في أعمال يوم عرفة (وهو اليوم التاسع من ذي الحجة) | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 7 ربيع الأول 1442 هـ الموافق لـ 24 أكتوبر 2020 م

الفتوى رقم: ١٠٢٦

الصنـف: فتاوى الحج - أحكام الحج

في أعمال يوم عرفة
(وهو اليوم التاسع من ذي الحجة)

السـؤال:

ما هي الأعمال التي يقوم بها الحاج يوم عرفة، الموافقة للسنة المطهرة المتبعَة؟

الجـواب:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فتترتَّب أعمالُ الحجِّ بعرفة على النسق التالي:

·   أولا: إذا طلعَتْ شمسُ اليوم التاسع مِنْ ذي الحجَّة ـ وهو يومُ عَرَفة ـ توجَّه الحاجُّ مِنْ مِنًى إلى عرفةَ مُلَبِّيًا أو مكبِّرًا.

·   ثانيا: ويُسَنُّ له النُّزولُ ﺑ «نَمِرَة»(١) فيمكث فيها إلى قُبيل الزوال إِنْ تيسَّر ذلك، فإذا زالَتِ الشمسُ انتقل إلى «عُرَنة»(٢) ونَزَل فيها، وليسَتْ «عُرَنةُ» مِنْ أرضِ عَرَفةَ عند عامَّة العلماء(٣)؛ وفيها يُسَنُّ للإمام أَنْ يخطب الناسَ خُطبةً قصيرةً تُناسِبُ الحالَ وتَليقُ بالمَقام، ثمَّ يصلِّي بالناس الظهرَ والعصر قصرًا وجَمْعَ تقديمٍ، أي: في وقت الظهر بأذانٍ واحدٍ وإقامتين، يعجِّل فيهما ولا يصلِّي بينهما شيئًا، قال ابنُ قدامة رحمه الله: «والسُّنَّة تعجيلُ الصلاة حين تزول الشمسُ، وأَنْ يقصر الخُطبةَ، ثمَّ يروح إلى الموقف، لِمَا روى سالمٌ أنه قال للحجَّاج يومَ عَرَفة: «إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ فَقَصِّرِ الخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الصَّلَاةَ»، فقال ابنُ عمر: «صَدَقَ»، رواه البخاريُّ(٤)، ولأنَّ تطويلَ ذلك يمنع الرَّواحَ إلى الموقف في أوَّلِ وقت الزوال، والسُّنَّةُ التعجيلُ في ذلك»(٥).

هذا، ومَنْ فاتَتْه صلاةُ الظهر والعصر مع الإمام فلْيُصَلِّهما قصرًا وجَمْعَ تقديمٍ مع مَنْ معه مِنَ المسلمين، وكذلك على مَنْ تعذَّر عليه العملُ بسُنَّة النُّزول بوادي نَمِرَةَ أو ببطنِ عُرَنَةَ فتَجاوَزهما إلى عَرَفةَ فلا حَرَجَ عليه عند عامَّة الفقهاء، قال ابنُ تيمية رحمه الله: «وأمَّا ما تضمَّنَتْه سُنَّةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم مِنَ المُقام بمِنًى يوم التروية، والمبيتِ بها الليلةَ التي قبل يومِ عَرَفةَ، ثمَّ المُقام بعُرَنَةَ ـ التي بين المَشْعَر الحرام وعَرَفة ـ إلى الزوال، والذهاب منها إلى عَرَفة، والخطبة والصلاتين في أثناء الطريق ببطنِ عُرَنَةَ، فهذا كالمُجمَع عليه بين الفقهاء، وإِنْ كان كثيرٌ مِنَ المصنِّفين لا يميِّزه، وأكثرُ الناس لا يعرفه لغلبة العادات المُحدَثة»(٦)، قال ابنُ عبد البرِّ رحمه الله: «هذا كُلُّه لا خلافَ بين العلماء المسلمين فيه»(٧).

ويدلُّ على ما تقدَّم حديثُ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما الطويلُ بعد صلاة الصبح يومَ التاسع بمِنًى قال: «...ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ القُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ»(٨)، وعن ابنِ عمر رضي الله عنهما قال: «غَدَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مِنًى حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ صَبِيحَةَ يَوْمِ عَرَفَةَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَنَزَلَ بِنَمِرَةَ وَهِيَ مَنْزِلُ الإِمَامِ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِ بِعَرَفَةَ، حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ رَاحَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُهَجِّرًا فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ رَاحَ فَوَقَفَ عَلَى المَوْقِفِ مِنْ عَرَفَةَ»(٩).

ويدلُّ على استحباب التلبية والتكبير في الطريق مِنْ مِنًى إلى عَرَفاتٍ حديثُ ابنِ عمر رضي الله عنهما قال: «غَدَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ: مِنَّا المُلَبِّي وَمِنَّا المُكَبِّرُ»(١٠)، وفي حديثِ أنسٍ رضي الله عنه قال: «كَانَ يُهِلُّ مِنَّا المُهِلُّ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ مِنَّا المُكَبِّرُ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ»(١١)، والحديثُ ـ وإِنْ دلَّ على التخيير بين التكبير والتلبية مِنْ تقريره صلى الله عليه وسلم على ذلك ـ إلَّا أنَّ أفضل الأمرين ما دلَّ عليه فعلُه صلى الله عليه وسلم مِنْ لزومه التلبيةَ على ما ثَبَت مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما الطويل، وفيه ـ أيضًا ـ بعد ذِكر خُطبته صلى الله عليه وسلم قال: «...ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى العَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا»(١٢).

·   ثالثا: فإذا فَرَغ مِنَ الصلاتين عجَّل الذهابَ إلى الموقف بعَرَفة، وأصلُ الوقوف ركنٌ لا يصحُّ الحجُّ إلَّا به إجماعًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «الحَجُّ عَرَفَةُ»(١٣)، فيقف عند الصخرات المُفترِشات أسفلَ الجبل المسمَّى بجبل الرحمة(١٤)، وهذا هو الموقف المُستحَبُّ، فإِنْ عَجَز فلْيَقْرُبْ منه بحَسَب الإمكان(١٥)، وإلَّا فعَرَفَةُ كُلُّها موقفٌ إلَّا بطن عُرَنَةَ لقوله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْتفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ»(١٦)، وليس معنى الوقوف في هذا المكانِ هو القيامَ على القدمين، وإنما هو المكوثُ بأيِّ هيئةٍ كانَتْ مِنْ بعدِ زوال الشمس إلى ما بعد غروبها مِنْ ذلك اليوم.

رابعا: ويُسَنُّ للحاجِّ استقبالُ الكعبة في الوقوف(١٧)، وأَنْ يجتهد في ذِكر الله تعالى بالأذكار المأثورة والتلبية والأدعية الجامعة لخيرَيِ الدنيا والآخرة، وهي مشروعةٌ في كُلِّ وقتٍ، لا سيَّما في عشيَّةِ هذا الموقفِ العظيم، يرفع يدَيْه ـ حالَ الدعاء ـ بالتضرُّع إليه والتذلُّل بين يدَيْه وحضورِ قلبٍ مُخلِصًا عبادتَه لله ربِّ العالمين، ويُستحَبُّ له الإكثارُ مِنَ التهليل والتَّكرارُ منه، فإنه خيرُ الذِّكر يومَ عَرَفةَ، لقوله صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»(١٨)، كما ثَبَت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أَحَبُّ الكَلَامِ إِلى اللهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ»(١٩).

وإِنْ لبَّى أو قَرَأ ما تيسَّر مِنَ القرآن فحسنٌ، كُلُّ ذلك لاغتنامِ فضيلةِ يوم عَرَفَةَ، لا سيَّما في آخِرِ النهار يرجو فيها الحاجُّ مِنَ الله تعالى أَنْ يكون مِنْ عُتَقَائِه الذين يُباهي بهم الملائكةَ، فإنَّ خير الدعاء دعاءُ يومِ عَرَفة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ المَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟»(٢٠)، وفي حديثٍ آخَرَ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيُبَاهِي المَلَائِكَةَ بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ، يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا»(٢١).

·   خامسا: ويُستحَبُّ له أَنْ يشهد المناسكَ كُلَّها على وضوءٍ، لا سيَّما في هذا الموقف، ومَنْ وَقَف بعَرَفَةَ غيرَ طاهرٍ فهو مُدْرِكٌ للحجِّ إجماعًا، قال ابنُ قدامة رحمه الله: «ولا يُشترَط للوقوف طهارةٌ ولا ستارةٌ ولا استقبالٌ ولا نيَّةٌ، ولا نعلم في ذلك خلافًا»(٢٢).

·   سادسا: ويبقى الحاجُّ على هذه الحالِ مُخْبِتًا لربِّه ذاكرًا وملبِّيًا وداعيًا بانكسارٍ بين يدَيْه، راجيًا رحمتَه ومغفرته، وخائفًا عذابَه ومَقْتَه وغضبَه، مُحاسِبًا نَفْسَه، مجدِّدًا توبةً نصوحًا، ويَستمِرُّ في ذلك حتَّى تغرب الشمسُ.

ويدلُّ على ما تقدَّم حديثُ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما قال: «...ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَتَى المَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ المُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ القُرْصُ»(٢٣).

·   سابعا: والسُّنَّة للحاجِّ الواقفِ في عَرَفةَ الفطرُ يوم عَرَفة لحديث ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: «إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَفْطَرَ بِعَرَفَةَ، وَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أُمُّ الفَضْلِ بِلَبَنٍ فَشَرِبَ»(٢٤)، وسُئِلَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ فَقَالَ: «حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَصُمْهُ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَمَعَ عُمَرَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَمَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَأَنَا لَا أَصُومُهُ وَلَا آمُرُ بِهِ وَلَا أَنْهَى عَنْهُ»(٢٥)، قال ابنُ قدامة رحمه الله: «أكثرُ أهل العلم يَستحِبُّون الفطرَ يومَ عَرَفةَ بعرفة، وكانت عائشةُ وابنُ الزبير يصومانه، وقال قَتادةُ: لا بأسَ به إذا لم يضعف عن الدعاء، وقال عطاءٌ: أصوم في الشتاء ولا أصوم في الصيف؛ لأنَّ كراهةَ صومه إنما هي معلَّلةٌ بالضعف عن الدعاء، فإذا قَوِيَ عليه أو كان في الشتاء لم يضعف فتزول الكراهةُ... ولأنَّ الصوم يُضعِفه ويمنعه الدعاءَ في هذا اليومِ المعظَّم الذي يُستجابُ فيه الدعاءُ في ذلك الموقفِ الشريف الذي يُقصَد مِنْ كُلِّ فجٍّ عميقٍ، رجاءَ فضلِ الله فيه وإجابةِ دُعائه به، فكان تركُه أفضلَ»(٢٦).

·   ثامنا: فإذا غربَتِ الشمسُ أفاض الحاجُّ مِنْ عَرَفاتٍ متوجِّهًا إلى مُزدلِفةَ، ودَفَع منها بسيرٍ سهلٍ في سرعةٍ وبسكينةٍ ووقارٍ، فلا يزاحم الحُجَّاجَ بنفسه، ولا يضيِّق عليهم بمركبه ومتاعه، ويُسرِع متى وَجَد فجوةً أو خلوةً أو مُتَّسَعًا دون استعجالٍ؛ لأنَّ السُّنَّة أَنْ يصلِّيَ الحاجُّ المغربَ تلك الليلةَ مع العشاء بمُزدلِفة(٢٧)، ويدلُّ عليه حديثُ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما قال: «فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ القُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ ودَفَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ اليُمْنَى: «أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ»، كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الحِبَالِ(٢٨) أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ»(٢٩).

وعن ابنِ عبَّاسٍ أنَّ أسامة بنَ زيدٍ رضي الله عنهم قال: «أَفَاضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ عَرَفَةَ وَأَنَا رَدِيفُهُ، فَجَعَلَ يَكْبَحُ رَاحِلَتَهُ حَتَّى أَنَّ ذِفْرَاهَا لَيَكَادُ يُصِيبُ قَادِمَةَ الرَّحْلِ وَهُوَ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ؛ فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ فِي إِيضَاعِ الإِبِلِ»»(٣٠)، وعنه رضي الله عنهما قال: «كَانَ يَسِيرُ العَنَقَ(٣١)، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً(٣٢) نَصَّ(٣٣)»(٣٤)، قال ابنُ عبد البرِّ رحمه الله في تعليقه على هذا الحديث: «وليس في هذا الحديثِ أكثرُ مِنْ معرفة كيفيَّة السير في الدفع مِنْ عَرَفةَ إلى المُزدلِفة، وهو شيءٌ يجب الوقوفُ عليه وامتثالُه على أَئِمَّة الحاجِّ فمَنْ دونهم؛ لأنَّ في استعجال السير إلى المُزدلِفة استعجالَ الصلاة بها؛ ومعلومٌ أنَّ المغربَ لا تُصلَّى تلك الليلةَ إلَّا مع العشاء بالمزدلفة، وتلك سنَّتُها، فيجب أَنْ تكون على حَسَبِ ما فَعَله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ومَنْ قصَّرَ عن ذلك أو زاد فقَدْ أساء إذا كان عالمًا بما في ذلك»(٣٥)، ويؤيِّده حديثُ أسامة بنِ زيدٍ رضي الله عنهما أنه قال: «فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الشِّعْبَ الأَيْسَرَ الَّذِي دُونَ المُزْدَلِفَةِ أَنَاخَ فَبَالَ، ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الوَضُوءَ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا فَقُلْتُ: «الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ»، قَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ»، فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى ثُمَّ رَدِفَ الفَضْلُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم غَدَاةَ جَمْعٍ»(٣٦).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في:١٦ شعبان ١٤٣٠ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٧ أوت ٢٠٠٩م



(١) نَمِرة: موضعٌ قريبٌ مِنْ عَرَفةَ وليس منها، كانت منزلَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في حَجَّة الوداع، انظر: «مراصد الاطِّلاع» للصفيِّ البغدادي (٣/ ١٣٩٠)، و«معجم ما استعجم» للبكري (١/ ١٣٤، ٤/ ١٣٣٤).

(٢) عُرَنة: موضعٌ بحذاءِ عَرَفةَ وليست منها، إنما هي مِنَ الحرم، وعَرَفةُ خارجةٌ عن الحرم وداخلةٌ في الحِلِّ، انظر: «مراصد الاطِّلاع» للصفيِّ البغدادي (٢/ ٩٣٤)، و«معجم ما استعجم» للبكري (٣/ ٩٣٥، ٤/ ١١٩٠).

(٣) قال النوويُّ في «شرح مسلم» (٨/ ١٨١): «وليست عُرَنةُ مِنْ أرض عَرَفاتٍ عند الشافعيِّ والعلماءِ كافَّةً إلَّا مالكًا فقال: هي مِنْ عَرَفاتٍ». قال البغويُّ في «شرح السنَّة» (٧/ ١٥٣): «واختلفوا فيمَنْ وَقَف ببطنِ عُرَنة، فقال الشافعيُّ: لا يُجزِئُه حَجُّه، وقال مالكٌ: حَجُّه صحيحٌ وعليه دمٌ».

(٤) أخرجه البخاريُّ في «الحجِّ» بابُ قصرِ الخُطبة بعَرَفة (١٦٦٣) مِنْ حديثِ سالم بنِ عبد الله عن أبيه رضي الله عنه.

(٥) «المغني» لابن قدامة (٣/ ٤٠٨).

(٦) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٦/ ١٦٨).

(٧) «الاستذكار» لابن عبد البرِّ (٤/ ٣٢٤).

(٨) أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» (١٢١٨) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما الطويل.

(٩) أخرجه أبو داود في «المناسك» باب الخروج إلى عَرَفة (١٩١٣)، وأحمد (٦١٣٠)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما. والحديث صحَّحه أحمد شاكر في تحقيقه ﻟ «مسند أحمد» (٩/ ٥)، وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح أبي داود»، والوادعيُّ في «الصحيح المسند» (٧٤٨).

(١٠) أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» (١٢٨٤) مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.

(١١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الحجِّ» باب التلبية والتكبير إذا غَدَا مِنْ مِنًى إلى عَرَفة (١٦٥٩)، ومسلمٌ في «الحجِّ» (١٢٨٥)، مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه.

(١٢) أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» (١٢١٨) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما الطويل.

(١٣) أخرجه أبو داود في «المناسك» بابُ مَنْ لم يدرك عَرَفة (١٩٤٩)، والترمذيُّ في «الحجِّ» بابُ ما جاء فيمَنْ أَدرَك الإمامَ بجَمْعٍ فقَدْ أَدركَ الحجَّ (٨٨٩)، والنسائيُّ في «مناسك الحجِّ» بابُ فرضِ الوقوف بعَرَفة (٣٠١٦) وباب فيمَنْ لم يُدرِك صلاةَ الصبح مع الإمام بالمُزدلِفة (٣٠٤٤)، وابنُ ماجه في «المناسك» بابُ مَنْ أتى عَرَفةَ قبل الفجر ليلةَ جَمْعٍ (٣٠١٥)، مِنْ حديثِ عبد الرحمن بنِ يعمر الدِّيليِّ رضي الله عنه. والحديث صحَّحه ابنُ الملقِّن في «البدر المنير» (٦/ ٢٣٠)، والألبانيُّ في «الإرواء» (٤/ ٢٥٦).

(١٤) جبل الرحمة: هو الجبل الذي بوسط أرضِ عَرَفاتٍ؛ وحدُّ عَرَفةَ مِنَ الجبل المُشرِف على عُرَنةَ إلى الجبال المُقابِلة له، [انظر: «المغني» لابن قدامة (٣/ ٤١٠) و«شرح مسلم» للنووي (٨/ ١٨٥)].قال ابنُ تيمية رحمه الله في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٣٣): «وأمَّا صعود الجبل الذي هناك فليس مِنَ السُّنَّة ويُسمَّى: جبلَ الرحمة»، وقال في «الفتاوى الكبرى» (٥/ ٣٨٣): «ولا يُشرَع صعودُ جبلِ الرحمة إجماعًا».قال بكر أبو زيد رحمه الله في «مُعجَم المناهي اللفظية» (٢١٦): «وقد شاع على ألسنة الناس وفي أقلام الكُتَّابِ تسميتُه باسْمِ: «جبل الرحمة» وعند بادية نجدٍ باسْمِ: «القُرَين»، ولا أصلَ لواحدٍ مِنْ هذين الوصفين، واللهُ أعلمُ».

(١٥) قال النوويُّ رحمه الله في «شرح مسلم» (٨/ ١٨٥): «وأمَّا ما اشتُهِر بين العوامِّ مِنَ الاعتناء بصعود الجبل، وتوهُّمِهم أنه لا يصحُّ الوقوفُ إلَّا فيه فغلطٌ، بل الصوابُ جوازُ الوقوف في كُلِّ جزءٍ مِنْ أرضِ عَرَفاتٍ، وأنَّ الفضيلة في موقفِ رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصَّخَرات».

(١٦) أخرجه ابنُ ماجه في «المناسك» باب الموقف بعَرَفاتٍ (٣٠١٢) مِنْ حديثِ جابرٍ رضي الله عنه. انظر رُوَاتَه وطُرُقَه في «البدر المنير» لابن الملقِّن (٦/ ٢٣٤). والحديث صحَّحه ابنُ عبد البرِّ في «الاستذكار» (٤/ ٢٧٤)، والألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٤٠٠٦).

(١٧) تنبيه: لا يستقبل الحاجُّ في دعائه وأذكاره جبلَ الرحمة إلَّا إذا كان الجبلُ بينه وبين القِبْلة، قال ابنُ قدامة رحمه الله في «المغني» (٣/ ٤١٠): «والمُستحَبُّ أَنْ يقف عند الصخرات وجبلِ الرحمة، ويستقبل القِبْلةَ لِمَا جاء في حديثِ جابرٍ رضي الله عنه».

(١٨) أخرجه الطبرانيُّ في «فضل عشرِ ذي الحِجَّة» (١٣/ ٢) مِنْ حديثِ عليٍّ رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٤/ ٧).

(١٩) أخرجه مسلمٌ في «الآداب» (٢١٣٧) مِنْ حديثِ سَمُرةَ بنِ جندبٍ رضي الله عنه.

(٢٠) أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» (١٣٤٨) مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٢١) أخرجه أحمد (٨٠٤٧) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. قال الهيثميُّ في «مجمع الزوائد» (٣/ ٥٦٠): «رجالُه رجالُ الصحيح»، وصحَّحه أحمد شاكر في تحقيقه ﻟ «مسند أحمد» (١٥/ ١٩٣)، وحسَّنه الوادعيُّ في «الصحيح المسند» (١٣٦١).

(٢٢) «المغني» لابن قدامة (٣/ ٤١٦).

(٢٣) أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» (١٢١٨) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما الطويل.

(٢٤) أخرجه الترمذيُّ في «الصوم» بابُ كراهِيَةِ صومِ يومِ عَرَفةَ بعرفة (٧٥٠) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الترمذي».

(٢٥) أخرجه الترمذيُّ في «الصوم» بابُ كراهِيَة صومِ يومِ عَرَفةَ بعرفة (٧٥١) مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما. وصحَّحه أحمد شاكر في تحقيقه ﻟ «مسند أحمد» (٧/ ٢١٧)، والألبانيُّ في «صحيح الترمذي».

(٢٦) «المغني» لابن قدامة (٣/ ١٧٦).

(٢٧) قلت: هذه السُّنَّةُ وهي الجمعُ بين المغرب والعشاء بمُزدلِفة إنما هي للَّاحق، أمَّا المتخلِّف الذي يخشى عدمَ وصوله إليها إلَّا بعد مُنتصَفِ الليل فيُشرَع له الصلاةُ قبل الوصول إلى مُزدلِفةَ لعدمِ جوازِ تأخير الصلاة إلى ما بعد نصف الليل، ولا تجب عليه إعادةُ الصلاة أو قضاؤها بمُزدلِفةَ لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ [أي: صلاة الصبح] وَأَتَى عَرَفَاتٍ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» [أخرجه أبو داود في «المناسك» بابُ مَنْ لم يُدرِك عَرَفةَ (١٩٥٠)، والترمذيُّ في «الحجِّ» بابُ ما جاء فيمَنْ أَدرَك الإمامَ بجَمعٍ فقَدْ أَدرَك الحجَّ (٨٩١)، والنسائيُّ في «مناسك الحجِّ» بابٌ فيمَنْ لم يُدرِك صلاةَ الصبح مع الإمام بالمزدلفة (٣٠٣٩ ـ ٣٠٤٣)، مِنْ حديثِ عروة بنِ مُضرِّسٍ الطائيِّ رضي الله عنه. والحديث صحَّحه ابنُ الملقِّن في «البدر المنير» (٦/ ٢٤٠)، والدارقطنيُّ والحاكم وأبو بكرِ بنُ العربيِّ كما في «التلخيص الحبير» لابن حجرٍ (٢/ ٥٢٠)، والألبانيُّ في «الإرواء» (٤/ ٢٥٩)، والوادعيُّ في «الصحيح المسند» (٩٤٠)]، قال ابنُ قدامة رحمه الله في «المغني» (٣/ ٤١٥) في بيانِ آخِرِ وقت الوقوف يومَ عَرَفةَ: «لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في أنَّ آخِرَ الوقت: طلوعُ فجرِ يومِ النحر»، فدلَّ ذلك على أنَّ المتخلِّف يصلِّي المغربَ والعشاء في غيرِ مُزدلِفةَ.

(٢٨) قال النوويُّ رحمه الله في «شرح مسلم» (٨/ ١٨٧): «الحبالُ هنا بالحاء المُهمَلة المكسورة: جمعُ حبلٍ، وهو التلُّ اللطيف مِنَ الرمل الضخم».

(٢٩) أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» (١٢١٨) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما الطويل.

(٣٠) أخرجه النسائيُّ في «مناسك الحجِّ» بابُ فرضِ الوقوف بعَرَفة (٣٠١٨) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ عن أسامة بنِ زيدٍ رضي الله عنهم. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٧٨٨٥).

(٣١) العَنَقُ: هو السيرُ الذي بين الإبطاء والإسراع، وهو سيرٌ سهلٌ في سرعةٍ، [«فتح الباري» لابن حجر (٣/ ٥١٨)].

(٣٢) الفَجْوَةُ: الموضع المتَّسِعُ بين الشيئين، [«النهاية» لابن الأثير (٣/ ٤١٤)].

(٣٣) النصُّ: التحريك حتَّى يخرج أقصَى سيرِ الناقة، وأصلُ النصِّ: أقصى الشيءِ وغايتُه، ثمَّ سُمِّي به ضربٌ مِنَ السيرِ سريعٌ، [«النهاية» لابن الأثير (٥/ ٦٤)].

(٣٤) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الحجِّ» بابُ السير إذا دَفَع مِنْ عَرَفةَ (١٦٦٦)، ومسلمٌ في «الحجِّ» (١٢٨٦)، مِنْ حديثِ أسامة بنِ زيدٍ رضي الله عنهما.

(٣٥) «الاستذكار»لابن عبد البرِّ (٤/ ٢٩٦).

(٣٦) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الحجِّ» باب النزول بين عَرَفةَ وجَمعٍ (١٦٦٩)، ومسلمٌ في «الحجِّ» (١٢٨٠)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ عن أسامة بنِ زيدٍ رضي الله عنهم.