في حكم انقطاع الدم في أيَّام الحيض | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 16 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 13 ديسمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١١٣٣

الصنف: فتاوى الطهارة - الحيض والنفاس

في حكم انقطاع الدم في أيَّام الحيض

السؤال:

امرأةٌ معتادةٌ عادتُها في الحيض سبعةُ أيَّامٍ، حاضَتْ أربعةَ أيَّامٍ، ثمَّ انقطع الدمُ أربعةَ أيَّامٍ، ثمَّ عاد الدمُ أربعةَ أيَّامٍ أخرى؛ فهل الدمُ في الأربعةِ الأيَّامِ الأخيرة يُعتبَرُ حيضًا أم استحاضةً؟ وهل يجوز التلفيقُ حتَّى تنتهيَ أيَّامُ الحيض وتعتبر اليومَ الزائدَ استحاضةً، علمًا بأنَّها لم تميِّزِ الدمَ؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإذا انقطع عن المرأة دمُ الحيض ورأَتْ علامةَ الطهر فهو طُهْرٌ ولو كان دون أيَّام عادتها؛ إذ لا حَدَّ لأقلِّ الحيض ولا لأكثرِه ـ على أظهرِ أقوال أهل العلم ـ وإنما مَرَدُّه إلى العادة؛ إذ لم يَرِدْ دليلٌ صحيحٌ مِنْ نصٍّ أو إجماعٍ أو قياسٍ يُعتمَدُ عليه أو يَصْلُحُ للاحتجاج به على التقديرات والتفصيلات التي أَوْرَدَها الفقهاءُ، مع أنَّ الضرورةَ داعيةٌ للبيان، و«تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِ الحَاجَةِ لَا يَجُوزُ»؛ لذلك وَجَبَ التمسُّكُ بمُسمَّى الحيض الذي عُلِّقَتْ عليه الأحكامُ وجودًا وعدمًا.

قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «وأمَّا الذين يقولون: أكثرُ الحيضِ خمسةَ عَشَرَ كما يقوله الشافعيُّ وأحمد، ويقولون: أقلُّه يومٌ كما يقوله الشافعيُّ وأحمد، أو لا حدَّ له كما يقوله مالكٌ؛ فهُمْ يقولون: لم يثبت عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولا عن أصحابه ـ في هذا ـ شيءٌ، والمرجعُ ـ في ذلك ـ إلى العادة كما قُلْنا»(١).

وعليه، فإِنْ وُجِد الدمُ وكان ذلك في أيَّام حيضها فهو حيضٌ، وإِنِ انقطع نهائيًّا ـ بحيث رأَتِ القَصَّةَ البيضاء ـ فهو طُهرٌ، وتترتَّب عليه أحكامُه.

أمَّا إذا كان الدمُ متقطِّعًا في أيَّام حيضها ـ كأَنْ يأتيَ يومين ثمَّ ينقطعَ في الثالث ثمَّ يعودَ في الرابع ـ فإنه يُعَدُّ حيضًا أيضًا؛ لأنَّ العبرة بإدبار المحيض وانتهائه، أي: برؤية علامة الطهر وهي القَصَّةُ البيضاء، وهي: ماءٌ أبيضُ يدفعه الرَّحِمُ عند انقطاع الحيض(٢)؛ فقَدْ «كُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ، فَتَقُولُ: «لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيْضَاءَ» تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الحَيْضَةِ»(٣)؛ فلا عبرةَ ـ إذن ـ بتقطُّعِ الدم، وإنما بإدباره نهائيًّا.

أمَّا إذا استمرَّ الدمُ بالمرأة أكثرَ مِنْ عادتها: فإمَّا أَنْ تكون ممَّنْ تستطيع تمييزَ دمِ الحيض مِنْ غيرِه فعليها العملُ بالتمييز، حيضًا كان حالُهَا أم طهرًا، بحسَبِ ما آلَ إليه تمييزُها، مع ترتُّبِ لوازم كُلٍّ منهما، فإِنْ لم تكن قادرةً على تمييزِ دمِ الحيض عن غيره فإنها تَستصحِبُ الحيضَ حتَّى تُثْبِتَ غيرَه؛ لأنَّ «الأَصْلَ فِي كُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنَ الرَّحِمِ مِنْ دَمٍ طَبِيعِيٍّ أَنَّهُ حَيْضٌ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ»؛ ولأنه ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ لا يُوجَدُ حدٌّ لأكثرِ الحيض.

أمَّا إِنْ رأَتْ بعد الطهرِ صُفْرةً أو كُدْرةً أو رطوبةً أو نقطةً فلا تنتقل إلى الحيض، بل تَستصحِبُ ـ في هذه الحالة ـ حُكْمَ الطُّهْرِ؛ لحديثِ أمِّ عَطيَّةَ رضي الله عنها قالَتْ: «كُنَّا لَا نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ [بَعْدَ الطُّهْرِ] شَيْئًا»(٤).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١ مِنَ المحرَّم ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٩ جانفي ٢٠٠٨م

 


(١) «الفتاوى الكبرى» (١/ ٤١٩) و«مجموع الفتاوى» (٢١/ ٦٢٣) كلاهما لابن تيمية.

(٢) انظر: «النهاية» لابن الأثير (٤/ ٧١).

(٣) علَّقه البخاريُّ بصيغة الجزم في «الحيض»(١/ ٤٢٠) بابُ إقبالِ المحيض وإدباره. وأخرجه مالكٌ في «الموطَّإ» (١/ ٥٩)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (١٥٨٩)، مِنْ حديثِ أمِّ علقمة مولاةِ عائشة رضي الله عنها. وصحَّحه النوويُّ في «الخلاصة» (١/ ٢٣٣) و«المجموع» (٢/ ٣٨٩)، والألبانيُّ في «إرواء الغليل» (١/ ٢١٨) رقم: (١٩٨).

(٤) أخرجه البخاريُّ دون قولها: «بعد الطهر» في «الحيض» باب الصفرة والكُدرة في غير أيَّام الحيض (٣٢٦)، وأبو داود في «الطهارة» بابٌ في المرأة ترى الكُدْرة والصُّفرة بعد الطهر (٣٠٧)، مِنْ حديثِ أمِّ عطيَّة رضي الله عنها. وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (١/ ٢١٩) رقم: (١٩٩).