في الاعتراض على استحقاق المبتدع للولاء مِنْ وجهٍ والبراء مِنْ وجه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 6 جمادى الأولى 1444 هـ الموافق لـ 30 نوفمبر 2022 م

ذكرتم في رسالتِكم «ضوابط هجر المُبتدِع» (ص ٣٨) ما نصُّه: «يُعادَى المُبتدِعُ ويُبْغَض بحَسَبِ ما معه مِنَ البِدعة إذا كانت بدعتُهُ غيرَ مُكفِّرةٍ، ولا يجوز أَنْ يُعادَى مِنْ كُلِّ وجهٍ كالكافر، بل...  للمزيد

الفتوى رقم: ١٣٠٨

الصنف: فتاوى منهجية

الجواب عن الاعتراض على
استحقاق المبتدع للولاء مِنْ وجهٍ والبراء مِنْ وجه

نصُّ الشبهة:

في رسالةِ: «ضوابط هجر المُبتدِع» (ص ٣٨) ما نصُّه: «يُعادَى المُبتدِعُ ويُبْغَض بحَسَبِ ما معه مِنَ البِدعة إذا كانت بدعتُهُ غيرَ مُكفِّرةٍ، ولا يجوز أَنْ يُعادَى مِنْ كُلِّ وجهٍ كالكافر، بل يكون مبغوضًا مِنْ وجهٍ محبوبًا مِنْ وجهٍ محبَّةً باطنةً على حَسَبِ ما معه مِنَ الإيمان والتَّقوى مِنْ غير إظهارٍ لها أو إعلانٍ عنها، لئلَّا يضعف المَقْصِدُ الشرعيُّ مِنْ هجر المُبتدِع ولا تتأثَّرَ العامَّةُ به أو يغترُّوا بدعوته».

وهذا تأصيلٌ للمنهج الأفيحِ حيث إنَّه دعوةٌ إلى حُبِّ أهلِ البِدَعِ ـ غيرِ المُكفِّرة ـ ما داموا تحت دائرة الإسلام الواسعة مهما بَلَغَتْ بدعتُهم شناعةً وإِنْ كانوا شِيعةً أو خوارجَ، وهذا مسلكٌ بعيدٌ كُلَّ البُعدِ عن منهج السَّلف الصَّالح في مُعامَلتِهم لأهل البِدَع، بدليلِ أنَّهم تركوا السَّلامَ على المُبتدِع وعيادتَه ومُجالسَتَهُ لأنَّها أسبابٌ تُفضي إلى المَحبَّةِ والقُرْبِ، وقد قال الإمامُ أحمدُ: «مَنْ سَلَّمَ على مُبتدِعٍ فهو يُحِبُّهُ».

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فمِنَ المَعلومِ مِنْ عقيدةِ الوَلاءِ والبَراءِ أنَّ النَّاسَ ينقسمون إلى ثلاثةِ أنواعٍ:

الأوَّل: مَنْ يستحِقُّ الولاءَ مُطلَقًا وهو: المُؤمِنُ الخالصُ الذي أقام شعائرَ الدِّين على وجه التَّمام بإخلاصٍ وصدقٍ ومتابعةٍ، فهذا النَّوع يُحَبُّ حُبًّا مطلقًا لا بُغْضَ فيه ولا معاداةَ معه؛ وتزداد موالاتُه ومحبَّتُه وأُخوَّتُه بزيادة إيمانه التي تحصل بالطَّاعةِ واجتنابِ المعصيةِ؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ[الحُجُرات: ١٠]؛ فقد رتَّب اللهُ معنى الأُخوَّة على وصف الإيمان، فنبَّه على كمالها بكماله، ونقصانِها بنقصانه، وعدمِها بعدمه.

والنَّوع الثاني: مَنْ يستحِقُّ البراءَ مُطلَقًا وهو: الكافرُ كفرًا أَكبرَ أو المُشركُ شِركًا أكبرَ، سواءٌ كان كفرُه أصليًّا مِنْ يهوديٍّ أو نصرانيٍّ أو مجوسيٍّ ونحوِ ذلك، أو كان كُفرُه رِدَّةً عن الإسلام؛ فإنَّ هذا النَّوعَ يُبغَضُ بغضًا خالصًا لا مَحبَّةَ فيه، ويُعادَى معاداةً لا ولاءَ معها.

والنَّوعُ الثَّالث: مَنْ يستحِقُّ الحُبَّ والولاءَ مِنْ وجهٍ ويَستحِقُّ البُغضَ والبراءَ مِنْ وجهٍ آخَرَ، فهو: المُسلمُ العاصي الَّذي يتركُ الواجباتِ ويُهمِلُ الفرائضَ ويفعل المُحرَّماتِ الَّتي لا تَصِلُ إلى حدِّ الكفرِ الأكبرِ، فهذا يُحَبُّ مِنْ جهةِ إيمانه ويُبغَضُ مِنْ جهةِ فِسقِهِ ومعصِيَتِهِ.

هذا، وإذا كان جنسُ البدعةِ أشدَّ خطرًا مِنْ جنسِ المَعصية لآثارها الوخيمةِ على الدِّين، وهي أعظمُ أبوابِ الفساد وطُرُقِ الهَوَى والرَّدَى لأنَّ ظاهِرَها الخيرُ ومضمونَها ولازِمَها الاستدراكُ، فهل يكون الأمرُ مع المُبتدِعِ مُغايِرًا للنَّوعِ الثَّالثِ المُتقدِّمِ في مبدإ الولاء والبراء؟ بمعنًى آخَرَ: هل يجتمع في المُبتدِعِ حُبٌّ وبغضٌ كما هو شأنُ المُؤمِنِ العاصي (الفاسق) أم ليس له سوى البراءِ وتَبِعاتِهِ؟

فإنَّ الصَّحيحَ ـ في ذلك ـ ما تمَّ بيانُه وتقريرُه في رسالتي: «ضوابط هجر المبتدع»، وهو أَنْ يُعادى المُبتدِعُ ويُبغَضَ بحَسَبِ ما معه مِنَ البدعةِ، ويُوالَى ويُحبَّ على حَسَبِ ما معه مِنَ الإيمان والتَّقوى إذا كانت بدعتُهُ غيرَ مُكفِّرةٍ، ولا يجوز أَنْ يُعادَى مِنْ كُلِّ وجهٍ كالكافر، بل يكون مبغوضًا مِنْ وجهٍ ومحبوبًا مِنْ وجهٍ، بل إنَّ مِنْ مُقتضى مَحبَّتِهِ وموالاتِه وأخوَّتِه ونُصرَتِه: مُناصَحَتَهُ والإنكارَ عليه ظاهرًا والأخذَ على يدِه وكفَّها عن الظلم والمعصية، فيؤمَرُ بالمَعروفِ ويُنهى عنِ المُنكَر، ويُقامُ عليه ما يُقامُ على المُؤمِنِ العاصي مِنَ التعزيرات والحدودِ والعقوبات والهجرِ بحسَبِ قيامِ مُوجِبِ كُلٍّ منها في حقِّه وحقِّ الوسط الذي هو فيه حتَّى ينتهيَ عن معصِيَتِه ويكفَّ عن بدعته، فإِنْ أَصرَّ على بدعته فالأصلُ أَنْ يبقى ما معه مِنَ الإيمان والتَّقوى محبوبًا باطنًا مِنْ غير إظهارٍ لهذا الوجهِ مِنَ المَحبَّةِ ولا إعلانٍ عنه ولا ثناءٍ به، لئلَّا يخفى المَقصِدُ الشرعيُّ مِنْ هجر المُبتدِع ولا تتأثَّرَ العامَّةُ به ولا يغترَّ النَّاسُ بدعوته.

وهذا التَّأصيلُ ليس مِنَ المنهجِ الأفيحِ في شيءٍ ـ كما يزعم المُعترِضُ ـ وإنَّما هو ما عليه أهلُ السُّنَّة، ويُؤكِّدُهُ قولُ ابنِ تيميَّةَ ـ رحمه الله ـ في مواضعَ عديدةٍ منها ما نَصُّهُ: «وإذا اجتمعَ في الرَّجل الواحِدِ خيرٌ وشرٌّ وفجورٌ، وطاعةٌ ومعصيةٌ، وسُنَّةٌ وبدعةٌ: استحَقَّ مِنَ المُوالاةِ والثَّوابِ بِقدْرِ ما فيه مِنَ الخيرِ، واستحَّقَّ مِنَ المُعاداةِ والعقابِ بحَسَبِ ما فيه مِنَ الشَّرِّ؛ فيَجتَمِعُ في الشَّخصِ الواحدِ مُوجِباتِ الإكرامِ والإهانةِ، فيجتمع له مِنْ هذا وهذا، كاللِّصِّ الفقير: تُقطَعُ يدُه لِسَرِقتِه، ويُعطى مِنْ بيت المَال ما يكفيه لحاجته، هذا هو الأصلُ الَّذي اتَّفق عليه أهلُ السُّنَّةِ والجماعة، وخالفهم الخوارجُ والمُعتزلةُ ومَنْ وافقهم عليه، فلم يجعلوا النَّاسَ لا(١) مُستحِقًّا للثَّواب فقط ولا(٢) مُستحِقًّا للعقاب فقط، وأهلُ السُّنَّة يقولون: إنَّ الله يُعذِّب بالنَّار مِنْ أهلِ الكبائر مَنْ يعذِّبُه ثمَّ يُخرِجُهم منها بشفاعةِ مَنْ يأذن له في الشَّفاعة بفضلِ رحمته كما استفاضت بذلك السُّنَّةُ عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم»(٣)، وقال ـ رحمه الله ـ في موضعٍ آخَرَ: «والواجب على كُلِّ مسلمٍ أَنْ يكون حُبُّه وبُغضُهُ، وموالاتُهُ ومعاداتُهُ: تابعًا لأمرِ الله ورسولِهِ، فيُحِبُّ ما أَحبَّهُ اللهُ ورسولُه، ويُبغِضُ ما أَبغضَه اللهُ ورسولُهُ، ويُوالي مَنْ يُوالِي اللهَ ورسولَهُ، ويُعادي مَنْ يُعادي اللهَ ورسولَهُ؛ ومَنْ كان فيه ما يُوالَى عليه مِنْ حسناتٍ وما يُعادَى عليه مِنْ سَيِّئاتٍ عُومِلَ بمُوجَبِ ذلك؛ كفُسَّاقِ أهلِ المِلَّةِ، إذ هم مُستحِقُّون للثَّواب والعقاب، والمُوالاةِ والمُعاداةِ، والحُبِّ والبُغضِ، بحَسَبِ ما فيهم مِنَ البِرِّ والفُجور؛ فإنَّ مَن يَعمَل مِثقَالَ ذرَّةٍ خيرًا يرَهُ، وَمَن يعمَلْ مِثقَالَ ذرَّة شَرًّا يرَهُ؛ وهذا مذهبُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة، بخلاف الخوارجِ والمُعتزلة، وبخلاف المُرجِئَةِ والجَهميَّةِ؛ فإنَّ أولئك يَميلون إلى جانبٍ، وهؤلاء إلى جانبٍ، وأهلُ السُّنَّةِ والجماعة وَسَطٌ»(٤)؛ وقال ـ رحمه الله ـ في مَعرِض كلامه عن المُبتدِعة والعُصَاة: «...وإذا لم يكونوا في نفس الأمر كُفَّارًا لم يكونوا منافقين فيكونون مِنَ المؤمنين، فيُستغفَرُ لهم ويُترحَّمُ عليهم، وإذا قال المؤمن: ﴿رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ[الحشر: ١٠]، يقصد كُلَّ مَنْ سَبَقه مِنْ قُرون الأمَّةِ بالإيمان وإِنْ كان قد أخطأ في تأويلٍ تَأوَّله فخالف السُّنَّةَ أو أَذنبَ ذنبًا، فإنه مِنْ إخوانه الذين سَبَقوه بالإيمان، فيدخل في العموم وإِنْ كان مِنَ الثنتين والسبعين فِرقةً، فإنه ما مِنْ فِرقةٍ إلَّا وفيها خَلْقٌ كثيرٌ ليسوا كُفَّارًا، بل مؤمنين فيهم ضلالٌ وذنبٌ يَستحِقُّون به الوعيدَ كما يَستحِقُّه عُصاةُ المؤمنين»(٥)؛ ولا يخفى أنَّ الأخوة الإيمانيَّةَ والاستغفارَ لهم والترحُّمَ عليهم الذي اندرجوا في عمومه إنما ثبَتَ لهم لأجلِ ما لهم مِنَ الولاء بسبب الإيمان، وإِنِ استحقُّوا معه البغضَ بسبب البِدَع والمعاصي؛ غايةُ ما في الأمرِ أنَّنا لا نُظهِر مُوالاتَهم ليكونَ أَزجرَ عن بِدعَتِهم ومعصِيَتِهم.

ويؤيِّده ما ذكَرَه ابنُ تيميَّةَ رحمه الله ـ أيضًا ـ عن العالِمِ المُتَّقِي إذا اجتهد وأخطأ حيث قال: «وممَّا يتعلَّق بهذا الباب: أَنْ يُعلَم أنَّ الرَّجل العظيمَ في العلم والدِّين، مِنَ الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم إلى يوم القيامة ـ أهلِ البيتِ وغيرِهم ـ قد يحصل منه نوعٌ مِنَ الاجتهاد مقرونًا بالظنِّ ونوعٍ مِنَ الهوى الخفيِّ، فيحصل بسببِ ذلك ما لا ينبغي اتِّباعُه فيه، وإِنْ كان مِنْ أولياء الله المُتَّقِين؛ ومِثلُ هذا إذا وقَعَ يصير فتنةً لطائفتين: طائفةٍ تعظِّمُهُ فتريد تصويبَ ذلك الفعلِ واتِّباعَهُ عليه، وطائفةٍ تَذُمُّه فتجعل ذلك قادحًا في ولايته وتَقْواه، بل في بِرِّه وكونِهِ مِنْ أهل الجَنَّةِ، بل في إيمانه حتَّى تُخرِجهُ عن الإيمان؛ وكِلَا هذين الطَّرَفين فاسدٌ؛ والخوارجُ والرَّوافِضُ وغيرُهم مِنْ ذَوِي الأهواء دخَلَ عليهم الدَّاخلُ مِنْ هذا؛ ومَنْ سَلَكَ طريقَ الاعتدالِ عَظَّمَ مَنْ يستحِقُّ التَّعظيمَ، وأَحبَّهُ ووالاه، وأعطى الحقَّ حَقَّهُ؛ فيُعظِّمُ الحَقَّ، ويرحم الخلقَ؛ ويَعلَمُ أنَّ الرَّجل الواحِدَ تكون له حسناتٌ وسيِّئاتٌ، فيُحمَدُ ويُذَمُّ، ويُثابُ ويُعاقَبُ، ويُحَبُّ مِنْ وجهٍ ويُبْغَضُ مِنْ وَجْهٍ، هذا هو مذهبُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة، خلافًا للخوارج والمُعتزلةِ ومَنْ وافقهم»(٦).

وقد أكَّد ابنُ أبي العزِّ الحنفيُّ ـ رحمه الله ـ هذا المعنى مِنَ الحُبِّ والبُغضِ بحَسَبِ الغالبِ على جوارحه مِنْ مُوجِبات المَحبَّةِ والبُغْضِ، فإِنْ غَلَبَتْ مُوجِباتُ محبَّتِهِ على مُوجِباتِ بُغضِهِ فتزداد مَحبَّتُهُ على بُغضِهِ، وإِنْ غَلَبَتْ مُوجِباتُ بُغضِهِ على مُوجِباتِ مَحَبَّتِهِ فيَزدادُ بُغضُهُ على مَحَبَّتِهِ، ويكون الحُكمُ فيه للغالبِ منهما عليه؛ قال ـ رحمه الله ـ: «والحُبُّ والبُغضُ بحَسَبِ ما فيهم مِنْ خصالِ الخير والشَّرِّ، فإنَّ العبدَ يجتمع فيه سببُ الوَلايةِ وسببُ العداوةِ، والحُبِّ والبُغْضِ، فيكون محبوبًا مِنْ وجهٍ مبغوضًا مِنْ وجهٍ، والحُكمُ للغالب»(٧).

وإذا تَبيَّن أنَّ مستندي في ذلك هو تقريراتُ علماءِ السُّنَّة السابقين؛ فليس في شيءٍ ممَّا ذكرتُه ما يندرج تحت المنهج الأفيحِ لا مِنْ قريبٍ ولا مِنْ بعيدٍ ما دام لا يُفضي إلى ترويج البدعة أو المعصية، ولا يُخِلُّ بالمقصود الذي هو هجرُ السيِّئات، فإنَّ الإفراطَ في ما يُقابِلُه إذا لم ينضبط بحدٍّ قد يخرج بصاحبه إلى منهج الحدَّاديَّة في العلماء، أو مسلكِ الخوارجِ والمعتزلة في مخالفيهم وفي العُصَاة؛ وأهلُ السُّنَّة وسطٌ؛ لا إفراطَ ولا تفريطَ.

علمًا أنَّ أهل السُّنَّةِ يرتِّبون المتلبِّسين بالبدعة على مراتبَ متفاوتةٍ(٨):

ـ فمنهم: مُبتدِعٌ مُجمَعٌ على كُفرِهِ وزندقته، كبدعة الكفر التي نَبَّهَ عليها القرآنُ، وبدعةِ المُنافقين النِّفاقَ الأكبرَ الَّذينَ اتَّخذوا إقرارَهم الظاهريَّ بالدِّين جُنَّةً لحفظِ النَّفس والمَالِ، وكمقالاتِ غُلاة الجهميَّة والقَدَريَّة والمُعتزلة والروافض وغيرها.

ـ ومنهم: مُبتدِعٌ مَعدودٌ مِنْ أهل الفِسقِ والأهواءِ على اختلافٍ أو تفصيلٍ في تكفيره، كبدعةِ عمومِ الخوارج والقَدَريَّة والمُرجئة في أقوالهم ومُعتقَداتهم المُخالِفةِ للأدلَّة الثابتة الصَّريحة.

ـ ومنهم: مُبتدِعٌ مَعدودٌ مِنْ أهل الفِسق والمَعاصي بدون اختلافٍ في عدمِ كونها كفرًا، «كبدعةِ التَّبتُّلِ، والصِّيامِ قائمًا في الشَّمس، والخِصاءِ بقصدِ قطعِ شهوةِ الجِماع»(٩).

ـ ومنهم: واقعٌ في بِدَعٍ صغيرةٍ لا تبلغ حَدَّ الفِسقِ.

وهؤلاء جميعًا ـ وإِنْ كان يَشْمَلُهم لفظُ «أهلِ البِدَع» لِمَا دَلَّتْ عليه الأحاديثُ مِنْ أنَّ كُلَّ مُحدَثٍ في الدِّينِ فهو بدعةٌ، وكُلَّ بدعةٍ فهي ضلالةٌ مردودةٌ؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»(١٠)، وقولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»(١١)، وفي لفظٍ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»(١٢) ـ إلَّا أنَّه ـ مِنْ جهة العدل ـ لا يُسَوَّى بينهم في البُغْضِ ولا في الحُكمِ، بالنَّظر إلى وجودِ فوارقَ مُتفاوِتةٍ بينهم، بل كُلُّ مرتبةٍ منها فهي درجاتٌ أيضًا، بل أصحابُ البدعةِ الواحدةِ قد يتفاوتون فيها، ومَنْ جمَعَ بِدعتَيْن ليس كمَنِ انفرد بواحدةٍ منهما؛ وعليه يظهر ـ جَليًّا ـ أنَّ كُلَّ مُبتدِعٍ ـ مِنْ جهة البُغْضِ ـ إنَّما يُبغَضُ بحَسَبِ قُربِهِ أو بُعدِهِ عن السُّنَّةِ، فإِنْ كان قريبًا منها ينقصُ بغضُه بحَسَبِ مِقدار القُرْبِ، وإِنْ كان بعيدًا عنها فيزيد بُغضُهُ بحَسَبِ مقدارِ البُعدِ؛ والحُكمُ في ذلك للغالب كما تَقدَّم؛ إذ لا يخفى تَفاوُتُ أهلِ البِدَع في درجةِ بُغضِهم بحسَبِ تَفاوُتِهم في انتحالِ اتِّباع السلف، فليسوا على درجةٍ واحدةٍ، فليس الأشاعرةُ وغيرُهم مِنْ متكلِّمةِ الإثبات كالمعتزلة، ولا المعتزلةُ كالجهميَّةِ والرافضة، ولا هؤلاء كالفلاسفة والباطنيَّة(١٣).

وقد ذكَرَ الذَّهبِيُّ ـ رحمه الله ـ في ترجمةِ أبي عبد الله محمَّد بنِ أحمدَ العثمانيِّ المَقدسيِّ الشَّافعيِّ الأشعريِّ هذا المعنى في آخِرِ الترجمةِ بقوله: «غُلَاةُ المعتزلةِ، وغُلاةُ الشِّيعةِ، وغُلاةُ الحنابلة، وغُلاةُ الأشاعرةِ، وغُلاةُ المُرجِئة، وغُلاةُ الجهميَّة، وغُلَاةُ الكرَّاميَّة قد ماجت بهم الدنيا وكَثُروا، وفيهم أذكياءُ وعُبَّادٌ وعُلَماءُ؛ نسأل اللهَ العفوَ والمَغفرةَ لأهلِ التَّوحيد، ونبرأُ إلى اللهِ مِنَ الهوى والبِدَعِ، ونُحِبُّ السُّنَّةَ وأهلها، ونحبُّ العالِمَ على ما فيه مِنَ الاتِّباع والصِّفات الحميدةِ، ولا نُحِبُّ ما ابتدع فيه بتأويلٍ سائغٍ، وإنَّما العِبرةُ بكثرة المَحاسنِ»(١٤).

هذا، ولا شكَّ أنَّ ترك السَّلام على أهل البِدَع والمَعاصي مشروعٌ للنُّصوص الحديثيَّة، وأنَّه مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم وعملِ السَّلفِ، إلَّا أنَّ السَّلامَ عليهم ليس مُحرَّمًا لذاته، ولا تركُه هو السبيل المسلوك دائمًا، فقَدْ كان النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم يهجر أقوامًا ويتألَّف آخَرِين كما مضى الكلامُ عليه مُفصَّلًا ومُدلَّلًا في فتوَى سابقةٍ(١٥)، وإنَّما يُتَّخَذُ تركُه ذريعةً مِنْ أجلِ التَّأديبِ والزَّجرِ والتَّبرِّي والوقاية، مِنْ بابِ إماطةِ أذَى المُبتدِع وبِدعتِه عن طريق المسلمين، واتِّخاذًا للعُذر عند الله بالبلاغ، وخروجًا عن إثم السكوت والرِّضى بالبدعة؛ وهذا يختلف باختلافِ درجةِ المُبتدِعِ وحالِهِ، وقوَّةِ البدعة والسُّنَّةِ في البلد وغيرِ ذلك:

فإِنْ كان المُبتدِعُ مُجمَعًا على كفرِه فإنَّ حُكمَه ـ في السَّلام ـ كحُكمِ الكافرِ الأصليِّ، وهو تحريمُ ابتدائهم بالسَّلام ووجوبُ الرَّدِّ عليهم إذا ألقَوُا السَّلامَ بقوله لهم: «وعليكم» أو «عليكم» بدون واوٍ إِنْ شكَّ أنهم يَدْعون عليه حتَّى يَنفرِدُوا بمضمونِ دعوتهم دونه، وعلى هذا قولُ عامَّةِ السَّلف وأكثرِ أهل العلم على ما حكاه النَّوويُّ(١٦)، لِمَا ثبَتَ مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم قال: «لَا تَبْدَءُوا اليَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ»(١٧)، وقولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ»(١٨).

وأمَّا المُبتدِعُ المسلمُ الَّذي لم تَصِلْ بدعتُهُ إلى حَدِّ الكُفرِ فيُشرَعُ في حَقِّهِ السَّلامُ ابتداءً وردًّا؛ لأنَّ السَّلام على أهل الأهواءِ والبِدَعِ والمَعاصي ليس محرَّمًا في ذاته، فهذا لم يَقُلْ به أحَدٌ مِنَ السَّلف، إذ السَّلامُ معدودٌ مِنْ جُملةِ حقوقِ المُسلِمِ على أخيه المُسلِمِ، وقد عَلَّقه النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم على وصفِ الإسلام مُطلَقًا بغضِّ النَّظرِ عن بدعته ومعصِيَتِه، في قوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ»(١٩)، وفي روايةٍ أخرى: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ سِتٌّ» قِيلَ: «مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟» قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ..» الحديث(٢٠)؛ فالشَّاهد مِنَ الرِّوايتين أنَّ الأُولَى تُثبِتُ حَقَّهُ في رَدِّ السَّلام، والثَّانيةَ تُثبِتُ حَقَّهُ في ابتدائه بالسَّلام.

هذا، وإنَّما شُرِعَ تركُ السَّلامِ على أهل البِدَع والمَعاصي وهجرُهم ـ في الجُملة ـ لأجلِ مصلحةٍ راجحةٍ مُتمثِّلةٍ في عقوبتهم بالزَّجْرِ والتَّأديبِ والهجرِ على بِدَعهِمْ ومَعاصِيهم تقصُّدًا للرُّجوع بهم إلى جادَّةِ السُّنَّةِ، زجرًا لهم ولغيرهم، ووقايةً للهاجر ولغيره؛ وعليه فإنَّهُ لَمَّا كان بُغضُ المُبتدِع في الله ـ بهذا المَعنى ـ أمرًا سائغًا في الدِّين فقَدْ لَزِم لتحقيقه تركُ السَّلامِ عليه لئلَّا يُخِلَّ بالحكمة الَّتي مِنْ أجلها شُرِع الهجرُ، كما أنَّ ذلك قد يُفضي إلى مَحبَّته مِنْ كُلِّ وجهٍ، بينما الواجبُ في حقِّه أَنْ يُحَبَّ مِنْ جهةِ طاعته ويُبغَضَ مِنْ جهةِ مَعصِيَتِه، والأصلُ أَنْ لا تُظهَر محبَّتُه ترجيحًا لإظهارِ جانب البغضِ ليكون ذلك أزجرَ له ولغيره، وذلك لأنَّ السَّلامَ عليهم وإفشاءَه بينهم مِنَ الأسبابِ الجالبةِ لِمَحبَّتهم وحُسنِ الظنِّ بهم، ولهذا اشتُهِر عن الإمام أحمدَ ـ رحمه الله ـ القولُ بترك السَّلام على أهل البِدَع وإِنْ كانوا مسلمين، كما أنَّه قال ـ رحمه الله ـ: «إذا سَلَّم الرَّجُلُ على المُبتدِع فهو يُحِبُّهُ، قال النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»(٢١)»(٢٢)، وهذا القولُ إنَّما يُستشهَدُ به في مقامِ ترك السَّلامِ لتحقيقِ المَصلحة الرَّاجحةِ على حقِّ المُسلم على المُسلم، وذلك عند مُوجِبِ ترجيح الهجرِ على التأليف ردعًا للمُبتدِعِ لتقويمِ اعوجاجِه؛ قال ابنُ رسلان: «وكذا يُستحَبُّ تركُ السَّلامِ على أهل البِدَعِ والمعاصِي الظَّاهرةِ تحقيرًا لهم وزجرًا؛ ولذلك قال كعبُ بنُ مالكٍ: فَسلَّمْتُ عليه [أي: على النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم]، فواللَّهِ ما ردَّ السَّلامَ عليَّ»(٢٣)؛ وليس ذلك هو السبيلَ المسلوكَ على الإطلاقِ والدَّوامِ؛ لأنَّه قد ثبَتَ ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ عن الإمام أحمدَ أنَّه أفتى بجواز السَّلامِ على بعضِ أهل البِدَع، فقَدْ روى عنه أبو داود ـ رحمه الله ـ قال: «قلتُ لأحمد: «لنا أقاربُ بخُراسانَ يَرَوْنَ الإرجاءَ، فنكتبُ إلى خراسانَ: نُقرِئهُمُ السَّلامَ؟» قال: «سبحانَ اللهِ، لِمَ لا تُقرِئُهُم؟!»، قُلْتُ لِأَحْمَدَ: «نُكَلِّمُهُمْ؟» قَالَ: «نَعَمْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ دَاعِيًا وَيُخَاصِمُ فِيهِ»»(٢٤)، وهذا ما يُؤكِّدُ أنَّ تَرْكَ السَّلامِ على أهل البِدَعِ والأهواءِ والمَعاصي إنَّما هو لِمَصلحةٍ راجحةٍ ـ كما تقدَّم ـ مُتمثِّلةٍ في العقوبةِ والزَّجرِ والتَّأديب والتَّبرِّي، وهذه جميعًا وغيرُها هي مِنْ وسائل هِجران أهلِ البِدَع؛ قال الشَّاطبيُّ ـ رحمه الله ـ: «... الهِجرانُ وتركُ الكلامِ والسَّلامِ حَسَبَما تقدَّم عن جُملةٍ مِنَ السَّلَفِ في هِجرانهم لِمَنْ تَلبَّس ببدعةٍ»(٢٥).

هذا، وأخيرًا، أنصحُ المُعترِضَ أَنْ لا يبنيَ اعتقادَهُ في هذه المَسألةِ على أنَّ حُكْمَ السَّلامِ على أهل البِدَعِ والعُصاةِ مِنَ المُسلمينَ حرامٌ لذاتِهِ مُطلَقًا فيَلتزِمَ تَرْكَه دائمًا وأبدًا ويُلزِمَ به غيرَه، فيكونَ بذلك مُخالِفًا للنُّصوص المُقرِّرةِ لحقِّ المُسلِمِ على المُسلِمِ مِنْ جهةٍ، ويُنافيَ ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ حكمةَ التَّشريعِ المُتمثِّلةَ في سلوكِ مسلكِ الهجر عندما يترجَّح ـ في تقديره ـ على مسلك التأليف، وفي سلوكِ مسلك التأليف عندما تقتضيه المصلحةُ الشرعيَّةُ الراجحة؛ علمًا أنَّ العقوبة والهجر والتأديب ـ في الأصل ـ هي وسائلُ إلى استصلاح الفرد أو المجتمع على سبيل الإحسان إليه، وهي مِنْ نصرة الأخ المسلم على نفسه؛ فإنَّ هَجْرَ المُبتدِعِ وتَرْكَ التسليمِ عليه هو مِنْ باب عدمِ الإظهار لجانب المحبَّة ترجيحًا لجانب البغض بسببِ البدعة أو المعصية لعلَّه يرجع عنها وزجرًا له ولغيره على سبيل الإحسان إلى العاصي وغيرِه، وإماطةً للأذى عن طريق الناس كما سيأتي مِنْ كلام ابنِ تيميَّة؛ علمًا أنَّ الهجرَ لا يكون مشروعًا بصورةٍ دائمةٍ، وإنَّما يُشرَعُ اختيارُه أسلوبَ ردعٍ، تقصُّدًا لإرجاعِ المُبتدِعِ إلى رحابِ السُّنَّةِ وطريقِ الاستقامة، ولا يُشرَعُ تركُ السَّلامِ حالَ اختيارِ أسلوبِ التَّأليفِ للوصولِ إلى هذا المَقصِد ـ كما سبق وأَنْ بَيَّنتُ ذلك في اعتراضاتٍ سابقةٍ ـ(٢٦).

لذلك كان على المُعترِضِ أَنْ يحتاط لنفسه فلا يُلقِيَ الكلامَ على عواهنه فيحكمَ على هذا المسلكِ بهذا الاتِّهامِ والحكم الشديد بقوله: «وهذا تأصيلٌ للمنهج الأفيحِ حيث إنَّه دعوةٌ إلى حُبِّ أهلِ البِدَعِ ـ غيرِ المُكفِّرة ـ ما داموا تحت دائرة الإسلام الواسعة مهما بَلَغَتْ بدعتُهم شناعةً وإِنْ كانوا شِيعةً أو خوارجَ، وهذا مسلكٌ بعيدٌ كُلَّ البُعدِ عن منهج السَّلف الصَّالح في مُعامَلتِهم لأهل البِدَع»؛ لا سيَّما أنَّ المُعترِضَ لم يأتِ بوجهٍ يكون فيه حكمُه بهذه الشناعةِ قاصرًا عليَّ دون أَنْ ينسحب مضمونُه على سَلَفي فيه، خاصَّةً أنَّ ابنَ تيميَّة يذكر هذا مِرارًا في مواضعَ مِنْ كُتُبِه عن أحمدَ بنِ حنبلٍ وغيرِه مِنَ السلف إلى الصحابة وهُم سلفي وسلفُه في هذا، فإِنْ كان لا ينشط إلى الرجوع إلى كلامِ ابنِ تيمية وسِيَاقه وسِباقه ولِحاقه لِيَستجليَ ما فيه ولِيَعلمَ وجهَه، فلا أقلَّ مِنْ أَنْ يجعل اعتراضَه استفسارًا أو إيرادًا لِتَفهُّمِ وجهِه، وبألطفِ العباراتِ وأحسنِها؛ لا جزمًا منه بالاتِّهام والشناعة.

مع التَّنبيه إلى أنَّه ـ كما ينبغي على السلفيِّ أَنْ ينفر مِنَ المنهج الأفيح المذموم الذي يقوم على إظهار المودَّة والموالاة لأهل البِدَع بغرض التعاون معهم دون تحرٍّ للبِرِّ والتقوى مع التغاضي عن مخالفاتهم وبدعهم ـ فإنَّ عليه ـ أيضًا ـ أَنْ ينفرَ مِنَ المنهج الحدَّاديِّ الذي يجحد فضلَ أهلِ الفضل لأجلِ ما زلَّتْ به أقدامُهم، وقلَّما نجا مِنْ ذلك أحَدٌ مِنَ المتأخِّرين كما ذكَرَه ابنُ القيِّم وغيرُه؛ وإنَّما عليه أَنْ يسلك النَّمطَ الوسطَ، ويجانب الوكسَ والشطط.

وأختم بكلامٍ لابنِ تيميَّة ـ رحمه الله ـ وأُورِدُه بطوله، لِمَا فيه مِنْ شفاءِ القلبِ وراحةِ النَّفسِ فيما يتعلَّق بهذه المسألةِ وما تقدَّم مِنَ المسائلِ في الاعتراضات السابقةِ لمَنْ كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيدٌ؛ قال ـ رحمه الله ـ: «واعْلَمْ أنَّه لا منافاةَ بين عقوبة الإنسان في الدنيا على ذنبِه وبين الصلاةِ عليه والاستغفارِ له؛ فإنَّ الزَّانيَ والسَّارقَ والشَّاربَ وغيرَهم مِنَ العُصاة تُقامُ عليهم الحدودُ، ومع هذا فيُحسَن إليهم بالدعاء لهم في دِينِهم ودُنْياهم؛ فإنَّ العقوباتِ الشرعيَّةَ إنما شُرِعَتْ رحمةً مِنَ الله بعباده؛ فهي صادرةٌ عن رحمةِ الله وإرادةِ الإحسان إليهم؛ ولهذا ينبغي لمَنْ يُعاقِب الناسَ على الذنوب أَنْ يقصد بذلك الإحسانَ إليهم والرحمةَ لهم، كما يقصد الوالدُ تأديبَ ولدِه، وكما يقصد الطبيبُ معالجةَ المريض؛ فإنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم قال: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الوَالِدِ»(٢٧)، وقد قال تعالى: ﴿ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡ[الأحزاب: ٦]، وفي قراءةِ أُبَيٍّ: «وهو أبٌ لهم»، والقراءةُ المشهورة تدلُّ على ذلك، فإنَّ نساءه إنَّما كُنَّ أُمَّهاتِ المؤمنين تَبَعًا له، فلولا أنه كالأب لم يكن نساؤه كالأُمَّهات، والأنبياءُ أَطِبَّاءُ الدِّين، والقرآنُ أَنزلَه اللهُ شفاءً لِمَا في الصدور، فالذي يُعاقِبُ الناسَ عقوبةً شرعيَّةً إنما هو نائبٌ عنه وخليفةٌ له، فعليه أَنْ يفعلَ كما يفعلُ على الوجه الذي فعل، ولهذا قال تعالى: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ[آل عمران: ١١٠]، قال أبو هريرة: «كُنتم خيرَ النَّاسِ للنَّاس: تأتون بهم في الأقياد والسلاسل: تُدخِلُونهم الجنَّةَ»(٢٨): أَخبرَ أنَّ هذه الأُمَّةَ خيرُ الأُمَمِ لبني آدَمَ؛ فإنهم يُعاقِبُونهم بالقتل والأسر، ومقصودُهم بذلك الإحسانُ إليهم وسَوْقُهم إلى كرامة الله ورضوانِه وإلى دخول الجنَّة؛ وهكذا الردُّ على أهل البِدَع مِنَ الرافضة وغيرِهم: إِنْ لم يقصد فيه بيانَ الحقِّ وهُدَى الخَلْقِ ورحمَتَهم والإحسانَ إليهم لم يكن عملُه صالحًا؛ وإذا غلَّظ في ذمِّ بدعةٍ ومعصيةٍ كان قصدُه بيانَ ما فيها مِنَ الفساد لِيَحذرَها العبادُ كما في نصوص الوعيد وغيرها، وقد يهجر الرَّجلَ عقوبةً وتعزيزًا والمقصودُ بذلك ردعُه وردعُ أمثالِه للرحمة والإحسان لا للتَّشفِّي والانتقام، كما هجَرَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أصحابَه الثلاثةَ الذين خُلِّفوا لمَّا جاء المتخلِّفون عن الغَزَاةِ يعتذرون ويحلفون وكانوا يكذبون، وهؤلاء الثلاثةُ صَدَقوا وعُوقِبوا بالهجر ثمَّ تاب اللهُ عليهم ببَرَكةِ الصدق؛ وهذا مبنيٌّ على مسألتين:

إحداهما: أنَّ الذنب لا يُوجِبُ كُفْرَ صاحبِه كما تقوله الخوارجُ، بل ولا تخليدَه في النار ومَنْعَ الشفاعةِ فيه كما يقوله المعتزلةُ.

الثاني: أنَّ المتأوِّلَ الذي قصدُه متابعةُ الرسول لا يُكفَّر بل ولا يُفسَّق إذا اجتهد فأَخطأَ، وهذا مشهورٌ عند الناس في المسائل العمليَّة، وأمَّا مسائلُ العقائدِ فكثيرٌ مِنَ الناس كفَّر المُخطِئين فيها، وهذا القولُ لا يُعرَف عن أحَدٍ مِنَ الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ ولا عن أحَدٍ مِنْ أئمَّةِ المسلمين، وإنما هو ـ في الأصل ـ مِنْ أقوالِ أهل البِدَع الذين يبتدعون بدعةً ويُكفِّرون مَنْ خالفهم كالخوارج والمعتزلة والجهميَّة، ووقَعَ ذلك في كثيرٍ مِنْ أتباع الأئمَّةِ كبعضِ أصحابِ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ وغيرِهم، وقد يسلكون في التكفيرِ ذلك، فمنهم مَنْ يُكفِّر أهلَ البِدَع مُطلَقًا ثمَّ يجعل كُلَّ مَنْ خرَجَ عمَّا هو عليه مِنْ أهل البِدَع، وهذا بِعَيْنه قولُ الخوارج والمعتزلة والجهميَّة، وهذا القولُ ـ أيضًا ـ يُوجَدُ في طائفةٍ مِنْ أصحاب الأئمَّة الأربعة، وليس هو قولَ الأئمَّةِ الأربعة ولا غيرِهم، وليس فيهم مَنْ كفَّر كُلَّ مُبتدِعٍ، بل المنقولاتُ الصريحة عنهم تُناقِضُ ذلك، ولكِنْ قد يُنقَل عن أحَدِهم أنه كفَّر مَنْ قال بعضَ الأقوال، ويكون مقصودُه أنَّ هذا القولَ كفرٌ لِيُحذَر، ولا يَلْزَمُ ـ إذا كان القولُ كفرًا ـ أَنْ يكفر كُلُّ مَنْ قالَهُ مع الجهل والتأويل، فإنَّ ثبوت الكفر في حقِّ الشخص المعيَّن كثبوت الوعيد في الآخرة في حقِّه، وذلك له شروطٌ وموانعُ كما بسَطْناه في موضعه، وإذا لم يكونوا في نفس الأمر كُفَّارًا لم يكونوا منافقين فيكونون مِنَ المؤمنين، فيُستغفَرُ لهم ويُترحَّمُ عليهم، وإذا قال المؤمن: ﴿رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ[الحشر: ١٠] يقصد كُلَّ مَنْ سَبَقه مِنْ قُرون الأمَّةِ بالإيمان وإِنْ كان قد أخطأ في تأويلٍ تَأوَّله فخالف السُّنَّةَ أو أَذنبَ ذنبًا، فإنه مِنْ إخوانه الذين سَبَقوه بالإيمان، فيدخل في العموم وإِنْ كان مِنَ الثِّنْتَيْن والسبعين فِرقةً، فإنه ما مِنْ فِرقةٍ إلَّا وفيها خَلْقٌ كثيرٌ ليسوا كُفَّارًا، بل مؤمنين فيهم ضلالٌ وذنبٌ يَستحِقُّون به الوعيدَ كما يَستحِقُّه عُصاةُ المؤمنين، والنبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم لم يُخرِجْهم مِنَ الإسلام، بل جعَلَهم مِنْ أُمَّته، ولم يقل: إنهم يخلدون في النار، فهذا أصلٌ عظيمٌ ينبغي مراعاتُه، فإنَّ كثيرًا مِنَ المنتسبين إلى السُّنَّة فيهم بدعةٌ مِنْ جنس بِدَع الرافضة والخوارج، وأصحابُ الرسول صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم ـ عليُّ بنُ أبي طالبٍ وغيرُه ـ لم يكفِّروا الخوارجَ الذين قاتلوهم، بل أوَّلَ ما خرجوا عليه وتحيَّزوا بحَرُوراءَ وخرجوا عن الطاعة والجماعةِ قال لهم عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضي الله عنه: «إنَّ لكم علينا أَنْ لا نمنعَكم مساجدَنا، ولا حقَّكم مِنَ الفيء»، ثمَّ أَرسلَ إليهم ابنَ عبَّاسٍ فناظرهم، فرجع نحوُ نصفِهم ثمَّ قاتل الباقيَ وغلَبَهم، ومع هذا لم يَسْبِ لهم ذُرِّيَّةً ولا غَنِمَ لهم مالًا ولا سار فيهم سيرةَ الصحابة في المُرتدِّين كمُسَيْلِمَةَ الكذَّابِ وأمثالِه، بل كانت سيرةُ عليٍّ والصحابةِ في الخوارج مُخالِفةً لسيرة الصحابة في أهل الرِّدَّة، ولم يُنكِرْ أحَدٌ على عليٍّ ذلك، فعُلِم اتِّفاقُ الصحابة على أنهم لم يكونوا مُرتدِّين عن دِين الإسلام؛ قال الإمام محمَّد بنُ نصرٍ المروزيُّ: وقد وَلِيَ عليٌّ رضي الله عنه قِتالَ أهلِ البغي، وروى عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم فيهم ما روى، وسمَّاهم مؤمنين، وحكَمَ فيهم بأحكام المؤمنين، وكذلك عمَّار بنُ ياسرٍ...

وممَّا يدلُّ على أنَّ الصحابة لم يُكفِّروا الخوارجَ: أنهم كانوا يُصَلُّون خلفهم، وكان عبد الله بنُ عمر رضي الله عنه وغيرُه مِنَ الصحابة يُصَلُّون خلف نجدةَ الحروريِّ، وكانوا ـ أيضًا ـ يحدِّثونهم ويُفتونهم ويخاطبونهم كما يخاطب المسلمُ المسلمَ، كما كان عبد الله بنُ عبَّاسٍ يجيب نجدةَ الحروريَّ لمَّا أَرسلَ إليه يسأله عن مسائلَ، وحديثُه في البخاريِّ؛ وكما أجاب نافعَ بنَ الأزرق عن مسائلَ مشهورةٍ، وكان نافعٌ يناظره في أشياءَ بالقرآن كما يتناظر المسلمان؛ وما زالت سيرةُ المسلمين على هذا: ما جعلوهم مُرتدِّين كالذين قاتلهم الصِّدِّيقُ رضي الله عنه، هذا مع أمرِ رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم بقتالهم في الأحاديث الصحيحة، وما رُوِي مِنْ أنهم «شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، خَيْرُ قَتِيلٍ مَنْ قَتَلُوهُ» في الحديث الذي رواه أبو أمامة: رواه الترمذيُّ وغيرُه(٢٩)، أي: أنهم شرٌّ على المسلمين مِنْ غيرهم، فإنهم لم يكن أحَدٌ شرًّا على المسلمين منهم، لا اليهودُ ولا النصارى، فإنهم كانوا مجتهدين في قتلِ كُلِّ مسلمٍ لم يوافقهم، مُستحِلِّين لِدِماء المسلمين وأموالِهم وقتلِ أولادهم، مكفِّرين لهم، وكانوا متديِّنين بذلك لِعِظَمِ جهلِهم وبِدعتِهم المُضِلَّة؛ ومع هذا فالصحابةُ رضي الله عنهم والتابعون لهم بإحسانٍ لم يكفِّروهم ولا جعلوهم مرتدِّين، ولا اعتدَوْا عليهم بقولٍ ولا فعلٍ، بل اتَّقَوُا اللهَ فيهم وساروا فيهم السِّيرةَ العادلةَ، وهكذا سائرُ فِرَقِ أهل البِدَعِ والأهواء مِنَ الشِّيعة والمعتزلة وغيرِهم؛ فمَنْ كفَّر الثِّنْتَيْن والسبعين فِرقةً كُلَّهم فقَدْ خالف الكتابَ والسُّنَّةَ وإجماعَ الصحابةِ والتابعين لهم بإحسانٍ؛ مع أنَّ حديث الثِّنْتَيْن والسبعين فِرقةً ليس في الصحيحين، وقد ضعَّفه ابنُ حزمٍ وغيرُه، لكِنْ حسَّنه غيرُه أو صحَّحه كما صحَّحه الحاكمُ وغيرُه، وقد رواه أهلُ السُّنَنِ ورُوِيَ مِنْ طُرُقٍ؛ وليس قولُه: «ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الجَنَّةِ»(٣٠) بأَعظَمَ مِنْ قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا ١٠[النساء]، وقولِه: ﴿وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ عُدۡوَٰنٗا وَظُلۡمٗا فَسَوۡفَ نُصۡلِيهِ نَارٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا ٣٠[النساء]، وأمثالِ ذلك مِنَ النصوص الصريحة بدخولِ مَنْ فعَلَ ذلك النارَ، ومع هذا فلا نشهد لمعيَّنٍ بالنار، لإمكانِ أنه تاب أو كانت له حسناتٌ محَتْ سيِّئاتِه أو كفَّر اللهُ عنه بمَصائِبَ أو غيرِ ذلك كما تَقدَّم، بل المؤمن بالله ورسولِه باطنًا وظاهرًا الذي قصَدَ اتِّباعَ الحقِّ وما جاء به الرسولُ إذا أخطأ ولم يعرف الحقَّ كان أَوْلَى أَنْ يعذره اللهُ في الآخرة مِنَ المتعمِّد العالم بالذنب، فإنَّ هذا عاصٍ مُستحِقٌّ للعذاب بلا ريبٍ، وأمَّا ذلك فليس متعمِّدًا للذنب، بل هو مخطئٌ، واللهُ قد تَجاوزَ لهذه الأمَّةِ عن الخطإ والنسيان؛ والعقوبةُ في الدنيا تكون لِدَفعِ ضرره عن المسلمين وإِنْ كان في الآخرة خيرًا ممَّنْ لم يُعاقَبْ، كما يُعاقَبُ المسلمُ المتعدِّي للحدود ولا يُعاقَبُ أهلُ الذِّمَّةِ مِنَ اليهود والنصارى، والمسلمُ في الآخرة خيرٌ منهم؛ وأيضًا فصاحبُ البدعةِ يبقى صاحِبَ هوًى يعمل لِهَواه لا دِيانةً، ويصدر [كذا، ولعلَّ الصوابَ: يصدف] عن الحقِّ الذي يخالفه هواه، فهذا يعاقبه اللهُ على هواه، ومِثلُ هذا يستحِقُّ العقوبةَ في الدنيا والآخرة، ومَنْ فسَّق مِنَ السلفِ الخوارجَ ونحوَهم كما رُوِي عن سعد بنِ أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه أنه قال فيهم قولَه تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٦ ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٢٧[البقرة]، فقَدْ يكون هذا قَصْدَه، لا سِيَّما إذا تَفرَّق الناسُ فكان ممَّنْ يطلب الرياسةَ له ولأصحابه؛ وإذا كان المسلمُ الذي يقاتل الكُفَّارَ قد يقاتلهم شجاعةً وحميَّةً ورياءً وذلك ليس في سبيل الله، فكيف بأهل البِدَع الذين يخاصمون ويقاتلون عليها؟! فإنهم يفعلون ذلك شجاعةً وحميَّةً، وربَّما يُعاقَبون لمَّا اتَّبعوا أهواءَهم بغيرِ هدًى مِنَ الله، لا لمجرَّدِ الخطإ الذي اجتهدوا فيه؛ ولهذا قال الشافعيُّ: «لَأَنْ أَتكلَّمَ في علمٍ يقال لي فيه: أَخطَأْتَ أَحبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أتكلَّمَ في علمٍ يقال لي فيه: كفَرْتَ»؛ فمِنْ عيوبِ أهل البِدَعِ تكفيرُ بعضِهم بعضًا، ومِنْ مَمادِحِ أهل العلم أنهم يُخطِّئون ولا يُكفِّرون، وسببُ ذلك: أنَّ أحَدَهم قد يظنُّ ما ليس بكفرٍ كفرًا، وقد يكون كفرًا لأنه تَبيَّن له أنه تكذيبٌ للرسول وسبٌّ للخالق، والآخَرُ لم يتبيَّنْ له ذلك، فلا يَلْزَمُ ـ إذا كان هذا العالمُ بحاله يكفرُ إذا قاله ـ أَنْ يكفر مَنْ لم يعلم بحاله»(٣١).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٤ شوَّال ١٤٤٣هـ
المُوافق ﻟ: ١٥ ماي ٢٠٢٢م

 



(١) كذا في الأصل، ولعلَّ الصوابَ الذي يستقيم معناه ويطابق مذهبَ الخوارج والمعتزلة: «إلَّا».

(٢) كذا في الأصل، ولعلَّ الصوابَ: «وإلَّا».

(٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيميَّة (٢٨/ ٢٠٩ ـ ٢١٠).

(٤) «مجموع الفتاوى» لابن تيميَّة (٣٥/ ٩٤ ـ ٩٥).

(٥) «منهاج السُّنَّة النبويَّة» لابن تيميَّة (٥/ ٢٤٠ ـ ٢٤١).

(٦) «منهاج السُّنَّة النبويَّة» لابن تيميَّة (٤/ ٥٤٣ ـ ٥٤٤).

(٧) «شرح العقيدة الطحاويَّة» لابن أبي العزِّ (٤٣٣).

(٨) انظر: «الاعتصام» للشاطبي (٢/ ٣٧)، «الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد» للفوزان (٣٦٧).

(٩) «الاعتصام» للشاطبي (٢/ ٣٧).

(١٠) أخرجه أبو داود في «السُّنَّة» (٤٦٠٧) بابٌ في لزوم السُّنَّة، والترمذيُّ في «العلم» (٢٦٧٦) بابُ ما جاء في الأخذ بالسُّنَّة واجتنابِ البِدَع، وابنُ ماجه في «المقدِّمة» بابُ اتِّباعِ سُنَّةِ الخلفاء الراشدين المهديِّين (٤٢)، مِنْ حديثِ العرباض بنِ سارية رضي الله عنه. والحديث صحَّحه ابنُ المُلقِّن في «البدر المنير» (٩/ ٥٨٢)، والألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٢٧٣٥)، وشعيب الأرناؤوط في «تحقيقه لمسند أحمد» (٢٨/ ٣٧٣، ٣٧٥)، وحسَّنه الوادعيُّ في «الصحيح المُسنَد» (٩٣٨).

(١١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه ـ بهذا اللفظ ـ مسلمٌ في «الأقضية» (١٧١٨) بابُ نقضِ الأحكام الباطلة وردِّ مُحدَثاتِ الأمور، والبخاريُّ في «الصُّلح» (٢٦٩٧) باب: إذا اصطلحوا على صُلْحِ جَوْرٍ فالصلحُ مردودٌ بلفظ: «...مَا لَيْسَ فِيهِ...»، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(١٢) أخرجه مسلمٌ في «الأقضية» (١٧١٨) بابُ نقضِ الأحكام الباطلة وردِّ مُحدَثاتِ الأمور، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(١٣) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيميَّة (٤/ ١٥٥ ـ ١٥٦).

(١٤) «سِيَر أعلام النُّبَلاء» للذهبي (٢٠/ ٤٥ ـ ٤٦).

(١٥) انظر الفتوى رقم: (١٢٨٧) الموسومة ﺑ: «الجواب عن الاعتراض على مراعاة المقاصد الشَّرعيَّةِ للهجرِ» على الموقع الرسميِّ.

(١٦) انظر: «شرح مسلم» للنووي (١٤/ ١٤٥).

(١٧) أخرجه مسلمٌ في «السلام» (٢١٦٧) بابُ النهي عن ابتداءِ أهل الكتاب بالسلام وكيف يُرَدُّ عليهم؟

(١٨) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الاستئذان» (٦٢٥٨) باب: كيف يُرَدُّ على أهل الذِّمَّة السلامُ؟ ومسلمٌ في «السلام» (٢١٦٣) باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يُرَدُّ عليهم؟ مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه.

(١٩) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الجنائز» (١٢٤٠) باب الأمر باتِّباع الجنائز، ومسلمٌ في «السلام» (٢١٦٢) باب: مِنْ حقِّ المسلم للمسلم: ردُّ السلام، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢٠) أخرجه مسلمٌ في «السلام» (٢١٦٢) باب: مِنْ حقِّ المسلم للمسلم: ردُّ السلام، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢١) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (٥٤) بابُ بيانِ أنه لا يدخل الجنَّةَ إلَّا المؤمنون، وأنَّ محبَّةَ المؤمنين مِنَ الإيمان، وأنَّ إفشاء السلام سببٌ لحصولها، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢٢) انظر: «طبقات الحنابلة» لابن أبي يعلى (١/ ١٩٦)، «بدائع الفوائد» لابن القيِّم (٣/ ١٠٤)، «الآداب الشرعيَّة» لابن مُفلِح (١/ ٢٣٣).

(٢٣) «شرح سنن أبي داود» لابن رسلان (١٦/ ٢٩٢).

(٢٤) «مسائل الإمام أحمد» ـ رواية أبي داود السجستاني ـ ٦٧).

(٢٥) «الاعتصام» للشاطبي (١/ ١٧٥).

(٢٦) انظر الفتوى رقم: (١٢٨٧) الموسومة ﺑ: «الجواب عن الاعتراض على مراعاة المقاصد الشَّرعيَّةِ للهجرِ» على الموقع الرسميِّ.

(٢٧) أخرجه أبو داود في «الطهارة» بابُ كراهِيَةِ استقبال القِبلة عند قضاء الحاجة (٨)، والنسائيُّ في «الطهارة» باب النهي عن الاستطابة بالرَّوْث (٤٠)، وابنُ ماجه في «الطهارة وسُنَنِها» باب الاستنجاء بالحجارة، والنهيِ عن الرَّوْث والرِّمَّة (٣١٣)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٢٣٤٦).

(٢٨) أخرجه البخاريُّ في «التفسير» باب: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ[آل عمران: ١١٠] (٤٥٥٧) موقوفًا على أبي هريرة رضي الله عنه. ولفظُه: «خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ: تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلاَسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الإِسْلَامِ».

(٢٩) أخرجه الترمذيُّ في «التفسير» باب: ومِنْ سورةِ آلِ عِمران (٣٠٠٠)، وابنُ ماجه في «المقدِّمة» بابٌ في ذِكر الخوارج (١٧٦)، مِنْ حديثِ أبي أمامة الباهليِّ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في تحقيقِ «مشكاة المصابيح» للخطيب التبريزي (٣٥٥٤).

(٣٠) أخرجه بهذا اللفظِ أبو داود في «السُّنَّة» بابُ شرحِ السُّنَّة (٤٥٩٧) مِنْ حديثِ معاويةَ بنِ أبي سفيان رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٢٠٤) وفي «صحيح الجامع» (٢٦٤١). وهو واردٌ عن جمعٍ مِنَ الصحابةِ بألفاظٍ أخرى.

(٣١) «منهاج السُّنَّة النبويَّة» لابن تيميَّة (٥/ ٢٣٧ ـ ٢٥١).

ولإتمام الفائدة انظر الفتوى رقم: (١٢٧٩) الموسومة ﺑ: «الجواب عن الاعتراضِ على حُكمِ المُتلبِّسِ بالبدعةِ» على الموقع الرسميِّ، وإِنْ شِئتَ فانظر ـ أيضًا ـ الفتاوى المُحالَ عليها في الهامش.