مُعتبَرًا ومؤثِّرًا وقادحًا في صحَّةِ القياس(٦).

وإذا تَقرَّر ذلك فإنَّ المُعترِضَ لم يَسلُكْ في تقعيده سبيلَ المُحقِّقين مِنَ الأصوليِّين، وإنَّما سعى ـ حثيثًا ـ إلى نقل الدَّليل ـ في هذه المسألة ـ مِنْ نصٍّ نقليٍّ إلى قياسٍ عقليٍّ لإضعاف الحُجَّةِ، إذ غالبُ المُعترِضين يُورِدون مِثلَ هذه التَّقعيدات تشويشًا مِنْ بابِ ذَرِّ الرَّمادِ على العُيون على وجه المُغالطة، لئلَّا يكون الحديثُ حُجَّةً عليهم، وهو شبيهٌ بمَسلَكِ كثيرٍ مِنْ أهل الأهواء في التَّملُّصِ مِنْ دلالاتِ النُّصوصِ عند المُحاصَرةِ بها، هذا مِنْ جهةٍ؛ ولا يخفى ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ على طالبِ علمٍ بَلهَ داعيةٍ أنَّ مُعظَمَ الأحكامِ الشَّرعيَّة العمليَّة إنَّما أُخِذَتْ بالظنِّ الرَّاجح؛ فلا تُشترَطُ قطعيَّةُ الحكمِ للإنكارِ على المُخالِفين في المسائلِ الخلافيَّة غيرِ الاجتهاديَّة؛ وإنَّما يكفي لذلك غلبةُ الظنِّ.

ـ الثَّانية: وأمَّا قوله: «فكيف يُلزَمُ مَنْ خالف بالرُّجوع ويُطلَبُ منه التوبةُ» فهذه مغالطةٌ أخرى قائمةٌ على تغيير الحقائق؛ لأنَّ المَسألةَ بُيِّنَتْ أتمَّ بيانٍ مِنْ غيرِ ردٍّ يُعوَّلُ عليه، ولم تكن الفتوى مُلزِمةً لأحَدٍ بنفسها، ولكِنْ كان مَنِ اقتنع بأدلَّتها وعَمِل بها وَجَدَ صدًّا عَنيفًا مِنْ جانب المُخالِفين لهم، وإنَّما المخالفون ـ أنفُسُهم ـ هم الَّذين أزبَدوا وأرعَدوا وأَلزَمُوا النَّاسَ إلزامًا شديدًا باتِّباعِ فتوى التَّباعدِ مِنْ غيرِ معرفةٍ للدَّليل أو إقامته، بدعوى أنَّ اللَّجنةَ أعلمُ وأحكمُ، تأسيسًا على الضَّرورةِ، ومِنْ غيرِ مراعاةٍ لقيودِها وضوابِطِها أو تقيُّدٍ بها، بلْ حاربوا وتحزَّبوا على التَّقليدِ؛ وأخرجُوا المسألةَ مِنْ قالبِها الفقهيِّ إلى الخلافِ المنهجيِّ في طاعةِ وُلَاةِ الأمورِ، ووصَفُوا كُلَّ مَنْ أخَذَ بالفتوى بالنَفَسِ الخارجيِّ، ونصَّبوا رايةَ الولاءِ والبراء عليها، ومنَعُوا المُتراصِّين في المساجد منها أو مِنَ التراصِّ وقتَ فُرِضَ التَّباعدُ، وألَّبُوا عليهم ووشَوْا بهم، وأرسلوا جنودَهم في المَدائن حاشرين، فهذا الذي وقَعَ النَّكيرُ عليه ابتداءً، وما استتبعه ذلك مِنْ تجنيد المواقع والمُنتدَيَات والقنوات والصفحات ضِدَّهم، والرَّشقِ فيها بأنواعِ النُّعوتِ القبيحةِ والنبزِ بالألقاب واللَّمزِ بالأذى، بعيدةً كُلَّ البُعد عن أخلاقِ السَّلفيين وآدابهم؛ ولا يَزالُ بغيُهم على إخوانهم قائمًا إلى يومِ النَّاس هذا، كُلُّ ذلك بمُبارَكة المُعترِض ومَنْ معه مِنَ المُتحامِلين؛ فإنَّ هذا كُلَّه قطعٌ لسبيلِ الدَّعوةِ إلى الله، وتشويهٌ للعاملين عليها بالعلمِ والبصيرةِ، وصدٌّ عن الدَّليل والنُّصوصِ؛ فهذا القطعُ والصدُّ والصُّدودُ والبغيُ يستوجب ـ حَتْمًا ـ التَّوبةَ والرُّجوعَ إلى الحَقِّ والاستقامةَ عليه.

ـ الثَّالثة: وأمَّا اعتقاد المُعترِض أنَّه مُحِقٌّ في هذه المَسألةِ مِنْ غير دليلٍ يذكره سِوَى الجهةِ المَأخوذِ منها الحُكمُ ـ وهو عَينُ التَّقليدِ ولو أَنكرَه المُعترِض ـ وأنِّي مخطئٌ، مِنْ غير بيانٍ منه لوجهِ أَحَقِّيَّتِه وإصابَتِه أو تفنيدٍ سليمٍ للأدلَّةِ المَذكورة، فهذا شأنُ المُعترِضِ وهو موكولٌ إلى دينِه وتَقواهُ في أَنْ يختارَ ما شاءَ ويعتقدَه، وإنَّما عليَّ البيانُ والبلاغُ، ولستُ بمُسَيْطِرٍ على أحَدٍ ولا مسلَّطٍ عليه، ويبقى الدَّليلُ الشَّرعيُّ والسُّنَّةُ حَكَمًا مُلزِمًا بالنُّصوصِ الشَّرعيَّةِ الآمرةِ باتِّباع الحقِّ وتركِ التَّقليدِ؛ فلا أُلزِمُ أحَدًا بقبولِ قَولِي واتِّباعِي، وإنَّما تلزمُه الحجَّةُ النَّبويَّةُ الصَّحيحةُ الرَّاجحةُ كائنةً مع مَنْ كانَتْ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٥ شوَّال ١٤٤٣هـ
الموافق ﻟ: ١٦ ماي ٢٠٢٢م



(١) أخرجه أبو داود في «أبواب الصفوف» باب الرَّجل يُصلِّي وَحْدَه خلف الصفِّ (٦٨٢)، والترمذيُّ في «الصلاة» بابُ ما جاء في الصلاة خلف الصفِّ وَحْدَه (٢٣٠، ٢٣١)، مِنْ حديثِ وابصةَ بنِ مَعْبَدٍ الأسديِّ ـ أسَدِ بنِ خزيمة ـ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٢/ ٣٢٣) رقم: (٥٤١).

(٢) أخرجه أحمد (١٦٢٩٧)، وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٢/ ٣٢٩) عند الحديث رقم: (٥٤١) وهو حديثُ وابصةَ رضي الله عنه السابق.

(٣) انظر الفتوى رقم: (١١٠٢) الموسومة ﺑ: «في العمل بدلالة العموم قبل البحث عن المخصِّص» على موقعي الرسميِّ.

(٤) انظر الفتوى رقم: (١٢٨٠) الموسومة ﺑ: «في وجه إلحاق التَّباعدِ بحديث وابصةَ بنِ مَعْبَدٍ رضي الله عنه» على موقعي الرسميِّ.

(٥) «المذكِّرة» للشنقيطي (ص ٢٤٤).

(٦) انظر الفتوى رقم: (٢٧١) الموسومة ﺑ: «في قادح "وجود الفرق" في القياس وطبيعة الفارق» على موقعي الرسميِّ.