في حكم مُخاطَبةِ الجنِّ والاستعانة بهم في الرقية | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 10 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 07 ديسمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١١٤٣

الصنف: فتاوى طبِّية

في حكم مُخاطَبةِ الجنِّ والاستعانة بهم في الرقية

السؤال:

هل يجوز للراقي مُخاطَبةُ الجنِّ ومُحاوَرتُهم والتحدُّثُ معهم، ودعوتُهم إلى الإسلام، والاستعانةُ بهم في معرفة السحر؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فيَحْرُمُ إتيانُ الكاهن والعرَّاف، ومُساءَلةُ الجنِّ والحوارُ معهم على وجهِ التصديق لهم في كُلِّ ما يُخْبِرُون والتعظيمِ لشأنهم(١)؛ فقَدْ صحَّ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً»(٢)، كما ثَبَتَ عن مُعاوِيةَ بنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ رضي الله عنه قال: «قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أُمُورًا كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ: كُنَّا نَأْتِي الكُهَّانَ»، قَالَ: «فَلَا تَأْتُوا الكُهَّانَ»»(٣).

و«العرَّاف»: اسْمٌ للكاهن والمُنجِّمِ والرمَّال ونحوِهم ممَّنْ يَتكلَّمُ في معرفة أمور الغيب(٤)؛ فهُمْ إخوانُ الشياطين ورُسُلُهم.

وفي مَعْرِضِ بيانِ أنَّ الكَهَنَةَ رُسُلُ الشياطينِ يقول ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «..لأنَّ المُشْرِكين يُهْرَعون إليهم ويَفْزَعون إليهم في أمورهم العِظامِ، ويُصدِّقونهم ويَتحاكمون إليهم ويَرْضَوْنَ بحُكْمِهم، كما يفعل أتباعُ الرُّسُلِ بالرُّسُلِ؛ فإنهم يعتقدون أنهم يعلمون الغيبَ ويُخْبِرُون عن المُغيَّبات التي لا يعرفها غيرُهم؛ فهُمْ عند المُشْرِكين بهم بمَنْزِلَةِ الرُّسُل؛ فالكَهَنَةُ رُسُلُ الشيطانِ حقيقةً، أَرْسَلَهم إلى حِزْبِه مِنَ المُشْرِكين وشبَّههم بالرُّسُل الصادقين، حتَّى استجابَ لهم حِزْبُه، ومثَّل رُسُلَ اللهِ بهم ليُنَفِّرَ عنهم ويَجْعَلَ رُسُلَه هُمُ الصادقين العالِمين بالغيب.

ولمَّا كان بين النوعين أَعْظَمُ التضادِّ قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ»(٥)»(٦).

ولا يجوز الاستعانةُ بهم لأنَّ ذلك مِنَ الشرك، ولا استخدامُهم لتحقيقِ أعمالٍ صالحةٍ أو طالحةٍ؛ لدخوله في بابِ السحر والاستعانة بالشياطين، وهي تُعَدُّ أعمالًا مُخِلَّةً بالعقيدة، فضلًا عن كونه يُضْعِفُ قوَّةَ توجُّهِه واعتمادِه على الله تعالى، ويفتح بابَ شرٍّ على التوحيد لمَنْ يستخدم الجنَّ مِنَ المُشَعْوِذين، ويتعدَّى على ما خَصَّ اللهُ به نبيَّه سليمانَ عليه السلام مِنْ تسخيرِ الجنِّ لخدمته لقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٣٥[ص].

أمَّا مُحاوَرتُهم والتحدُّثُ معهم لمَنْ ليس عنده المقدرةُ على تمييزِ صِدْقِهم فيما طابَقَ خبَرَ الوحيِ مِنْ كَذِبِهم المُخالِفِ له فلا يجوز؛ خشيةَ الاستدراجِ والاحتيال مِنَ الشياطين، ومَكْرُهم بالناسِ كبيرٌ، قال تعالى: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ [الأعراف: ٢٧]، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ إِنَّمَا يَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ٦[فاطر]، وقال: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّ [الكهف: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا ١١٩ [النساء].

فعداوةُ الشياطينِ لا تَزولُ ولا تحولُ، وفتنتُهم للناسِ عظيمةٌ، ومَهارَتُهم في الإضلال كبيرةٌ؛ فقَدْ تُوهِمُ الناسَ أَنْ يعتقدوا في القارئ أنَّ لديه سرًّا مُعَيَّنًا تَتعَّهدُ له به الجنُّ ألَّا تعود إلى المصروع مثلًا؛ فيصيرُ الناسُ يضربون إليه أكبادَ المَطِيِّ ويتزاحمون على بابِه؛ الأمرُ الذي يُساعِدُ على دخولِ العُجْب في نَفْسه وإصابته بالزهو والرياء والكبرياء، ويظنُّ بنَفْسِه الظنونَ، ويُورِّطُه في الفتنة؛ لذلك يجب تجنُّبُ الوقوعِ في مثلِ هذه المَفاسدِ وسدُّ مَداخِلِها.

أمَّا مُساءَلتُهم ومُحاوَرتُهم على سبيل الامتحان لِحالهم، ومعرفةِ وجه اعتدائهم لِدَفْعِ الظلمِ وإزالته عن المظلوم، والاطِّلاعِ على اعتقادهم باختبارِ باطنِ أَمْرِهم مع وجودِ مَقْدِرةٍ على ما يُميِّزُ به صِدْقَهم مِنْ كَذِبِهم؛ فحكمُه الجوازُ، ويدلُّ عليه امتحانُه صلَّى الله عليه وسلَّم لابنِ صيَّادٍ الكاهن، الذي كان يأتيهِ الشيطانُ ويتكلَّمُ على لسانه لِمَا للشيطان مِنْ قدرةٍ على مُلامَسةِ الإنسان، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّ [البقرة: ٢٧٥]، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ»(٧)؛ إذ المعلومُ أنَّ البشر العاديَّ لا يمكن أَنْ يرى الجِنِّيَّ؛ لأنَّه روحٌ بلا جسدٍ يخترقه البصرُ، قال تعالى: ﴿إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡ[الأعراف: ٢٧]، والكاهنُ لا يرى الجِنِّيَّ في صورته وإنما يَتشكَّلُ له في صورةٍ أخرى فيظهرُ له ويُخْبِرُه؛ فقَدْ ثَبَتَ في الصحيحين مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم سأَلَ ابنَ صيَّادٍ فقال: «مَاذَا تَرَى؟» قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: «يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ»، فَقَالَ النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ»، ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنِّي قَدْ خَبَّأَتُ لَكَ خَبِيئًا»، فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: «هُوَ الدُّخُّ»(٨)، فَقَالَ: «اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ»(٩).

ويرى الخطَّابيُّ ـ رحمه الله ـ(١٠) أنَّ امتحانَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بما خبَّأَهُ له مِنْ آيةِ الدخان؛ فلأنه كان يَبْلُغُه ما يَدَّعِيهِ مِنَ الكِهانة ويَتعاطاهُ مِنَ الكلام في الغيب؛ فامْتَحَنَهُ لِيَعْلَمَ حقيقةَ حالِه، ويُظْهِرَ إبطالَ حالِه للصحابة، وأنه كاهنٌ ساحرٌ يأتيهِ الشيطانُ(١١).

هذا، ويجوز مع الجِنِّي ما يجوز مِثْلُه في حقِّ مجهولِ الحال الإنسيِّ؛ فإنَّ خَبَرَ الفاسق يُسْمَعُ ويُتَبيَّنُ منه ليُحْتاطَ له، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ [الحُجُرات: ٦].

ومِنْ هاهنا امْتَنَعَ طوائفُ مِنَ العُلَماءِ مِنْ قَبولِ روايةِ مجهولِ الحال لاحتمالِ فِسْقِه في نَفْسِ الأمر، وكذلك خبرِ الكُفَّار والفُجَّار؛ فلا يُجْزَمُ بصدقه ولا كَذِبِه مع مشروعيةِ سماعِه.

ويدلُّ على جوازِ سماعِ ما يقولونه مِنْ غيرِ تصديقٍ ولا تكذيبٍ ما رواهُ أبو هريرة رضي الله عنه قال: «كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يَقْرَأُونَ التَّوْرَاةَ بِالعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسِّرُونَهَا بِالعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الإِسْلَامِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا»»(١٢).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٥ جمادى الأولى ١٤١٨ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٧ سبتمبر ١٩٩٧م

 


(١) انظر مفاسدَ مُحاوَرةِ الجنِّ في كتاب: «الدليل والبرهان على بطلان أعراض المَسِّ ومُحاوَرةِ الجانِّ» مدحت عاطف (ص ٤٤ ـ ٤٨).

(٢) أخرجه مسلمٌ في «السلام» (٢٢٣٠) مِنْ حديثِ صفيَّة عن بعضِ أزواج النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم. وأخرجه أحمد (١٦٦٣٨) بلفظ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ لَمْ تُقْبَلْ لهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا».

(٣) أخرجه مسلمٌ في «السلام» (٥٣٧) مِنْ حديثِ مُعاوِيةَ بنِ الحَكَمِ السُّلَميِّ رضي الله عنه.

(٤) واللَّافِتُ للنظر: أنَّ مِنَ الكهانة والتنجيمِ تصديقَ الأبراج المُتداوَلةِ في الصحف والمجلَّات، ويَحْرُمُ على القارئ الاطِّلاعُ على حظِّه منها ولو مِنْ غيرِ تصديقٍ، وتقريرُ التحريم مبنيٌّ على مبدإِ سدِّ ذريعةِ الشرك.

(٥) أخرجه أحمد في «مسنده» (٩٥٣٦) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع الصغير» (٥٩٣٩).

(٦) «إغاثة اللهفان» لابن القيِّم (١/ ١٩٧).

(٧) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الاعتكاف» باب: هل يدرأ المعتكفُ عن نَفْسه؟ (٢٠٣٩)، ومسلمٌ في «السلام» (٢١٧٥)، مِنْ حديثِ صفيَّة رضي الله عنها.

(٨) «الدخُّ» ـ بضمِّ الدال وفتحِها ـ: الدخان، [انظر: «النهاية» لابن الأثير (٢/ ١٠٧)].

(٩) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الجنائز» باب: إذا أَسْلَمَ الصبيُّ فمات: هل يُصلَّى عليه؟ وهل يُعْرَضُ على الصبيِّ الإسلامُ؟ (١٣٥٤)، ومسلمٌ في «الفتن وأشراط الساعة» (٢٩٣٠)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.

(١٠) هو أبو سليمان حمدُ بنُ محمَّد بنِ إبراهيم بنِ خطَّابٍ الخطَّابيُّ البُسْتيُّ الشافعيُّ، كان إمامًا في الفقه والحديث، أديبًا عالمًا محقِّقًا. له تصانيفُ مُفيدةٌ منها: «مَعالِمُ السنن»، و«غريب الحديث»، و«إصلاح غَلَطِ المحدِّثين». تُوُفِّيَ سنة: (٣٨٨ﻫ).

انظر ترجمته في:«معجم الأُدَباء» لياقوت (٤/ ٢٤٦)، «اللباب» لابن الأثير (١/ ٤٥٢)، «وفيات الأعيان» لابن خِلِّكان (٢/ ٢١٤)، «سِيَر أعلام النُّبَلاء» للذهبي (١٧/ ٢٣)، «طبقات الإسنوي» (١/ ٢٢٣)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١١/ ٢٣٦)، «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة (١/ ١٥٦)، «بغية الوُعاة» (٢٣٩) و«طبقات الحُفَّاظ» (٤٠٤) كلاهما للسيوطي، «شذرات الذهب» لابن العماد (٣/ ١٢٧)، «الرسالة المُستطرَفة» للكتَّاني (٤٤).

(١١) انظر: «مَعالِم السنن» للخطَّابي (٤/ ٥٠٣).

(١٢) أخرجه البخاريُّ في «الاعتصام بالكتاب والسنَّة» بابُ قولِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تَسْأَلُوا أَهْلَ الكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ» (٧٣٦٢) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.