بين المَلِكِ والمَالِكِ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 20 المحرم 1444 هـ الموافق لـ 18 أغسطس 2022 م



بين المَلِكِ والمَالِكِ

المُلك: معروفٌ وهو يذكَّر ويؤنَّث كالسلطان، ومُلكُ الله تعالى وملكوته: سلطانُه وعظمته وعزَّته.

قال ابن سيده: المَلْك والمُلك والمِلك: احتواء الشيء والقدرةُ على الاستبداد به.

والمَلِك هو: المتصرِّف في الأشياء حَسَب إرادته ومشيئته، لا رادَّ لأمره ولا معقِّبَ لحُكمه

قال الراغب: «الملك هو: المتصرِّف بالأمر والنهي».

وقال الزجَّاج: «قال أصحاب المعاني: الملك: النافذ الأمرِ في مُلكه، إذ ليس كلُّ مالكٍ ينفذ أمرُه وتصرُّفه فيما يملكه، فالمَلِك أعمُّ من المالك، والله ـ تعالى ـ مالك المالكين كلِّهم، إنما استفادوا التصرُّفَ في أملاكهم من جهته تعالى».

وقال الطبري: «ولا خلاف بين جميع أهل المعرفة بلغات العرب أنَّ المَلِك من المُلك مشتقٌّ؛ وأنَّ المالك من المِلك مأخوذٌ، فتأويل قراءة من قرأ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أنَّ لله المُلك يوم الدين خالصًا دون جميع خلقه الذين كانوا قبل ذلك في الدنيا ملوكًا جبابرةً ينازعونه المُلكَ ويدافعونه الانفرادَ بالكبرياء والعظمة والسلطان والجبرية، فأيقنوا بلقاء الله يومَ الدين أنهم الصَّغَرَة الأذلَّة، وأنَّ له ـ دونهم ودون غيرهم ـ الملكَ والكبرياء والعزَّة والبهاء، كما قال ـ جلَّ ذكرُه وتقدَّست أسماؤه ـ: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، فأخبر ـ تعالى ذكرُه ـ أنه المنفرد يومئذٍ بالمُلك دون ملوك الدنيا، الذين صاروا يوم الدين من مُلكهم إلى ذلَّةٍ وصغارٍ، ومن دنياهم في معادهم إلى خسارٍ».

قال الدرويش: «وبينهما فرقٌ دقيقٌ وهو أنَّ المالك هو ذو المِلك بكسر الميم، والمَلِك: ذو المُلْك بضمِّها، قال أهل النحو: إنَّ مَلِكًا أمدحُ من مالكٍ، وذلك أنَّ المالك قد يكون غير مَلِكٍ، ولا يكون الملِك إلَّا مالكًا، وجمعُ الملك: أملاكٌ وملوكٌ، وجمعُ المالك: مُلَّاكٌ ومالكون».

قال الشوكاني: «وقد اختلف العلماء: أيُّهما أبلغ: مَلِكٌ أو مالكٌ؟ فقيل: إنَّ «مَلِك» أعمُّ وأبلغ، إذ كلُّ مَلِكٍ مالكٌ، وليس كلُّ مالكٍ ملك، ولأنَّ أمر المَلِك نافذٌ على المالك في مُلْكِه حتى لا يتصرَّف إلَّا عن تدبير المَلِك، قاله أبو عبيدٍ والمبرِّدُ ورجَّحه الزمخشريُّ، وقيل: مالكٌ أبلغ لأنه يكون مالكًا للناس وغيرهم، فالمالك أبلغُ في مدح الخالق من ملِكٍ، ومَلِك أبلغ في مدح المخلوقين من مالكٍ، لأنَّ المالك من المخلوقين قد يكون غيرَ ملِكٍ، وإذا كان الله تعالى مالكًا كان مَلِكًا، واختار هذا القاضي أبو بكر بنُ العربي».

ثمَّ قال الشوكاني: «والحقُّ أنَّ لكلِّ واحدٍ من الوصفين نوعَ أخصِّيَّةٍ لا يوجد في الآخر، فالمالك يقدر على ما لا يقدر عليه الملِك من التصرُّفات بما هو مالكٌ له بالبيع والهبة والعتق ونحوها، والملِك يقدر على ما لا يقدر عليه المالك من التصرُّفات العائدة إلى تدبير الملك وحياطته ورعاية مصالح الرعيَّة، فالمالك أقوى من المَلِك في بعض الأمور، والمَلِك أقوى من المالك في بعض الأمور، والفرقُ بين الوصفين بالنسبة إلى الربِّ سبحانه أنَّ المَلِك صفةٌ لذاته والمالك صفةٌ لفعله».

[«النهج الأسمى» لمحمود النجدي (١/ ٩٧)]