في حكم بيع حديد البناء بغررٍ يسيرٍ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 7 شعبان 1441 هـ الموافق لـ 31 مارس 2020 م



الفتوى رقم: ١٠٤٨

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - البيوع

في حكم بيع حديد البناء بغررٍ يسيرٍ

السـؤال:

تباع قضبان حديد البناء بالوزن، وتعارف الناس على أن قنطار الحديد رقم: ١٢ يعادل ٧ قضبان، لكن في الحقيقة لا يعلم وزنها مضبوطا، فقد تزن أقل من وزنها المعلوم عادة والمصرح به، وقد تزيد عن وزنها على وجه يُصَعِّبُ معرفة وزنها الحقيقي إلاّ بمشقة، علما أن حاجة الناس إليها كبيرة ويلجأون إلى بيعها بهذه الطريقة لكي لا يفسدوا القضبان بالقَطْع، فما حكم هذا البيع؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فالمعلوم أنَّ من شرط صحة البيع أن يكون المبيع معلومَ القدر والصفة عند المتعاقِدَيْنِ، ولا يتم صحيحًا إذا كانت جهالة القدر (الوزن) فيه كبيرةً، والغررُ فيه معتبرًا، فقد نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الغرر(١). لذلك إذا أمكن بيان قدر المبيع بلا مشقة وجب بيانه بالقول أو ما يقوم مقامه، وإلاّ فهو مانعٌ من صحة البيع.

أما إذا كان الغرر يسيرًا أو دعت حاجة الناس إليه أو كان مما لا يمكن الاحتراز منه فلا يَمنع مثلُ هذا الغرر من صحة البيع. قال ابن القيم -رحمه الله-: «فليس كلّ غرر سببًا للتحريم، والغرر إذا كان يسيرًا أو لا يمكن الاحتراز منه لم يكن مانعًا من صحة العقد، فإنّ الغررَ الحاصلَ في أساسات الجدران أو داخل بطون الحيوان أو آخرِ الثمار التي بدا صلاحُ بعضها دون بعضٍ لا يمكن الاحتراز منه، والغررُ الذي في دخول الحمام والشرب من السقاء ونحوه غرر يسير، فهذان النوعان لا يمنعان البيع بخلاف الغرر الكثير الذي يمكن الاحتراز منه، وهو المذكور في الأنواع التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما كان مساويًا لها لا فرق بينها وبينه، فهذا هو المانع من صحة العقد»(٢).

قلت: وما ذكره ابن القيم -رحمه الله- من بعض أنواع الغرر اليسير فهو محلّ إجماع العلماء عليه، نقله عنهم النووي -رحمه الله- ثم قال: «قال العلماء: مدارُ البطلان بسببِ الغررِ والصحة مع وجوده على ما ذكرناه، وهو أنَّه إن دعت حاجةٌ إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلاَّ بمشقة وكان الغرر حقيرًا جاز البيع وإلاَّ فلا، وما وقع في بعض مسائل الباب من اختلاف العلماء في صحَّة البيع فيها وفسادِه كبيع العين الغائبة مبنيٌ على هذه القاعدة»(٣).

والعلمُ عند الله تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٥ ربيع الثاني ١٤٣١ﻫ
الموافق ﻟ: ٢١ مارس ٢٠١٠م


(١) أخرجه مسلم في «البيوع» رقم (١٥١٣)، وأحمد في «مسنده» (٢/ ٢٥٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) «زاد المعاد» لابن القيم (٥/ ٨٢٠-٨٢١).

(٣) «شرح مسلم» للنووي: (١٠/ ١٥٦-١٥٧).