Skip to Content
الأحد 5 شعبان 1441 هـ الموافق لـ 29 مارس 2020 م

الكلمة الشهرية رقم: ١٤٥

 

[الحلقة الثامنة]

«بواعثُنا ـ عملُنا ـ خُطَّتُنا ـ غايتُنا»(١)
[ـ ٢ ـ]

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقَدْ واصل الشيخ عبد الحميد بن باديس ـ رحمه الله ـ قائلًا:

«..فَهَا نَحْنُ ـ اليَوْمَ ـ نَتَقَدَّمُ بِهَذِهِ الصَّحِيفَةِ لِلْأُمَّةِ كُلِّهَا عَلَى هَذَا القَصْدِ وَعَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ: عَمَلُنَا: نَشْرُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ وَحِمَايَتُهَا مِنْ كُلِّ مَا يَمَسُّهَا بِأَذِيَّةٍ، وَخُطَّتُنَا: الأَخْذُ بِالثَّابِتِ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ المَوْثُوقِ بِهِمْ، وَالِاهْتِدَاءُ بِفَهْمِ الأَئِمَّةِ المُعْتَمَدِ عَلَيْهِمْ(٢)، وَدَعْوَةُ المُسْلِمِينَ كَافَّةً إِلَى السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ دُونَ تَفْرِيقٍ بَيْنَهُمْ، وَغَايَتُنَا: أَنْ يَكُونَ المُسْلِمُونَ مُهْتَدِينَ بِهَدْيِ نَبِيِّهِمْ فِي الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ، وَالسِّيَرِ وَالأَحْوَالِ، حَتَّى يَكُونُوا لِلنَّاسِ كَمَا كَانَ هُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِثَالًا أَعْلَى فِي الكَمَالِ(٣).

وَاللهَ نَسْأَلُ التَّوْفِيقَ وَالتَّسْدِيدَ فِي القَصْدِ وَالقَوْلِ وَالعَمَلِ لَنَا وَلِلْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ.

الرئيس عبد الحميد بن باديس».

[«السُّنَّة النبويَّة المحمَّدية» السَّنَة الأولى، العدد الأوَّل، الإثنين ٨ ذي الحجَّة، ١٣٥١هـ ـ ١٩٣٢م، ص١].

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 



(١) «آثار ابن باديس» (٣/ ٢٤).

(٢) وقولُ ابنِ باديس ـ رحمه الله ـ: «وَالِاهْتِدَاءُ بِفَهْمِ الأَئِمَّةِ المُعْتَمَدِ عَلَيْهِمْ» إنما المقصودُ به هو: الاهتداءُ بفهم السلف الصالح، ويأتي في طليعتهم: الصحابةُ رضي الله عنهم، الذين ربَّاهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم علمًا وعملًا وسلوكًا وسيرةً وأخلاقًا، فهؤلاء قد زكَّاهم اللهُ ورسولُه، ورَضِيَ اللهُ عنهم ورسولُه، ولم تظهر فيهم الأهواءُ والبِدَعُ والمُحدَثاتُ في الدِّين، فكان الهدى والخيرُ يدور معهم حيث داروا؛ قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ في [«منهاج السُّنَّة النبويَّة» (٥/ ٢٦١ ـ ٢٦٢)] ما نصُّه: «والواجبُ على كُلِّ مسلمٍ يشهد أَنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله: أَنْ يكون أصلُ قصدِه: توحيدَ اللهِ بعبادته وَحْدَه لا شريكَ له، وطاعةَ رسوله، يدور على ذلك، ويتبعه أين وَجَده، ويعلم أنَّ أفضلَ الخَلْقِ بعد الأنبياء هم الصحابةُ، فلا ينتصر لشخصٍ انتصارًا مُطلَقًا عامًّا، إلَّا لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا لطائفةٍ انتصارًا مُطلَقًا عامًّا، إلَّا للصحابة رضي الله عنهم أجمعين؛ فإنَّ الهدى يدور مع الرسول حيث دارَ، ويدور مع أصحابه دون أصحابِ غيرِه حيث داروا؛ فإذا أجمعوا لم يُجمِعوا على خطإٍ قطُّ، بخلافِ أصحابِ عالمٍ مِنَ العلماء، فإنهم قد يُجمِعون على خطإٍ، بل كُلُّ قولٍ قالوه ولم يَقُلْه غيرُهم مِنَ الأمَّة لا يكون إلَّا خطأً؛ فإنَّ الدِّينَ الذي بَعَث اللهُ به رسولَه ليس مُسلَّمًا إلى عالمٍ واحدٍ وأصحابِه، ولو كان كذلك لكان ذلك الشخصُ نظيرًا لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو شبيهٌ بقول الرافضة في الإمام المعصوم».

ثمَّ أتى التابعون فتَلَقَّوْا عنهم الدِّينَ بالاتِّباع والاهتداء، وعلى منوالهم أَخَذ عنهم تابِعُوهم وأئمَّةُ الهدى في القرون المُفضَّلةِ الثلاثة، فهؤلاء لم يُبدِّلوا دِينَ الله ولم يُحدِثوا فيه ولم يُغيِّروا شَرْعَه ومنهاجَه، بل الْتَزَموا منهاجَ النبوَّة وانتهجوا سبيلَ الصحابة رضي الله عنهم؛ لذلك أثنى عليهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ومَدَحهم بقوله: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الشهادات» (٥/ ٢٥٩) باب: لا يشهد على شهادةِ جَوْرٍ إذا أُشهِدَ، ومسلمٌ في «فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم» (١٦/ ٨٦) بابُ فضلِ الصحابة ثمَّ الذين يلونهم ثمَّ الذين يلونهم، مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه].

فالسلف الصالح هم صفوةُ الأمَّةِ وخِيرَتُها، وأكثرُ الناسِ ثباتًا على الحقِّ والهدى وفرحًا بالسُّنَّة، وأعظمُ الناسِ استشعارًا لنعمة الإسلام والهداية؛ لذلك فهُمْ أصحُّ فهمًا لكتاب اللهِ وسُنَّةِ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم لمعاصرتهم للتنزيل ومعرفتِهم لأسباب نزول القرآن وورود الأحاديث، وهُم أهلُ اللغة، وأحرصُ الناسِ على لزوم السُّنَّة والتمسُّكِ بها والذبِّ عنها مِنَ الطوائف والفِرَقِ المُنتسِبين للأشخاص والشعارات.

وهكذا حَمَل هذا الدِّينَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عدولُه، ومِنْ كُلِّ جيلٍ ثِقاتُه، ومِنْ كُلِّ عصرٍ عُلَماؤُه إلى قيام الساعة، مُلتزِمين بالوحيَيْن: الكتابِ والسُّنَّة، ومُقتفِين لسُنَّةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قُدوَتِهم في الدِّين، سالكين منهجَ السلف الصالح، فتَلَقَّوُا الدِّينَ منهم بالاهتداء والاقتداء والاتِّباعِ على بصيرةٍ، فاعتصموا بحبل الله جميعًا.

وعلى النقيض مِنْ ذلك: أهلُ البِدَع الذين تعدَّدَتْ مَصادِرُهم، فاعتمدوا على العقليَّات وأَقدَمُوا عليها فيما لا طاقةَ للعقول به، وعوَّلوا على الرأي فيما لا تُدرِكُه الآراءُ، وأخذوا عن الفلاسفة والمُتكلِّمين والأُمَمِ الهالكة، فصارَتْ مناهجُهم في تَلَقِّي الدِّين متعدِّدةً، فلم يتلقَّوْه بالاهتداء والاتِّباع، بل خاضوا فيما نُهُوا عنه وخَلَطوا الأساليبَ والوسائل، فكان جزاؤهم أَنْ تقطَّعَتْ بهم السُّبُلُ وتخبَّطوا في دوَّامةٍ مِنَ الحيرة والشكِّ والهذيان؛ قال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه: «إِنَّا نَقْتَدِي وَلَا نَبْتَدِي، وَنَتَّبِعُ وَلَا نَبْتَدِعُ، وَلَنْ نَضِلَّ مَا تَمَسَّكْنَا بِالْأَثَرِ» [«شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّةِ والجماعة» للَّالكائي (١/ ٩٦)، [«الحجَّة في بيان المحجَّة» للأصبهاني (٢/ ٤٥٨)]، وقال الأوزاعيُّ ـ رحمه الله ـ: «عليك بآثارِ مَنْ سَلَفَ، وإيَّاك وآراءَ الرجال وإِنْ زخرفوها بالقول، فإنَّ الأمر ينجلي وأنت على طريقٍ مستقيمٍ» [«الحجَّة في بيان المحجَّة» للأصبهاني (٢/ ٤٥٩)].

(٣) مِنْ أهمِّ وسائل الدعوة والتعليم والتربية التي مارسها الشيخ عبد الحميد بنُ باديس ـ رحمه الله ـ في عمله الإصلاحيِّ الجهاديِّ: إنشاءُ الصُّحُف وإصدارُ الجرائد ـ سواءٌ كانت جماعيَّةً أو فرديَّةً ـ لتكون بمَثابةِ جسرِ صِلَةٍ بينه وبين الأمَّة بمختلفِ مُستويَاتِها وشرائحِها.

وقد سَبَق لابن باديس ـ رحمه الله ـ أَنْ مارسَ العملَ الصحفيَّ قبل تأسيسِ أُولَى جرائدِه، وذلك باسْمٍ مستعارٍ، بالنظر إلى الرقابة الاستعماريَّة آنَذاك، حيث «استهلَّ حياتَه الصحفيَّةَ بمقالاتٍ مُتواصِلةٍ كان ينشرها في جريدة «النجاح» لأوَّلِ عهدِها، ولعلَّ الكثيرَ لا يعرف ذلك مِنْ أنَّ ابنَ باديس كان يتخفَّى يومئذٍ لمقالاته إمضاءً مستعارًا هو «العبسيُّ»، مُستمِدًّا ذلك الاسْمَ مِنْ شهامةِ وهِمَّةِ وإقدامِ عنترةَ بنِ شدَّادٍ العبسيِّ» [«ابن باديس وعروبة الجزائر» للميلي (١٣)، وانظر: «جهاد ابنِ باديس» لعبد الرشيد زروقة (١٨٣)].

وكانَتْ أُولَى جرائدِ ابنِ باديس ـ رحمه الله ـ التي أسَّسها هي جريدةَ «المنتقد» في (١٠ ذي الحجَّة ١٣٤٣ﻫ الموافق ﻟ: ٢ يوليو ١٩٢٥م)، وجاء أصلُ تسمِيَتِها ردًّا على شعار الصوفيَّة: «اعْتَقِدْ ولا تَنتقِدْ»، وقد حملَتْ جريدتُه هذه رسالةَ الإصلاح الإسلاميِّ «بتنزيه الإسلام عمَّا أَحدثَه فيه المُبتدِعون وحرَّفه الجاهلون، وبيانِه كما جاء في القرآن العظيم والسُّنَّةِ المُطهَّرةِ وعَمِل به السلفُ الصالحون، مُعلِنَةً أنَّ المسلمين بذلك وحدةٌ تصفو عقائدُهم وتزكو نفوسُهم وتستقيم أعمالُهُم، وينبعثون عن قوَّةٍ وبصيرةٍ في الأخذ بأسباب الحياة الراقية والمدنيَّة الطاهرة، مُشارِكين لأُمَمِ الدنيا في خدمة الإنسانيَّة وترقيةِ الحضريَّة وتوسيع العمران، سالمين ممَّا تشكو منه أُمَمُ الحضارة التي غلبَتْ عليها المادِّيَّةُ والأنانيَّة، وتَفَشَّتْ فيها أمراضٌ ليست مِنَ التمدُّن الحقيقيِّ في كثيرٍ ولا قليلٍ؛ برَزَتْ جريدةُ «المنتقد» تحمل هذا وتَلْفِتُ الجزائريِّين المسلمين إلى حقيقةِ وضعيَّتِهم بين الأُمَم بأنهم أمَّةٌ لها قوميَّتُها ولُغَتُها ودِينُها وتاريخُها؛ فهي بذلك أمَّةٌ تامَّةُ الأُمَمِيَّة، لا ينقصها شيءٌ مِنْ مُقوِّمات الأُمَم، وأنهم إلى ذلك مُرتبِطون بأمَّةٍ عظيمةٍ ذاتِ تاريخٍ مَجيدٍ ومدنيَّةٍ راقيةٍ وحكومةٍ منظَّمةٍ» [«الشهاب» (ج ١ ـ م ١١ ـ ص ١)].

غير أنَّ جريدةَ «المنتقد» لم تُعمَّرْ طويلًا، وتوقَّفَتْ بأمرٍ مِنَ السلطة الفرنسيَّة بعد أربعةِ أشهرٍ مِنَ العمل الجادِّ، أصدرَتْ خِلالَهَا ثمانيةَ عَشَرَ عددًا، ويعود سببُ توقيفها «لِلَهْجتها الحارَّة، وحَمْلَتِها الصادقة ضِدَّ الخرافات والبِدَع، والتي أثارَتْ حفيظةَ الطُّرُقيِّين عليها، وساندهم في ذلك بعضُ رجال الدِّين الرسميِّين، فأخذوا يسعَوْن في الوشاية لدى السلطاتِ الفرنسيَّة ضِدَّها حتَّى عُطِّلَتْ بأمرٍ حكوميٍّ» [«الصُّحُف العربية الجزائريَّة» لمحمَّد ناصر (٥٤)].

ثمَّ أصدرَ ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ جريدةً خاصَّةً به وتابعةً له ومُستقِلَّةً عن الجمعيَّة سمَّاها ﺑ «الشِّهاب» في (٢٥ ربيع الآخر ١٣٤٤ﻫ الموافق ﻟ: ١٢ نوفمبر ١٩٢٥م)، وكان شعارُها: «مبدؤنا في الإصلاح الدِّينيِّ والدنيويِّ: لا يَصلُحُ آخِرُ هذه الأمَّةِ إلَّا بما صَلَح به أوَّلُها»، وقد تابعَتِ الجريدةُ نَفْسَ المنهجِ الدعويِّ والمبدإ السياسيِّ الذي الْتَزَمَتْه جريدةُ «المنتقد» مِنْ قبلُ في مُواصلةِ الخطِّ الإصلاحيِّ الجهاديِّ، وتوعية الناسِ بأمورِ دِينهم، والمحافظةِ على حقوق الأمَّة، والدفاعِ عن مُقوِّماتها؛ وهكذا بقِيَتْ جريدةُ «الشِّهاب» تُؤدِّي مَهَمَّتَها النبيلةَ ورسالتَها الأصيلةَ كمدرسةٍ شعبيَّةٍ متنقِّلةٍ، إلى أَنْ أَوقفَها الإمامُ مِنْ تلقاءِ نفسِه في رجبٍ مِنْ سنةِ ١٣٥٨ﻫ الموافق ﻟ: سبتمبر مِنْ سنةِ ١٩٣٩م، نتيجةً لِمَا لَقِيَه مِنْ مضايقاتٍ مختلفةٍ وحصارٍ إداريٍّ وأزمةٍ ماليَّةٍ مِنْ جهةٍ، وتجنُّبًا منه ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ للرضوخ لمَطالِبِ السلطة الاستعماريَّة التي كانت تحرص على نيلِ مُوافَقتِه وتأييدِه ومساندته لجانب الحلفاء ضِدَّ ألمانيا ودُوَلِ المحور في الحرب العالميَّة الثانية.

ثمَّ أصدرَتِ الجمعيَّةُ صحيفةً أسبوعيَّةً موسومةً ﺑ «السُّنَّة النبويَّة المحمَّديَّة»، وهذا المقال الذي بين أيدينا هو أوَّلُ مقالٍ أَصدرَه الإمامُ في عدَدِها الأوَّل في يوم الإثنين ٨ ذي الحجَّة ١٣٥١ﻫ ـ ١٩٣٢م، وكان يترأَّس تحريرَها الأستاذان: الطيِّب العقبي، والسعيد الزاهري، بإشراف الإمام ابنِ باديس رحمهم الله، وقد بيَّن فيه بواعثَ إنشاءِ هذه الصحيفةِ الزكيَّة بقوله: «لِتَنْشُرَ عَلَى النَّاسِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي سِيرَتِهِ العُظْمَى، وَسُلُوكِهِ القَوِيمِ، وَهَدْيِهِ العَظِيمِ، الَّذِي كَانَ مِثَالًا نَاطِقًا لِهَدْيِ القُرْآنِ، وَتَطْبِيقًا لِكُلِّ مَا دَعَا القُرْآنُ إِلَيْهِ بِالأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ وَالأَحْوَالِ، مِمَّا هُوَ المَثَلُ الأَعْلَى فِي الكَمَالِ»، وأجلى وظيفتَه في سبيلها بقوله: «عَمَلُنَا: نَشْرُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ وَحِمَايَتُهَا مِنْ كُلِّ مَا يَمَسُّهَا بِأَذِيَّةٍ»، كما أَفصحَ ـ رحمه الله ـ عن خُطَّته في نشر السُّنَّة النبويَّة وحمايتِها مِنْ كُلِّ ما يَمَسُّها بأذِيَّةٍ بقوله: «وَخُطَّتُنَا: الأَخْذُ بِالثَّابِتِ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ المَوْثُوقِ بِهِمْ، وَالِاهْتِدَاءُ بِفَهْمِ الأَئِمَّةِ المُعْتَمَدِ عَلَيْهِمْ، وَدَعْوَةُ المُسْلِمِينَ كَافَّةً إِلَى السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ دُونَ تَفْرِيقٍ بَيْنَهُمْ»، كما بيَّن ـ رحمه الله ـ الغايةَ والمَقصِدَ مِنْ ذلك بقوله: «وَغَايَتُنَا: أَنْ يَكُونَ المُسْلِمُونَ مُهْتَدِينَ بِهَدْيِ نَبِيِّهِمْ فِي الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ، وَالسِّيَرِ وَالأَحْوَالِ، حَتَّى يَكُونُوا لِلنَّاسِ كَمَا كَانَ هُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِثَالًا أَعْلَى فِي الكَمَالِ».

وقد جَعَل الإمامُ ـ رحمه الله ـ على واجهةِ جريدةِ «السُّنَّة النبويَّة المحمَّديَّة» نصَّيْن مِنَ الوحي اتَّخذهما شعارًا لصحيفته: أحَدُهما مِنَ القرآن وهو قولُه تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ[الأحزاب: ٢١]، والآخَرُ مِنَ السُّنَّة وهو قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «النكاح» (٩/ ١٠٤) باب الترغيب في النكاح، ومسلمٌ في «النكاح» (٩/ ١٧٦) باب استحباب النكاح لمَنْ تاقَتْ نفسُه إليه ووَجَد مُؤنةً واشتغالِ مَنْ عَجَز عن المُؤن بالصوم، مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه].

هذا، وفي نظرِ بعض المُؤرِّخين والكُتَّاب: أنَّ السبب الرئيسَ والدافع الحقيقيَّ في إنشاء جريدةِ «السُّنَّة النبويَّة المحمَّديَّة» وإصدارِها يكمن في وقوفِ الشيخ ابنِ باديس وإخوانِه «بحزمٍ أمامَ النشاط المُعادي للعلماء، الذي تُطبِّقُه وتُمارِسُه ـ وبدعمٍ مِنَ الاستعمار ـ «جمعيَّةُ علماءِ السُّنَّة» المُنشَقَّة عن «جمعيَّة العلماء» منذ أيلول (سبتمبر) ١٩٣٢م، والتي أصدرَتْ جريدةَ «المعيار» في ١٦ كانون الأوَّل (ديسمبر) ١٩٣٢م، ثمَّ «الإخلاص» في ١٩ كانون الأوَّل ١٩٣٢م؛ وليس أدلَّ على نيَّةِ حركةِ ابنِ باديسَ هذه مِنِ اتِّخاذها اسْمًا لها: «السُّنَّةَ النبويَّة»، وهو تعريضٌ واضحٌ لمَنْ أطلقوا على أنفُسِهم: «عُلَماءَ السُّنَّة»، وهُم يسيرون في ركاب الاستعمار، والذين سَعَوْا لديه مِنْ أجلِ إيقافها عن الصدور، فما كان مِنْ رجال السلطة إلَّا أَنْ أرسلوا شُرْطَتَهم صبيحةَ أوَّلِ تمُّوز (يوليو) مِنْ سنةِ ١٩٣٣م لحجز الأعداد الموجودة منها في السوق، وبالتالي توقَّف صدورُها» [«جهاد ابنِ باديس» لعبد الرشيد زروقة (١٨٣)، «الصُّحُف العربيَّة» لمحمَّد ناصر (١٣١)].

وعلى مدى سنةِ ١٩٣٣م عَمِل الشيخ ابنُ باديس وإخوانُه رحمهم الله فيها على إنشاءِ جريدتين مُتتاليَتَيْن مِنْ خلالِ جمعيَّة العلماء تعرَّضَتا كلاهما للتوقيف الحكوميِّ مِنَ السلطة الفرنسيَّة، هما:

ـ «الشريعة النبويَّة المحمَّديَّة»: أُنشِئَتْ في: ١٤ ربيع الأوَّل ١٣٥٢ﻫ الموافق ﻟ: ٧ يوليو ١٩٣٣م، وصُودِرَتِ الجريدةُ بعد شهرٍ ونصفٍ مِنْ إصدارها.

ـ «الصراط السويِّ»: جريدةٌ أسبوعيَّةٌ أُنشِئَتْ في: ٢١ جمادى الأولى ١٣٥٢ﻫ الموافق ﻟ: ١١ سبتمبر ١٩٣٣م، ولكِنْ عُطِّلَتْ هي الأخرى وتوقَّف نشاطُها في رمضان ١٣٥٢ﻫ الموافق لبداية يناير ١٩٣٤م أُسوةً بأخواتها.

وبعد عزمٍ أكيدٍ وسعيٍ حثيثٍ مِنْ أعضاء الجمعيَّة وعلى رأسهم الشيخُ ابنُ باديس تَمكَّنوا ـ بفضل الله تعالى ـ مِنْ إصدار جريدة «البصائر» الأسبوعيَّة، صَدَر العدد الأوَّل في: ١ شوَّال ١٣٥٤ﻫ الموافق ﻟ: ٢٧ ديسمبر ١٩٣٥م  بنفسِ أعضاءِ هيئة الصُّحف والجرائد السابقة إشرافًا وتحريرًا، وبقي صدورُها مُستمِرًّا مِنْ غيرِ تَوَقُّفٍ ولا إيقافٍ إلى قيام الحرب العالميَّة الثانية، حيث رأَتْ جمعيَّةُ العلماء أنَّ مِنَ اللازم تجميدَ جميعِ صُحُفها ـ قصدًا ـ لئلَّا تكون عونًا ويدًا في نشر الأكاذيب والأباطيل والإشاعات، تحت شعارِ: «أمرُ التعطيل أَوْلى مِنْ نشر الأباطيل»؛ لذلك الْتَزَمَتِ السكوتَ وقتَ الحرب تفاديًا لأَنْ تدفعها فرنسا إلى مواقف التخاذل والتملُّق الخَدُومة للاحتلال الفرنسيِّ آنَذاك.

علمًا أنَّ جريدةَ «البصائر» ـ بعد وفاة الشيخ ابنِ باديس رحمه الله سنةَ: (١٣٥٩ﻫ ـ ١٩٤٠م) ـ عندما وضعَتِ الحربُ العالميَّةُ الثانيةُ أوزارَها، عادَتْ إلى النشاط الدَّعْويِّ، وانبعثت مِنْ جديدٍ تحت إشرافِ وإدارة رئيس الجمعية: محمَّد البشير الإبراهيميِّ خَلَفًا للشيخ عبد الحميد بنِ باديس رَحِم اللهُ الجميعَ.

الجزائر في: ٢٨ ذي القعدة ١٤٤٠ﻫ
الموافق ﻟ: ٣١ جويلية ٢٠١٩م