الجواب على الاعتراض على مراقبة تصرُّفات الحاكم ونُوَّابه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 8 جمادى الأولى 1444 هـ الموافق لـ 02 ديسمبر 2022 م

الفتوى رقم: ١٣٠٦

الصنف: فتاوى منهجيَّة

الجواب عن الاعتراض على
مراقبة تصرُّفات الحاكم ونُوَّابه

نصُّ الشبهة:

في الفتوى رقم (٢٨٠) بعنوان: «في حكم مشاركة المرأة سياسيًّا» ما يلي: «أمَّا مجلسُ الشورى القائمُ على أركان الحكم في الإسلام، والذي تجري المشاوَرةُ فيه مع خيار الأمَّة في الأمور الشرعيَّة الاجتهاديَّة التي لا نصَّ فيها، فإنَّ أهل الشورى هم أهلُ الحَلِّ والعقد الذين يقومون باختيار الخليفة عند شغور مَنْصِبه، ويُراقِبون تصرُّفاتِه وتصرُّفاتِ نُوَّابِه».

هذا التقرير تأييدٌ للنِّظامِ الدِّيمقراطيِّ، وذلك بجعل الشَّعبِ هو الحاكمَ؛ وله السلطةُ المُطلَقةُ في تسيير الدولة ومراقبةِ النُّوَّاب والحاكم، أمَّا النِّظامُ الشَّرعيُّ فهو قائمٌ على أنَّ الحاكمَ هو الذي يختار مُعِينيه ونُوَّابَه وهو الذي يراقبهم؛ قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «فيجب على وليِّ الأمر أَنْ يُولِّيَ ـ على كُلِّ عملٍ مِنْ أعمال المسلمين ـ أَصلحَ مَنْ يجده لذلك العمل .. فيجب عليه البحثُ عن المُستحِقِّين للولايات مِنْ نُوَّابِه على الأمصار؛ مِنَ الأمراء الذين هم نُوَّابُ ذي السلطان، والقضاةِ، ونحوِهم، ومِنْ أُمَراءِ الأجناد ومقدَّمي العساكرِ الصغارِ والكبار، ووُلَاةِ الأموال: مِنَ الوزراء، والكُتَّاب، والشَّادين، والسُّعَاة على الخَرَاج والصَّدَقات، وغيرِ ذلك مِنَ الأموال التي للمسلمين؛ وعلى كُلِّ واحدٍ مِنْ هؤلاء أَنْ يستنيب ويستعمل أَصلحَ مَنْ يجده ...» [«السياسة الشرعيَّة» (٧)].

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالَمِين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالَمِين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقولُ المعترض: «أمَّا النِّظامُ الشَّرعيُّ فهو قائمٌ على أنَّ الحاكمَ هو الَّذي يختار مُعِينيه ونُوَّابَه وهو الَّذي يراقبُهم» فخلطٌ فظيعٌ بين انعقادِ الإمامة العُظمى ـ وهو موضوع الفتوى ـ مِنْ جهةٍ، وبين اختيار الإمام الأعظم لأعوانه المُؤَهَّلينَ مِنَ الأَكْفاءِ الأُمَناءِ لإدارةِ شؤونِ العامَّةِ وتسييرِها؛ مِنْ: وُزَراءَ وأُمَراءَ ووُلَاةٍ وقُضَاةٍ وسُعاةٍ ونُوَّابِهم ومَنْ تحتَ تَصرُّفِهم وغيرِهم مِنْ وظائِفِ الوُلَاةِ، فيُعيِّنُهم لهذه المَهمَّة أوَّلًا، ثمَّ يَحرِصُ على مُراقبتِهم في أعمالهم وأحوالهم ومَهامِّهم ثانيًا، وهذا مِنْ جهةٍ أخرى لكنَّه خارج عن موضوع الفتوى.

غير أنَّه ـ ولدوافعَ نفسيَّةٍ ـ قام المعترضُ بهذا الخلطِ ـ مِنْ حيث يدري أو لا يدري ـ غايتُه استهدافُ الفتوى بالتَّجاسرِ عَليها واتِّهامِ صاحبِها والانتقاصِ مِنْ قَدْرِه، فألقى بنفسه في مُعترَكٍ لا يُحسِنُه لقصورٍ في الفهمِ أو لغياب مادَّةِ العلم عنده وجهلِها، إذ «فاقدُ الشيءِ لا يُعطيه»؛ وما أكَثرَ مَنْ يَدَّعِي العِلْمَ وهو سائرٌ في عمًى محجوبَ البَصِيرَةِ؛ فرَحِم اللهُ امرَأً عَرَفَ قَدْرَ نفسِه؛ قال الشاعر:

فقُلْ لِمَنْ يَدَّعِي فِي العِلْمِ فَلْسَفَةً *** حَفِظْتَ شَيْئًا وَغَابَتْ عَنْكَ أَشْيَاءُ

فتجليةً لهذه المسألةِ فإنَّه ينبغي أَنْ يُعلَمَ أنَّ انعقادَ الإمامةِ العُظمى إنَّما يكون على ضَربَيْن: إمامةٌ اختياريَّةٌ وأخرى قهريَّةٌ(١).

أمَّا الإمامةُ الاختياريةُ ـ وهي الأصل ـ فتنعقدُ بالطُّرُقِ الآتيةِ:

الطريقُ الأوَّلُ: الاختِيارُ والبَيعَةُ مِنْ أهلِ الحَلِّ والعَقدِ، هذه إحدى الطُّرُقِ التي تَنعقد بها وِلايةُ الإمامةِ الكُبرَى وهي طريقةُ: الاختيارِ والبَيْعَةِ مِنْ أهلِ الحَلِّ والعَقْدِ، وهم القادةُ مِنَ العلماء والأُمَراءِ والوُجَهاءِ الَّذين يتَّصِفونَ بالعِلمِ والرَّأيِ والمَشُورةِ والتَّوجيهِ، لا يُشترَطُ فيهم عددٌ مُعيَّنٌ أو إجماعُهم على البَيعَةِ، وإنَّما المُعتبَرُ في ذلك بَيعَةُ جمهورِ أهل الحَلِّ والعَقْدِ الذين يُخوَّلُ لهم ـ نيابةً عنِ الأُمَّة ـ اختيارُ مَنْ يَرَوْنَ فيه الكفاءةَ لوِلاية الإمامةِ وَفْقَ شُروطِ الإمامةِ ومَعايِيرِها، فالبَيعَةُ له ـ بهذا الاعتبارِ ـ هي الأَمْرُ الذي تَحصُلُ بعده طاعتُه، وتثبتُ به الوِلايةُ، وتحرُمُ المُخالَفةُ، وبهذه الطَّريقِ تَمَّتْ خِلافَةُ أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه، وانعقدَتْ خلافتُه رضي الله عنه بالبَيعَة والاختيارِ في سَقِيفةِ بني سَاعِدةَ، وهو مذهبُ كثيرٍ مِنْ أهلِ الحديثِ، وهو روايةٌ عن أحمدَ، قالت به طائفةٌ مِنَ الحنابلةِ، وهو مَذهبُ المعتزلةِ والأشاعرةِ والمَاتُريديَّةِ وأهلِ الكلامِ، خلافًا لِمَنْ يرى أنَّ خلافةَ أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه إنَّما ثَبتَتْ بالنَّصِّ الجَليِّ أي: بمجموعِ دَلالةِ الأدلَّةِ القَوليَّةِ والفِعليَّةِ، وهو مَذهبُ جماعةٍ مِنْ أهلِ الحديثِ وطائفةٍ مِنَ الشَّافعيَّةِ، وهو روايةٌ عن أحمدَ، وبه قال ابنُ حَزْمٍ وغيرُه، وثَمَّةَ مَنْ يرى ـ أيضًا ـ أنَّ خِلافتَه رضي الله عنه ثَبتَتْ بالنَّصِّ الخَفيِّ والإشارةِ، وبهذا قال الحَسَنُ البصريُّ وطائفةٌ مِنْ أهلِ الحديثِ(٢).

هذا، وإِنْ كانت خلافةُ أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه بالاختيارِ والبَيعَةِ بإجماعِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم كما قال القُرطبيُّ ـ رحمه الله ـ: «وأجمعَتِ الصَّحابةُ على تقديمِ الصِّدِّيقِ بعدَ اختلافٍ وقَعَ بين المُهاجرينَ والأنصارِ في سَقِيفةِ بني سَاعِدةَ في التَّعيين»(٣)، إلَّا أنَّ إمامَتَه رضي الله عنه لم تكن ثابتةً بصِفةٍ مُستقِلَّةٍ على أرجحِ أقوال العلماءِ؛ والتَّحقيقُ: أنَّ خلافةَ أبي بكرٍ رضي الله عنه إنَّما ثَبَتَتْ تَبعًا لتَنصِيص النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم عليها في أخبارٍ صحيحةٍ مُبَيِّنةٍ لِمَنزلته وفضلِه، تُؤكِّدُ ـ فعلًا ـ أنَّه رضي الله عنه الأحقُّ بأمرِ الدِّين والأجدرُ بالإمامةِ العُظمَى، مِنْ أَوجُهٍ ثلاثَةٍ: الخَبَرُ وَالأَمْرُ وَالإِرْشَادُ كما بيَّنه ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ حيث قال ما نصُّه: «وَالتَّحْقِيقُ فِي «خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ» وهو الذي يَدُلُّ عليه كلامُ أحمد: أنَّها انْعَقَدَتْ باخْتِيَارِ الصَّحابةِ وَمُبَايَعَتِهِم له، وأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أَخْبَرَ بِوُقوعِها على سبيل الحَمْدِ لها والرِّضَى بها، وأنَّه أمَرَ بطاعتِهِ وتفوِيضِ الأَمرِ إليهِ، وأنَّه دلَّ الأُمَّةَ وأرشدَهُمْ إلى بَيْعَتِهِ؛ فهذه الأَوْجُهُ الثَّلاثةُ: الخَبَرُ والأَمْرُ والإِرْشَادُ: ثابتٌ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...» إلى أَنْ قال: «فثبتَتْ صِحَّةُ خلافتِه ووجوبُ طاعتِه بالكتاب والسُّنَّةِ والإجماع؛ وإِنْ كانت إنَّما انعقدت بالإِجْمَاعِ والاختيارِ، كما أَنَّ اللهَ إذا أَمَرَ بِتَوْلِيَةِ شَخْصٍ أو إنْكَاحِهِ أو غَيْرِ ذلك مِنَ الأُمورِ معه؛ فإِنَّ ذلك الأَمْرَ لا يَحْصُلُ إلَّا بعَقْدِ الوِلَايَةِ والنِّكَاحِ؛ والنُّصوصُ قد دَلَّتْ على أَمْرِ اللهِ بذلك العَقْدِ وَمَحَبَّتِهِ له؛ فالنُّصوصُ دَلَّت على أَنَّهُمْ مَأْمورونَ باختياره والعَقد له، وأَنَّ اللهَ يرضى ذلك وَيُحِبُّهُ، وَأَمَّا حُصولُ المَأمُورِ به المَحبوبِ فلا يَحْصلُ إلَّا بالامتثالِ، فَلَمَّا امْتَثَلُوا ما أُمِرُوا به عَقَدُوا له باختيارِهِم، وكان هَذَا أَفْضَلَ في حَقِّهِم وَأَعْظَمَ فِي دَرَجَتِهِم»(٤).

وبهذا الطَّرِيقِ تكونُ الأُمَّةُ صاحِبَةَ الحَقِّ والسُّلطَةِ في التولية والعَزْلِ عند مُوجِبه؛ لأنَّ المُرادَ بها السُّلطةُ التَّنفيذيَّةُ: مِنْ تنفيذِ الشَّريعةِ، وتبليغِ أحكامِها، ورعايةِ تطبيقاتِها، وفهمِ مدلولاتِهَا بواسطةِ سُلطانِ الاجتهادِ، وما يهدفُ إليه مِنْ مَرامٍ وأبعادٍ وغاياتٍ، وبهذا الاعتبارِ هي صاحبةُ السُّلطَةِ التَّنفيذيَّةِ؛ لأنَّ حقَّ التَّعيينِ والعَزْلِ عند مُوجِبه ثابتٌ لها، ويُمثِّلها ـ في هذه المَهمَّة ـ أهلُ الحَلِّ والعَقْدِ بالنِّيابةِ عنها، عِلمًا أنَّ الأُمَّةَ لا دَخْلَ لها في سُلطةِ التَّشريعِ، على خلافِ حالِ النِّظامِ الدِّيمقراطيِّ، إذ لا خلافَ بين المُسلمينَ أَنَّ مصدرَ الحُكمِ والتَّشريعِ والعِبادةِ للهِ وَحْدَه لا شريكَ لهُ، وقد تضافرَتِ النُّصوصُ القُرآنيَّةُ على تقريرِ تَفرُّدِ اللهِ بحقِّ التشريع للمَبَادِئ والأُصُول والتشريعات المُفصَّلة المُحدَّدة، وَيدُلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ[الأنعام: ٥٧]، وقولُه تعالى: ﴿فَٱلۡحُكۡمُ لِلَّهِ ٱلۡعَلِيِّ ٱلۡكَبِيرِ ١٢[غافر]، وقولُه تعالى: ﴿وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ[المائدة: ٤٩]، وغيرُها مِنَ الآيات الدَّالَّةِ على أنَّ مَصدَرَ التَّشريعِ وسُلْطَةَ الحُكمِ لله وَحْدَهُ، وطريقُ التَّعرُّفِ عليه إنَّما هو كتابُ اللهِ وسُنَّةُ نَبيِّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم(٥).

الطريقُ الثَّاني: استِخلافُ الإمام بتعيين خليفته مِنْ بعده:

والمرادُ بالاستخلافِ أَنْ يَعهَدَ الإمامُ القائمُ إلى مَنْ يراه كُفْءًا وأقدَرَ على حمايةِ الدِّين وسياسةِ الدُّنيا فيَخلُفه مِنْ بَعْدِهِ، فتثبتُ الإمامةُ به وتَلزَمُ له بعَهدِ مَنْ قَبْلَهُ، وبهذا الطَّريقِ تمَّتْ خلافةُ عمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه، حيثُ إنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه لمَّا حَضَرَتْهُ الوفاةُ عهِدَ إلى عمرَ رضي الله عنه بالإمامةِ مِنْ غيرِ نكيرِ أحَدٍ مِنَ الصَّحابةِ رضي الله عنهم، ويدُلُّ على ثبوت البَيعَةِ بتعيين وَليِّ العهدِ أو الاستخلاف: أنَّ رسولَ الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أعطى الرَّايةَ يومَ مُؤتَةَ زيدَ بنَ حارثَةَ وقال: «فَإِنْ قُتِلَ زَيْدٌ ـ أَوِ اسْتُشْهِدَ ـ فَأَمِيرُكُمْ جَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ ـ أَوِ اسْتُشْهِدَ ـ فَأَمِيرُكُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ»(٦)؛ والحديثُ يَدلُّ على وجوبِ نَصْبِ الإمامِ وجوازِ الاستخلافِ، وقد اتَّفقَتِ الأُمَّةُ على انعِقاد الإمامة بالاستخلاف وثبوتِ أحكام الإمامةِ بولاية العَهد لِمَنْ تمَّ له أَمْرُهَا؛ قال الخطَّابيُّ ـ رحمه الله ـ: «فالاستخلافُ سُنَّةٌ اتَّفَقَ عليها المَلأُ مِنَ الصَّحابة، وهو اتِّفاقُ الأُمَّة، لم يُخالِفْ فيه إلَّا الخوارجُ والمارِقةُ الَّذين شَقُّوا العَصَا وخَلَعُوا رِبْقَةَ الطَّاعةِ»(٧).

الطريقُ الثالثُ: تعيينُ جماعةٍ تختارُ الخليفةَ.

وذلك بأَنْ يَعهَد الإمامُ القائمُ أَمْرَ الإمامةِ فيَجعلَه شُورَى بيْنَ عددٍ أو جماعةٍ معدودةٍ تتوفَّر فيها معاييرُ الإمامة وشروطُها، لِتتولَّى القيامَ باختيارِ وليِّ العهدِ أو الخليفةِ المناسبِ ومبايعتِه مِنْ بينِهم، مِثلما فعلَ عمرُ بنُ الخطَّاب رضي الله عنه، حيثُ عهِدَ إلى نَفرٍ مِنْ أهلِ الشُّورى اختيارَ واحدٍ منهم، قال الخَطَّابيُّ ـ رحمه الله ـ: «ثمَّ إنَّ عمرَ لم يُهمِلِ الأمرَ ولم يُبطِلِ الاستخلافَ، ولكِنْ جَعَلَه شُورَى في قومٍ معدودين لا يَعْدُوهم، فكُلُّ مَنْ أقامَ بها كان رضًا ولها أهلًا، فاختاروا عثمانَ وعَقَدوا له البَيعَةَ»(٨).

هذا، والإمامةُ الاختياريةُ ـ بطُرُقِها الثَّلاثِ ـ مُجمَعٌ على صِحَّتها وانعقادِها بها وثبوتِ أحكامِها لمَنْ تَولَّى أَمْرَها؛ قال النَّووِيُّ ـ رحمه الله ـ: «وأجمعوا على انعقادِ الخلافةِ بالاستخلافِ، وعلى انعقادِها بعَقدِ أهلِ الحَلِّ والعَقدِ لإنسانٍ إذا لم يستخلف الخليفةُ، وأجمعوا على جَوازِ جَعلِ الخليفةِ الأمرَ شُورى بين جماعةٍ كما فعَلَ عمرُ بالسِّتَّةِ»(٩).

وعليه، فإنَّ الخليفةَ «يجوزُ له الاستخلافُ ويجوزُ له تَركُهُ، فإِنْ تَرَكَهُ فَقَدِ اقتدَى بالنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في هذا، وإلَّا فَقَدِ اقتدى بأبي بكرٍ»(١٠)، وهذا بخلاف المُعتزلةِ الذين قَصَروا عَقْدَ الإمامةِ على بَيعة أهلِ الحَلِّ والعَقْدِ فقط دون الاستخلافِ، والرَّافضةِ الذين قَصَروا الإمامةَ على النَّصِّ المزعومِ على الإمام ثمَّ نصِّ الإمام على الإمام بعده، وهو معنى الاستخلافِ والعهدِ فقط دون اعتبار بَيعَةِ أهلِ الحَلِّ والعَقْدِ(١١).

وأمَّا الإمامةُ القَهْرِيَّةُ فهي وِلايةُ الإجبارِ والقهرِ، وذلك إذا غَلَب صاحبُ الشَّوكةِ النَّاسَ بالقُوَّة والسَّيفِ حتَّى أذعنوا له، فتولَّى الإمامةَ بغير بَيعةٍ أو استخلافٍ أو ببيعةٍ عن كرهٍ، وتمَّ له التَّمكينُ، فَقَدِ اتَّفَقُوا على أنَّ المُتغلِّبَ يصيرُ إمامًا للمسلمينَ ولو لم يَستَجمِعْ شروطَ الإمامةِ، وتكون أحكامُهُ نافذةً، بل تجب طاعتُهُ في المعروف وتَحرُمُ منازعتُهُ والخروجُ عليه؛ لأنَّ طاعتَهُ خيرٌ مِنَ الخروجِ عليه، لِمَا في ذلك مِنْ حَقْنِ الدِّماءِ وتسكينِ الدَّهماءِ، ولِمَا في الخروج عليه مِنْ شَقِّ عَصَا المسلمين وإراقةِ دِمائِهِمْ وتسلُّطِ أعداءِ الإسلامِ عليهِمْ، وقد حكى الإجماعَ على طاعة الحاكمِ المُتغلِّب الحافظُ ابنُ حَجَرٍ عن ابنِ بطَّالٍ ـ رحمهما الله ـ(١٢)، وقال محمَّدُ بنُ عبدِ الوَهَّاب ـ رحمه الله ـ: «الأئمَّةُ مُجْمِعونَ مِنْ كُلِّ مَذهبٍ على أنَّ مَنْ تَغَلَّب على بَلَدٍ أو بُلدانٍ له حُكْمُ الإمامِ في جميع الأشياء»(١٣)، كما نقل الإجماعَ ـ أيضًا ـ أبو الحَسَنِ الأشعريُّ ـ رحمه الله ـ بقوله: «وأجمعوا على السَّمع والطَّاعةِ لأئمَّةِ المسلمين، وعلى أنَّ كُلَّ مَنْ وَلِيَ شيئًا مِنْ أمورِهم عن رضًى أو غَلَبَةٍ، وامتدَّت طاعتُهُ مِنْ بَرٍّ وفاجرٍ لا يَلزَمُ الخروجُ عليهم بالسَّيفِ جارَ أو عدلَ»(١٤).

غير أنَّ هذا الطَّريقَ الرَّابعَ وهو وِلايةُ القَهْرِ والاستيلاءِ وإِنْ كانت البَيعةُ تَنعقِدُ به وتَلْزَمُ به الطَّاعةُ وجميعُ الحقوقِ، إلَّا أنَّه وإِنْ تمَّ له ذلك فليس بأصلِ الإمامةِ الاختياريَّةِ، وإنَّما انعقدَتْ إمامتُهُ ولَزِمَتْ بوِلايةٍ إجباريَّةٍ لدَرْءِ الفِتنةِ وحَقْنِ الدِّماءِ وانتظامِ الشَّملِ واستقرارِ الأمنِ، وذلك بالالتزامِ بالنُّصوصِ الشَّرعيَّةِ المُوجِبةِ لطاعةِ الحاكمِ المُتغلِّبِ في المَعروف والصبرِ على ظُلمهِ وعدمِ الخروج عليه، وإثمُه عليه؛ قال الإمام أحمدُ ـ رحمه الله ـ: «ومَنْ خرَجَ على إمامٍ مِنْ أئمَّة المسلمين وقد كان النَّاسُ اجتمعوا عليه وأقرُّوا له بالخلافة بأيِّ وجهٍ كان: بالرِّضَا أو الغَلَبةِ فَقَدْ شَقَّ هذا الخارجُ عَصَا المسلمين، وخالفَ الآثارَ عن رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم؛ فإِنْ ماتَ الخارجُ مَاتَ مِيتةً جاهليَّةً، ولا يَحِلُّ قِتالُ السُّلطانِ ولا الخروجُ عليه لأحَدٍ مِنَ النَّاس، فمَنْ فَعَلَ ذلك فهو مُبتدِعٌ على غيرِ السُّنَّة والطَّريقِ»(١٥)، وقال ابنُ تَيميَّةَ ـ رحمه الله ـ: «ولهذا كان مذهبُ أهلِ الحديث تَرْكَ الخروجِ بالقتال على المُلوك البُغاة والصَّبْرَ على ظُلمهم إلى أَنْ يَستريحَ بَرٌّ أو يُستراحَ مِنْ فاجرٍ»(١٦).

علمًا أنَّ اختيارَ الإمام الأعظمِ مِنْ أهل الحلِّ والعقد ـ كما هو الحالُ في الطريق الأوَّل المُشار إليه ـ إنَّما يكونُ وَفق شروطٍ وصفاتٍ ومعاييرَ يَنبَغي أَنْ تتوفَّر فيه تختلِفُ عن المعايير المطلوبة في الرئاسة في النظام الديمقراطيِّ، فمنها:

ـ أَنْ يكون عدلًا نَزيهًا مُستَقيمًا على دِينه، وعَلى جَانبٍ كبيرٍ مِنَ الأَخلاقِ الحَسنَةِ والآدابِ السَّاميةِ؛ فَلا يَصلحُ للإمامَةِ مَنْ كان فَاسقًا مَخْرومَ المُرُوءَةِ.

ـ وأَنْ يَكون بَصيرًا بأُمورِ السِّياسةِ وشُؤُونِ الحُكمِ، جَريئًا في إِقامة حُدودِ اللهِ، صارمًا في تَنفِيذِ أحكامِها، لا تَأخُذُهُ في الله لومَةُ لَائمٍ، ذَا إِدراكٍ ودِرايةٍ بطُرُقِ الحفاظِ على وحدةِ الأُمَّةِ وتَماسُكِهَا، حرِيصًا على تحقيقِ مصالِحِهَا الدِّينيَّةِ والدُّنيويَّةِ، وشُجاعًا في الانتقامِ مِنْ ظالِمِها والأخذِ لِمَظلومِها، مع دوام تفقُّد أحوالِ رَعيَّتِهِ وسَدِّ حاجاتهم، وتعاهُدِ وُلَاةِ الأطرافِ وعُمَّال النواحي وحُمَاةِ البلادِ وقادةِ الجند مراقبةً ومحاسبةً.

ـ أَنْ يكون جامعًا للعِلم بالأحكام الشَّرعيَّة بمنزلةِ مَنْ يصلُحُ للقضاءِ، لإجماع الأُمَّة على أنَّ للإمامِ أَنْ يُباشِرَ الأحكامَ بنفسه وهو مُكلَّفٌ بتنفيذِها، كما أنَّه هو الذي يُوَلِّي القُضاةَ والحُكَّامَ ويُعيِّنُ مَهامَّهم ويُنهِيها، ويَنظُرُ في أحكامِهم إقرارًا ونَقْضًا، ولا يخفى أنَّه لا يمكنُهُ ذلك مع الجهلِ بالأحكامِ ومَدارِكِهَا الشَّرعيَّةِ، وغيرها.

فهذه جملةٌ مِنْ أهمِّ الصِّفاتِ المشتَرَطةِ للإمامَةِ العُظمى، يَنظُر أهلُ الحلِّ والعقدِ في مدَى توفُّرِها في الإمام المختار، فإنَّ مَدارَ اختِيارِ الإمامِ الأعظمِ إنَّما يَكمُنُ في الأصلحِ المُتمتِّعِ بالكَفَاءَةِ والقُدرةِ لِتأهيلِهِ لهذا المَنْصِبِ السَّامي، وشُروطُ استِحقاقِه له تَلتَقِي جُملتُهَا في لُزُومِ تَوَافرِ صِفَتَيِ: القُوَّةِ والأمانةِ، مأخوذةً مِنَ النصوص الشرعيَّة، بخلاف ما تجري عليه النُّظمُ الدِّيمقراطيَّة؛ قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ مُوضِّحًا ذلك بما نصُّهُ: «وينبغي أَنْ يُعْرَفَ الأصلحُ في كُلِّ مَنصِبٍ، فإنَّ الوِلايَةَ لها رُكنانِ: القُوَّةُ والأمانةُ، كما قال تعالى ﴿إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَ‍ٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ ٢٦[القصص]، وقال صاحبُ مِصرَ ليُوسُفَ عليه السَّلام: ﴿إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ ٥٤[يوسف]، وقال تعالى في صِفةِ جِبريلَ: ﴿إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ ١٩ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلۡعَرۡشِ مَكِينٖ ٢٠ مُّطَاعٖ ثَمَّ أَمِينٖ ٢١[التكوير].

والقُوَّةُ في كُلِّ وِلايةٍ بِحَسَبِها، فالقُوَّةُ في إمارةِ الحربِ ترجعُ إلى شَجاعَةِ القَلبِ وإلى الخِبرَةِ بالحروبِ والمُخادعةِ فيها، فإنَّ الحربَ خُدعةٌ، وإلى القُدرةِ على أنواعِ القتالِ: مِنْ رَمْيٍ وطَعنٍ وضَربٍ ورُكوبٍ وَكَرٍّ وَفَرٍّ ونحوِ ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ[الأنفال: ٦٠]، وقال النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «ارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا، وَمَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ نَسِيَهُ فَلَيْسَ مِنَّا»(١٧)، وفي روايةٍ: «فَهِيَ نِعْمَةٌ جَحَدَهَا» رواه مسلمٌ(١٨).

والقُوَّةُ في الحُكْمِ بينَ النَّاسِ ترجعُ إلى العِلمِ بالعَدْلِ الذي دَلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّة، وإلى القُدرةِ على تنفيذِ الأحكامِ.

والأمانةُ ترجعُ إلى: خَشيةِ اللهِ، وألَّا يَشتريَ بِآياتِهِ ثَمَنًا قَليلًا، وتركِ خَشيةِ النَّاسِ، وهذه: الخصالُ الثَّلاثُ الَّتي أَخَذَهَا اللهُ على كُلِّ مَنْ حَكَمَ على النَّاسِ في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِ‍َٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٤[المائدة]»(١٩)، وقال السعدي ـ رحمه الله ـ عن القُّوةِ في العِلمِ والجسمِ في معرضِ شرحِ قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكٗاۚ قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِ[البقرة:٢٤٧]، ما نصُّه: «أيْ: فضَّلَه عليكم بالعِلمِ والجِسمِ، أي: بقوةِ الرَّأيِ والجسمِ الَّلذين بهما تتمُّ أمورُ المُلكِ، لأنَّه إذا تَمَّ رأيُه وقَوِيَ على تنفيذِ ما يقتضيه الرَّأيُ المصيبُ، حصَلَ بذلك الكمالُ، ومتى فاتَه واحدٌ من الأمرَينِ اختلَّ عليه الأمرُ، فلو كان قَوِيَّ البدنِ مع ضَعفِ الرَّأيِ، حصَلَ في المُلكِ خَرقٌ وقَهرٌ ومخالفةٌ للمشروعِ، قوةٌ على غيرِ حكمةٍ، ولو كان عالمًا بالأمورِ وليس له قوةٌ على تنفيذِها لم يُفدهُ الرَّأيُ الَّذي لا ينفِّذه شيئًا»(٢٠).

هذا، فليس مِنْ شَرْطِ ثُبوت الإمامة أَنْ يكون كُلُّ مسلمٍ مِنْ جُملةِ المُبايِعِينَ للإمامِ الأعظمِ كما هو شأنُ الانتخابات في النِّظام الدِّيمقراطيِّ الأغلبيِّ؛ وإنَّما تَلزَمُ بيعةُ مَنْ حَضَر مِنْ أهلِ الحَلِّ والعَقْدِ كُلَّ واحدٍ ممَّنْ تَنْفُذُ فيه أوامرُه ونواهيه، فإنَّ المسلمين أُمَّةٌ واحدةٌ وجَسَدٌ واحدٌ، تربِطُهم العقيدةُ الإسلاميَّةُ وتَجمَعُهم الأُخوَّةُ الإيمانيَّةُ، وهم في الحقوقِ والحُرماتِ سواءٌ، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ: يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ، وَمُتَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ»(٢١)؛ قال الشَّوكانيُّ ـ رحمه الله ـ: «قد أغنى اللهُ عن هذا النُّهوضِ وتجشُّمِ السَّفَر وقطعِ المَفاوِزِ بِبَيعَةِ مَنْ بايعَ الإمامَ مِنْ أهلِ الحَلِّ والعَقْدِ، فإنَّها قد ثبتَتْ إمامتُه بذلك وَوَجَبَتْ على المسلمين طاعتُهُ، وليس مِنْ شَرْطِ ثبوتِ الإمامةِ أَنْ يبايِعَهُ كُلُّ مَنْ يصلُح للمبايَعَةِ، ولا مِنْ شرطِ الطَّاعةِ على الرَّجُلِ أَنْ يكونَ مِنْ جُملةِ المُبايِعِينَ، فإنَّ هذا الاشتِراطَ في الأَمرينِ مَردودٌ بإجماعِ المسلمينَ: أوَّلِهِم وآخِرِهِم، سابِقِهِم وَلَاحِقِهم»(٢٢).

وجديرٌ بالتنبيه ـ في هذا المَقام ـ إلى: أنَّ مُصطلَحَ (الرَّقابة) لم يُستعمَلْ ـ عند المتقدِّمين ـ في الفقه الإسلاميِّ عمومًا(٢٣)، ولا في النُّظُم السياسيَّة الإسلاميَّة خصوصًا، وإنما استعمَلَتْ ـ في هذا المعنى ـ مُصطلَحاتٍ أخرى أوسعَ منه وشاملةً له، مثل: (النُّصح)، أو (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، أو(الحِسبة)، وغيرها؛ ومِنْ ذلك: قولُه تعالى: ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٤[آل عمران]، وقولُه تعالى: ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ[التوبة: ٧١]، وقولُه: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ[آل عمران: ١١٠]، وقولُه تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٤١[الحج]، وغيرُها مِنَ الآيات واضحةِ الدلالة مِنْ حيث شمولُ الواجب على كُلِّ مسلمٍ قادرٍ عليه وجوبًا بالإجماع؛ قال النوويُّ: «وقد تَطابقَ على وجوب الأمر بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ الكتابُ والسُّنَّةُ وإجماعُ الأمة»(٢٤)، ولا شكَّ في عمومها لكُلِّ معروفٍ وكُلِّ مُنكَرٍ، ويدخل في وجوبه جميعُ المعنيِّين: حُكَّامًا كانوا أم محكومين، فلا يوجد أيُّ مُوجِبٍ لاستثناء الحُكَّام مِنْ ذلك الأمر بإخراجهم منه؛ وفي هذا المعنى قال النوويُّ ـ رحمه الله ـ: «قال العلماء: لا يختصُّ الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المُنكَرِ بأصحاب الولايات، بل ذلك جائزٌ لآحاد المسلمين؛ قال إمام الحرَمَيْن: والدليلُ عليه إجماعُ المسلمين، فإنَّ غيرَ الوُلَاة في الصدر الأوَّلِ والعصرِ الذي يَلِيه كانوا يأمرون الوُلَاةَ بالمعروف وينهَوْنَهم عن المُنكَر، مع تقرير المسلمين إيَّاهم وتركِ توبيخِهم على التَّشاغُل بالأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ مِنْ غيرِ وِلايةٍ»(٢٥)؛ وقال ابنُ دقيق العيد ـ رحمه الله ـ: «قالوا: ولا يَخْتَصُّ الأمْرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عن المُنكرِ بأصْحابِ الوِلايةِ؛ بل ذلك ثابِتٌ لآحادِ المسلمين»(٢٦)؛ علمًا أنَّ القيامَ بهذا الواجبِ لا يحتاج إلى ترخيصٍ مِنَ السلطة ولا إذنٍ منها؛ وقد ردَّ أبو حامدٍ الغزَّاليُّ على مَنْ يشترطه بقوله: «وهذا الاشتراط فاسدٌ؛ فإنَّ الآياتِ والأخبارَ التي أَورَدْناها تدلُّ على أنَّ كُلَّ مَنْ رأى مُنكَرًا فسَكَتَ عليه عصى؛ إذ يجب نهيُه أينما رآه وكيفما رآه على العموم؛ فالتخصيصُ بشرطِ التفويض مِنَ الإمام تحكُّمٌ لا أصلَ له»(٢٧)؛ وقال ـ أيضًا ـ: «واستمرارُ عاداتِ السلف على الحِسبة على الوُلَاةِ قاطعٌ بإجماعهم على الاستغناء عن التفويض، بل كُلُّ مَنْ أمَرَ بمعروفٍ فإِنْ كان الوالي راضيًا به فذاك، وإِنْ كان ساخطًا له فسُخطُه له مُنكَرٌ يجب الإنكارُ عليه؛ فكيف يُحتاجُ إلى إذنه في الإنكار عليه؛ ويدلُّ على ذلك عادةُ السَّلفِ في الإنكارِ على الأئمَّةِ»(٢٨).

فالنصوصُ الشرعيَّة في الأمر بالمعروف والنهيِ عن المُنكَرِ والنصيحةِ جاءت ظاهرةً في دلالتها وصراحتِها على أنَّ للأمَّةِ ـ بواسطةِ أهلِ الحلِّ والعَقدِ ـ سلطةً في مُراقَبةِ الحُكَّامِ وتقويمِهم، وأوَّلُ مَنْ عَمِل بها وطبَّقها الخليفةُ الراشدُ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه حيث قال في نصِّ خُطبتهِ: «أَيُّهَا النَّاسُ! قَدْ وُلِّيتُ عَلَيْكُمْ، وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ؛ فَإِنْ رَأَيْتُمُونِي عَلَى حَقٍّ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ رَأَيْتُمُونِي عَلَى بَاطِلٍ فَسَدِّدُونِي؛ أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللهَ فِيكُمْ، فَإِذَا عَصَيْتُهُ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ؛ أَلَا إِنَّ أَقْوَاكُمْ عِنْدِي الضَّعِيفُ حَتَّى آخُذَ الحَقَّ لَهُ، وَأَضْعَفَكُمْ عِنْدِي القَوِيُّ حَتَّى آخُذَ الحَقَّ مِنْهُ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ»(٢٩)؛ لذلك قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «.. وواجبٌ على كُلِّ إمامٍ أَنْ يَقتَدِيَ به في ذلك، وواجبٌ على الرَّعيةِ أَنْ تُعامِلَ الأَئمَّةَ بذلك، فإِنِ استقامَ الإمامُ أعانوه على طاعةِ اللهِ تعالى، وإِنْ زاغَ وأخطأ بَيَّنوا له الصَّوابَ ودَلُّوه عليه، وإِنْ تَعمَّدَ ظُلمًا مَنَعوهُ منه بحَسَب الإمكانِ، فإذا كانَ مُنقادًا للحَقِّ كأبي بكرٍ فلا عُذْرَ لهم في تركِ ذلك، وإِنْ كان لا يمكنُ دفعُ الظُّلمِ إلَّا بما هو أعظمُ فسادًا منه لم يَدفَعوا الشَّرَّ القليلَ بالشَّرِّ الكثيرِ»(٣٠).

وهذا المعنى منقول ـ أيضًا ـ عن عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه؛ قال الباقِلَّانيُّ رحمه الله ـ بعد ذِكرِ واجبات الإمام ـ: «فهذا الذي يليه ويقام لأجله، فإن غلط في شيء منه، أو عدل به عن موضعه، كانتِ الأُمَّةُ من ورائهِ لتقويمهِ، والأخذِ له بواجبهِ»(٣١).

وأمَّا قوله: «هذا التقريرُ تأييدٌ للنِّظام الديمقراطيِّ، وذلك بجعلِ الشَّعبِ هو الحاكمَ وله السلطةُ المُطلَقةُ في تسيير الدولة ومراقبةِ النُّوَّاب والحاكم»، فهذا اختلاقٌ مِنَ المعترض ومِنْ كِيسه الخاصِّ؛ فنعوذُ بالله أَنْ نُشرِكَ الأُمَّةَ أو الشعبَ مع الله في التَّشريعِ والحُكمِ، وإنَّما ذلك مِنْ عمل الديمقراطيِّين الذين يعتقدون أنَّ بيَدِ الشَّعبِ السُّلطةَ مطلقًا: السلطة التشريعيَّة والقضائيَّة والتنفيديَّة.

والمعلوم أنَّ الإمامَ الحاكمَ ـ إذ يُباشِرُ شؤونَ الدولةِ وسُلطانَ الحُكمِ في شريعة الإسلام ـ فإنَّما عليه أَنْ يَهتدِيَ بشرعِ اللهِ تعالى الَّذي يجِبُ أَنْ تُحكَمَ به الأُمَّةُ، ويُنفِّذَهُ باعتبارِهِ وكيلًا عنها، والأُمَّة تُطِيعهُ في ذلك لا لذاتِهِ وإنَّما تطيعُ اللهَ ـ في الحقيقة ـ باتِّباعِ شَرْعِهِ الذي عليها أَنْ ترضى به لنَفسِها وتُحَكِّمَه في شؤونِ عِباداتِها ومعاملاتِها؛ لأنَّ الحاكمَ الحقيقيَّ ومُشرِّعَ هذا الإسلامِ إنَّما هو اللهُ عزَّ وجلَّ، قال تعالى: ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٠[يوسف]، فقد أمَرَ الله عبادَه بالإخلاصِ في كلِّ عبادةٍ هي له وحدَه، ونهَاهُم أَنْ يُشرِكوا معه غيرَه في العبادةِ أو أَنْ يَصرفوها لغيرِه، فبالأمرِ والنَّهيِ يكونُ الحكمُ الشَّرعيُّ، إِذْ لا تخرُجُ الأحكامُ الشَّرعيَّةُ عنِ الأمرِ والنَّهيِ، ووليُّ الأمرِ إنَّما هو مُكلَّفٌ بتنفيذِ الحكمِ الشرعيِّ على نفسِهِ وعليهم، فلا يَحيدُ عنه ولا يُقدِمُ ولا يُحْجِمُ، ولا يُعطي ولا يمنعُ إلَّا بدليلٍ شرعيٍّ ـ بين يَديْهِ ـ يُبرهِنُ به على صِحَّةِ حُكمِه وفِعلِهِ، ولا يَملِكُ هو ولا الأمَّةُ الخُروجَ ـ بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوالِ ـ عن سُلطانِ الإسلامِ وشرعِهِ، بل يَعمَلُ على وضعِ التَّرتيباتِ الضَّروريَّةِ لتنفيذِ شرعِ اللهِ على رَعيَّتِهِ على وجهِ العدلِ والإنصافِ، إذْ إنَّ تنفيذَ الحُكمِ الشَّرعيِّ مِنْ لوازمِ خضوعِ الإمامِ الأعظمِ والأمَّةِ له.

فليس ـ إذن ـ للأُمَّةِ ولا لوكيلِها ـ بناءً على عقدِ الإمامةِ ـ مِن ولايةٍ مُطلَقَةٍ ولا سلطانٍ مُطلَقٍ باختراعٍ وابتداعٍ لنظامِ حُكمٍ تهواه أو يهواه نائبُها، وإنَّما سلطانُ الأُمَّةِ ورضاها مُقيَّدٌ بشرائعِ الإسلامِ وأحكامِهِ ونُظُمِهِ، تابِعٌ لزومًا لسلطانِ اللهِ تعالى الَّذي له الحاكميَّةُ المُطلقةُ؛ فلَهُ سبحانَه الحُكمُ الكَونيُّ والحُكمُ الشَّرعيُّ، كما أخبر الله تعالى عن نفسه بقوله: ﴿أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٥٤[الأعراف]؛ ذلك لأنَّ الخَلقَ يَتضمَّنُ أحكامَه الكونيَّةَ القَدَريَّة، فهو متعلِّقٌ بربوبيَّتِه وخلقِه، والأمرَ يَتضمَّنُ أحكامَه الدينيَّةَ الشَّرعيَّة فهو متعلِّقٌ بإلهيَّتِهِ وشرعِهِ(٣٢).

والمَعلومُ أنَّ الوكيلَ لا يملكُ أزيدَ مِمَّا تملكُهُ الأُمَّةُ المُوَكِّلةُ له، فلو حصل الرِّضا ـ باتِّفاقٍ بين الأُمَّةِ والإمامِ الحاكمِ ـ بتغييرِ شرعِ اللهِ أو تبديلِهِ أو اتِّباعِ شرعِ غيرِه فهو مردودٌ لا اعتبارَ له لكونهِ حقًّا خالصًا لله تعالى، وفِعلُهُ مُحرَّمٌ لا تُصحِّحُهُ النِّيَّةُ الحسنةُ، قال صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»(٣٣).

فالحاصل أنَّ كُلًّا مِنَ الأُمَّةِ والإمامِ خاضعانِ لسلطانِ الإسلامِ في شرعِهِ وحُكمِهِ، ولا يملكُ واحدٌ منهما أو كلاهُما الخروجَ عن هذا السُّلطانِ مُطلَقًا، غيرَ أنَّه يجوزُ للإمامِ الحاكمِ ـ عندَ عدمِ وجودِ نَصٍّ شرعيٍّ ـ أن يضعَ التَّنظيماتِ الاجتهاديَّةَ اللَّازمَةَ لتسهيلِ تنفيذِ شريعةِ اللهِ وترتيبِ إدارةِ شؤونِ الدَّولةِ في نطاقِ قواعدِ الاجتهادِ وشروطِهِ وضوابطِهِ مع مراعاةِ الأصولِ العامَّةِ للتَّشريعِ الإسلاميِّ ومقاصِدِه المَرعيَّةِ.

وعليه، فإنَّ هذه الهلوسة أو هذا الهذيان لا يقعُ ـ مع الأسف ـ إلَّا في ذهنِ المعترضِ افتراءً منه على الفتوى.

وقوله: «أمَّا النِّظامُ الشرعيُّ فهو قائمٌ على أنَّ الحاكم هو الذي يختار مُعِينيه ونُوَّابَه وهو الذي يراقبهم» وما عطف عليه مِنْ كلامِ ابنِ تيميَّة؛ فهو ـ برُمَّتِه ـ خارجٌ عن الموضوع؛ لأنَّ الموضوع إنما يتعلَّق بالإمام الأعظم مِنْ جهة اختيارِ أهل الحلِّ والعقد له ومُراقبَتِه ومحاسَبَتِه وعزلِه على تفصيلٍ ذكرتُه في رسالتي «مَنصِب الإمامة الكبرى» وفي «تبصير الأنام شرح أصول الولاية في الإسلام».

وأمَّا اختيارُ الإمامِ الحاكم لأعوانه فلِأَنَّ الإمامَ الحاكمَ وَحْدَه لا يستطيعُ أَنْ يُباشِرَ حاجاتِ النَّاسِ ومَطالِبَهم بمُفرَدِه، ويَرعى حقوقَهم ويصونَ أموالَهُم ويمنعَ الظُّلمَ عنهم بنفسه ـ ولو أراد ذلك ـ؛ لأَنَّهُ فوقَ طاقتِهِ؛ وقُدرةُ الإنسانِ محدودةٌ مهما عَلَتْ وارتفعَت، لذلك وجَبَ على الإمامِ الحاكمِ ـ لتنفيذِ أحكامِ شرعِ الله وتدبيرِ شؤونِ الرَّعيَّةِ ومباشرتِها ـ أَنْ يستعينَ بنُوَّابِهِ مِنْ: وُزَراءَ وأُمَراءَ ووُلَاةٍ وقُضَاةٍ وسُعاةٍ ونُوَّابِهم ومَنْ تحتَ تَصرُّفِهم وغيرِهم مِنْ وظائِفِ الوُلاةِ، وأَنْ يستنيبَهم ليكونوا له عَوْنًا على تنفيذِ أوامرِه وأداءِ واجباتِهِ ومسؤوليَّاتِهِ نيابةً عنه، ويقوموا بها على أكملِ وجهٍ وأحسنِ ما يُرامُ؛ ويجب عليه أَنْ يتحرَّى أَنْ يكون اختيارُهم وتعيينهم وَفْقَ معاييرِ تَولِّي مناصبِ الولاياتِ ووظائفِها وشروطِها؛ فيُولِّيها الأصلحَ أو ـ على الأقلِّ ـ مَنْ يصلح لها؛ وهو مسؤولٌ ومُحاسَبٌ على اختياره أمامَ الله.

لأنَّ أعوانَ الإمامِ الحاكمِ بمنزلةِ أعضائِهِ التي لا قِوامَ للجسدِ إلَّا بها، وبدونِها يضيعُ العملُ ويقعُ الخَلَل والاضطرابُ وتعمُّ الفوضى، وذلك مُضِرٌّ بالسِّياسةِ الشَّرعيَّةِ ومُعيقٌ للتَّدابيرِ السَّديدةِ، هذا مِنْ جهةِ اختيارِ الأعوانِ مِنْ نُوَّابِهِ وحاشيتِهِ.

ويجدرُ التَّنبيهُ إلى أنَّه لا يكفي ـ لتحقيقِ العدلِ والإنصافِ ومَنْعِ الظُّلمِ والعُدوانِ ـ تعيينُ المُؤهَّلينَ مِنَ الأَكْفاءِ الأُمَناءِ دونَ رقيبٍ ولا حسيبٍ؛ لأنَّ المَعلومَ أنَّه قد يتحوَّل الأَمينُ خائنًا ويَنقلبُ النَّاصحُ غاشًّا، ويقع الخطأُ منهم ـ لا محالةَ ـ، لذلك يجب على الإمامِ الحاكمِ أَنْ يَحرِصَ كُلَّ الحِرصِ على المُراقبةِ المُستمِرَّةِ والمُحاسَبَةِ الدَّائمةِ، منعًا للخيانةِ والغِشِّ، وتجنُّبًا لوُقوعِ عُمَّالِهِ ومُوَظِّفِيهِ في الخطإِ أو الخطيئة، أو تقليلًا منهما قَدْرَ الإمكان، تقويمًا لاعوجاجهم وقطعًا لفسادِهم ليَصلحوا، وبذلك يستقيمُ حُكمُه ويَثبُت سُلطانُه به، وتُدرِكُ أُمَّتُهُ حِرصَهُ الشَّديدَ على تحقيقِ العدلِ ومنعِ الظُّلْمِ، ورغبتَهُ الأكيدةَ في نشرِ الأمنِ والاستقرارِ في ولايتِهِ وسُلطانِهِ، وقد نبَّهَ بعضُ الفقهاءِ على هذا المعنى مِنْ دوامِ تفقُّدِ الإمامِ الحاكم الأحوالَ العامَّةَ وسيرةَ عُمَّالِهِ ومُوَظَّفِيهِ، فقال المَاورديُّ ـ رحمه الله ـ في شأنه: «وَليكن كثيرَ الاعتناءِ بسِيَرِ حُماةِ البِلَادِ ووُلَاةِ الأَطْرَافِ الَّذين فوَّض إِلَيْهِم أماناتِ ربِّهِ، واستخلَفَهم على رِعَايَةِ خَلقِهِ، فَينْدُبُ لذَلِك مِنْ أُمَنائِهِ مَنْ حَازَ خِصَالَ التَّفْوِيضِ، وَاسْتحقَّ بحَزْمِهِ وشهامتِهِ الولَايَةَ والتقليد»(٣٤)، وقال عنه ـ أيضًا ـ عند بَيانِ مهامِّ الخليفةِ ومسؤوليَّاتِهِ بقوله: «العَاشِرُ: أَنْ يُبَاشِرَ بِنَفْسِهِ مُشَارَفَةَ الأُمُورِ وَتَصَفُّحَ الأَحْوَالِ؛ لِيَنْهَضَ بِسِيَاسَةِ الأُمَّةِ وَحِرَاسَةِ المِلَّةِ؛ وَلَا يُعَوِّلُ عَلَى التَّفْوِيضِ تَشَاغُلًا بِلَذَّةٍ أَوْ عِبَادَةٍ، فَقَدْ يَخُونُ الأَمِينُ وَيَغُشُّ النَّاصِحُ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ[ص: ٢٦]، فلم يقتصرِ اللهُ سبحانه على التَّفوِيضِ دُونَ المُباشَرةِ، ولا عَذَرَهُ في الاتِّباع حتَّى وَصَفَهُ بالضَّلالِ، وهذا ـ وإِنْ كان مُستحَقًّا عليهِ بحُكمِ الدِّينِ ومَنصِبِ الخلافةِ ـ فهو مِنْ حقوق السِّياسةِ لكُلِّ مُسْتَرْعٍ؛ قال النَّبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»(٣٥)»(٣٦).

ولا شكَّ أنَّ الإمامَ الرَّاعيَ إذا سلَكَ طَريقَ تهذيبِ أعوانِه وحاشِيَتِه بمعيارِ الاختيارِ ومنظارِ المُراقبَةِ والمُحاسبَةِ كَسَبَ قلوبَ رعيَّتِهِ وزاد تعلُّقهم به لصلاحِه وحِرصِهِ على العدلِ المَأمورِ به شرعًا، وقَوِيَ ولاؤُهم لدولتِهم، لشُعورهم بالأمنِ والأمانِ وإحساسِهم بالسَّلامة والاطمئنانِ؛ وتبقى مسألةُ اختيارِ الإمام الحاكم لأعوانه خارجةً عن موضوع الفتوى ـ كما أسلفتُ ـ.

هذا، وأخيرًا ـ مع الأسف الشَّديد ـ فما رأيتُ في كُلِّ انتقاداتِ هذا المُعترِضِ إلَّا العجبَ: مِنَ العناد والتعَّنُّت وفرطِ الجُرأةِ والاتِّهامِ الفظيع والعَنتريَّةِ مع نقصٍ في التَّفكيرِ وقُصورٍ في الفهمِ، إذ إنَّه لا يرى أبْعَد مِن أرنبةِ أنْفِه، وكما قيل: «ومَن تكلَّم في غير فنِّه أتى بالعجائب»، واللهُ المُستعان.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١١ ذي الحجَّة ١٤٤٣هـ
الـموافق ﻟ: ١٢ جــويلية ٢٠٢٢م

 



(١) على ما سبَقَ مِنْ بيان انعقاد الإمامة الكبرى لي رسالتان؛ وهما: رسالة: «مَنصِب الإمامة الكبرى أحكامٌ وضوابط» ورسالة: «تبصير الأنام شرح أصول الولاية في الإسلام».

(٢) انظر: «الفصل في المِلَل» لابن حزم (٥/ ١٠٧)، «أصول الدِّين» لأبي منصور البغدادي (٢٧٩)، «شرح العقيدة الطحاويَّة» لابن أبي العِزِّ (٥٣٣).

(٣) «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (١/ ٢٦٤).

(٤) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (٣٥/ ٤٨).

(٥) راجع: الكلمة الشهرية رقم: (١٣٧)، الموسومة بعنوان: «التنويه والإشادة بمقام إفراد الله في الحكم والتشريع والعبادة».

(٦) أخرجه أحمدُ في «مُسنَدِهِ» (١٧٥٠) مِنْ حديثِ عبدِ الله بن جَعفرٍ رضي الله عنهما. وصحَّحه أحمدُ شاكِر في تحقيقه ﻟ «مسند أحمد» (٣/ ١٩٢)، والألبانيُّ في «أحكام الجنائز» (٢٠٩).

(٧) «معالم السُّنَن» للخطَّابي (٣/ ٣٥١).

(٨) المصدر السابق (٣/ ٣٥١).

(٩) في «شرح مسلم» للنووي (١٢/ ٢٠٥)، [وانظر: «الأحكام السُّلطانيَّة» للمَاوَرْدِيِّ (٦ ـ ١٠)، «الأحكام السُّلطانيَّة» لأبي يَعْلَى (٢٣، ٢٥)، «تحرير الأحكام» لابنِ جَماعةَ (٥٢، ٥٣)، «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ٢٠٨)، «مَنصِب الإمامةِ الكُبرَى» للمؤلِّف (١٧)].

(١٠) «شرح مسلم» للنَّوويِّ (١٢/ ٢٠٥).

(١١) انظر: «أصول الدِّين» لأبي منصور البغدادي (٢٧٩)، «أصول الكافي» للكُلَيني (١/ ٢٨٦).

(١٢) «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ٧).

(١٣) «الدُّرر السَّنيَّة» لعبد الرحمن بنِ محمَّد بنِ قاسم (٢/ ٥).

(١٤) «رسالة إلى أهلِ الثَّغْرِ» للأشعري (٢٩٦).

(١٥) «المسائل والرسائل» للأحمدي (٢/ ٥).

(١٦) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٤/ ٤٤٤)، [انظر: «الأحكام السُّلطانيَّة» للمَاوَرْدِي (٨)، «الأحكام السُّلطانيَّة» لأبي يَعْلَى (٢٢)، «تحرير الأحكام» لابن جماعة (٥٥)، «مَنْصِب الإمامةِ الكُبرى» للمؤلِّف (٢٠ ـ ٢٧)].

(١٧) أخرجه أبو داود في «الجهاد» (٣/ ١٣) بابٌ في الرمي، مِنْ حديثِ عقبةَ بنِ عامرٍ الجُهَنيِّ رضي الله عنه بلفظ: «وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَ مَا عَلِمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ تَرَكَهَا». قال الألبانيُّ في «السلسلة الضعيفة» (١٤/ ٧٧٤): «فيه اضطرابٌ وجهالةٌ، وقد بيَّنْتُ ذلك في «ضعيف أبي داود» (٤٣٢)»؛ وأخرج حديثَ «مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا أَوْ قَدْ عَصَى» مسلمٌ في «الجهاد» (٦/ ٥٢) بابُ مَنْ عَلِم الرميَ ثمَّ ترَكَه، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(١٨) أخرج هذه الروايةَ البزَّارُ (٩٠٩٥)، والطبرانيُّ في «المعجم الصغير» (٥٤٣)، وصحَّحها الألبانيُّ في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٢٩٤).

(١٩) «السِّياسة الشَّرعيَّة» لابن تيمية (١٢).

(٢٠) «تفسير السعدي» (١٠٧).

(٢١) أخرجه أبو داودَ في «الجِهاد» (٣/ ١٨٣) بابٌ في السَّرِيَّة تَرُدُّ على أهلِ العَسكَرِ، مِنْ حديثِ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيه عن جَدِّه عبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاصِ رضي الله عنهما. والحديثُ صحَّحه الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٧/ ٢٦٦).

(٢٢) «السَّيل الجرَّار» للشوكاني (٤/ ٥١٣).

(٢٣) وقد استعمل ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ هذا المصطلحَ في «أصول الولاية» حيث قال في الأصل الرَّابع: «حَقُّ الأُمَّةِ فِي مُرَاقَبَةِ أُولِي الأَمْرِ؛ لِأَنَّهَا مَصْدَرُ سُلْطَتِهِمْ وَصَاحِبَةُ النَّظَرِ فِي وِلَايَتِهِمْ وَعَزْلِهِمْ».

(٢٤) «شرح مسلم» للنووي (٢/ ٢٢).

(٢٥) المصدر السابق (٢/ ٢٣).

(٢٦) «شرح الأربعين النووية» لابن دقيق العيد (١٣٧).

(٢٧) «إحياء علوم الدِّين» للغزَّالي (٢/ ٣١٥).

(٢٨) المصدر السابق (٢/ ٣١٥).

(٢٩) رواه الدارقطنيُّ في «المؤتلف والمختلف» (١/ ٩٢، ٤/ ٣٦) وفي «غرائب الإمام مالك» (١٢)، مع اختلافٍ في ألفاظه ـ زيادةً ونَقصًا ـ مِنْ حديثِ فتيان بنِ أبي السمح عن مالك بنِ أنسٍ عن هشام بنِ عروة عن أبيه بلفظ: «فإِنِّي وَلِيتُكُم ولستُ بخيركم، أَلَا وإنَّ أقواكم عندي ضعيفٌ حتَّى آخُذَ منه الحقَّ، وإنَّ أضعفَكم عندي قويٌّ حتَّى آخُذَ له الحقَّ، إنَّما أنا مُتَّبِعٌ ولستُ بمُبتدِعٍ، فإِنْ أنا أحسنتُ فأعينوني، وإِنْ زِغْتُ فقوِّموني، أقول قولي هذا، وأستغفر اللهَ لي ولكم»، قال الدارقطنيُّ: «تَفرَّد به فتيان عن مالك» [انظر: «تخريج «تفسير الكشَّاف» للزمخشري» للزيلعي (٢/ ٤٠٦)].

وأخرجه ابنُ جرير في «التاريخ» (٢/ ٢٣٧)، وابنُ هشام في «السِّيرة النَّبوية» مِنْ طريق محمَّدِ بنِ إسحاق بنِ يسارٍ عن الزُّهريِّ عن أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه، قال ابنُ كثيرٍ في [«البداية والنهاية» (٥/ ٢٤٨، ٦/ ٣٠١)]: «وهذا إسنادٌ صحيحٌ». ولفظُه: «أَيُّهَا النَّاسُ! فَإِنِّي قَدْ وُلِّيتُ عَلَيْكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُونِي، الصِّدْقُ أَمَانَةٌ وَالْكَذِبُ خِيَانَةٌ، وَالضَّعِيفُ فِيكُمْ قَوِيٌّ عِنْدِي حَتَّى أُرِيحَ عَلَيْهِ حَقَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالْقَوِيُّ فِيكُمْ ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا يَدَعُ قَوْمٌ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا ضَرَبَهُمُ اللَّهُ بِالذُّلِّ، وَلَا تَشِيعُ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا عَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْبَلَاءِ، أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِذَا عَصَيْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ، قُومُوا إِلَى صَلَاتِكُمْ يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ».

(٣٠) «منهاج السُّنَّة النَّبويَّة» لابن تيمية (٨/ ٢٧٢).

(٣١) «تمهيد الأوائل في تلخيص الدلائل» للباقِلَّاني (٤٧٧ ـ ٤٧٨).

(٣٢) انظر: «شفاء العليل» لابن القيِّم (١/ ١٨٠)، «تفسير السعدي» (٣٢٨).

(٣٣) أخرجه مسلمٌ في «الأقضيةِ» (٥/ ١٣٢) باب نقضِ الأحكامِ الباطلةِ، وردِّ محدَثاتِ الأمورِ، مِنْ حديثِ عائشةَ رضي الله عنها».

(٣٤) «تسهيل النَّظر» للماوردي (٢٣٧).

(٣٥) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجَه البُخارِي في «الجمعة» (٢/ ٣٨٠) باب الجمعة في القرى والمُدن، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٢/ ٢١٣) باب فضيلةِ الإمامِ العَادلِ وعُقوبَةِ الجَائِرِ، والحثِّ على الرِّفْقِ بالرَّعِيَّةِ، والنَّهيِ عَن إدْخالِ المَشقَّةِ عَليهِم، مِن حديثِ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما.

(٣٦) «الأحكام السُّلطانيَّة» للماوردي (٤٠).