في عِدَّة المطلَّقة ثلاثًا | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 10 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 07 ديسمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١٠٨٠

الصنف: فتاوى الأسرة - انتهاء عقد الزواج - العدّة

في عِدَّة المطلَّقة ثلاثًا

السؤال:

امرأةٌ طلّقها زوجُها ثلاثَ تطليقاتٍ، فهل تعتدّ في الطّلقةِ الثّالثةِ بثلاثِ حِيَضٍ أم تستبرئ بحَيْضةٍ واحدةٍ؟ وجزاكم الله خيرا.

الجواب:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أما بعد:

فالمرأةُ المطلَّقةُ تعتدّ في الطّلقةِ الثّالثةِ بثلاثةِ قروءٍ كحالِها في الطّلقةِ الأولى والثّانيةِ بلا فرقٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فإنّ ظاهرَ الآيةِ عامٌّ في المطلَّقةِ ثلاثًا وفيما دونها؛ لعدمِ وجودِ المخصِّصِ الشّرعيِّ الموجِبِ لاستبرائِها بحَيْضةٍ، كما أنّ الآيةَ عامّةٌ في كلِّ مطلَّقةٍ إلاّ ما خصّه القرآنُ الكريمُ كالآيسةِ والصّغيرةِ بالأشهرِ، والحاملِ بالوضعِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطّلاق: ٤].

وخُصّ منها التي لم يُدْخَلْ بها، لقولِه تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، كما خُصّتِ الأَمَةُ بالإجماعِ؛ فإنّ عِدّتَها حَيْضتان(١).

واعتدادُ المطلَّقةِ ثلاثًا بثلاثةِ قروءٍ هو قولُ عامّةِ الفقهاءِ مِن أصحابِ المذاهبِ، ونقل الجصّاصُ عدمَ الخلافِ في ذلك(٢) وهو الصّحيحُ الرّاجحُ، مع اختلافِهم في معنى القرءِ(٣).

أمّا القولُ باستبرائِها بحَيْضةٍ فهو اختيارُ ابنِ تيميّةَ –رحمه الله-، وقد بنى تأسيسَه على الاستدلالِ بأنّ العدّةَ في مقابَلةِ استحقاقِ الرّجعةِ؛ عملاً بالاستقراءِ حيث قال بعد ذكرِ حديثِ فاطمةَ بنتِ قيسٍ رضي الله عنها: «.. والحديثُ -وإنْ لم يكن في لفظِه أنْ تعتدَّ ثلاثَ حِيَضٍ- فهذا هو المعروفُ عند مَنْ بَلَغَنا قولُه مِنَ العلماءِ؛ فإنْ كان هذا إجماعًا فهو الحقُّ، والأمّةُ لا تجتمع على ضلالةٍ، وإن كان مِنَ العلماءِ مَن قال: إنّ المطلَّقةَ ثلاثًا إنّما عليها الاستبراءُ لا الاعتدادُ بثلاثِ حِيَضٍ فهذا له وجهٌ قويٌّ بأنْ يكونَ طولُ العدّةِ في مقابَلةِ استحقاقِ الرّجعةِ، وهذا هو السّببُ في كونِها جُعلتْ ثلاثةَ قروءٍ، فمَن لا رجعةَ عليها لا تتربّص ثلاثةَ قروءٍ، وليس في ظاهرِ القرآنِ إلاّ ما يوافق هذا القولَ؛ لا يخالفه وكذلك ليس في ظاهرِه إلاّ ما يوافق القولَ المعروفَ لا يخالفه. فأيُّ القولين قضَتِ السّنّةُ كان حقًّا موافقًا لظاهرِ القرآنِ، والمعروفُ عند العلماءِ هو الأوّلُ»(٤).

ولا يخفى أنّ الاستدلالَ العقليَّ الذي قوّى به ابنُ تيميّةَ –رحمه الله- الاستبراءَ على الاعتدادِ بثلاثِ حِيَضٍ معارِضٌ لظاهرِ نصِّ الآيةِ أوّلاً، ولأنّ تأسيسَ علّةِ العدّةِ على استحقاقِ الرّجعةِ منتقِضٌ بعدّةِ المتوفّى عنها زوجُها ثانيًا، فإنّ المتوفّى عنها زوجُها تعتدّ مع أنّه لا رجعةَ عليها؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، لذلك كان الأَوْلى بالصّوابِ أنْ تعلَّلَ العدّةُ بالطّلاقِ أو الوفاةِ لمناسَبتِها للحكمِ مِن جهةٍ، ولِتَحقُّقِ دورانِ العلّةِ مع المعلولِ وجودًا وعدمًا مِن جهةٍ أخرى، فمتى وُجد الطّلاقُ أوِ الوفاةُ وُجدتِ العدّةُ تكليفًا شرعيًّا لازمًا بثلاثةِ قروءٍ أو أربعةِ أشهرٍ وعشرٍ، ومتى انتفى الطّلاقُ أوِ الوفاةُ انتفتِ العدّةُ وانعدم لزومُها.

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما.

الجزائر في: ١٩ من ذي الحجَّة ١٤٣١ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٤ نـوفمـبـر ٢٠١٠م


(١) انظر: «أحكام القرآن» لابن العربيّ: (١/ ١٨٥).

(٢) انظر: «أحكام القرآن» للجصّاص: (٢/ ٦٧)، وقال ابن الجوزيّ: «﴿وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ عامٌّ في المبتوتات والرّجعيات، وقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ خاصّ في الرّجعيات» [«زاد المسير» لابن الجوزيّ: (١/ ١٦٠)].

(٣) انظر الاختلاف في معنى القرء في: «بداية المجتهد» لابن رشد: (٢/ ٨٩)، «رؤوس المسائل الخلافيّة» للعكبريّ: (٤/ ٣٣٤)، «تكملة المجموع»: (١٨/ ١٣٣)، «المغني» لابن قدامة: (٧/ ٣٥٢).

(٤) «مجموع الفتاوى» لابن تيميّة: (٣٢/ ٣٤٢).