في حكمِ الاقتصار على أقلَّ من سبعةِ أشواطٍ في طوافِ التَّطوعِ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 22 ذي القعدة 1445 هـ الموافق لـ 30 مايو 2024 م

الفتوى رقم: ١٣٢٩

الصنف: فتاوى الحجِّ ـ الطواف والسعي

في حكمِ الاقتصار على أقلَّ من سبعةِ أشواطٍ
في طوافِ التَّطوعِ

السؤال:

هل يَلْزَمُ الطَّائفَ المُتطوِّعَ في غيرِ طواف النُّسُك ـ الحجِّ أو العُمرةِ ـ إتمامُ سبعةِ أشواطٍ أم لا يَلْزَمُه؟ وإذا اقتصر على أقلَّ مِنْ سبعٍ فهل يُجزِئُه طوافُه، وهل يُثابُ عليه أم لا؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلا خلافَ بين الفقهاءِ في استحباب الطَّوافِ بالبيتِ للمتطوِّع سبعةَ أشواطٍ لِيَتسنَّى له الحصولُ على الأجرِ، لقول ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ مَسْحَهُمَا كَفَّارَةٌ لِلْخَطَايَا»، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ طَافَ بِهَذَا البَيْتِ أُسْبُوعًا فَأَحْصَاهُ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ»، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «لَا يَضَعُ قَدَمًا وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ خَطِيئَةً وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً»(١)، والمعنى: أنَّ المُتطوِّعَ ينالُ الأجرَ المَذكورَ في الحديثِ إذا طاف سبعةَ أشواطٍ فَأَحْصَاهُ بِأَنْ يُكْمِلَهُ سبعًا ويُتبِعَه بركعتينِ بعد الطَّوافِ، مُراعِيًا في ذلك ما يُعتبَر في الطَّواف مِنَ الشُّروط والآداب(٢).

أمَّا مسألةُ الطَّوافِ بالبيتِ تطوُّعًا بأقلَّ مِنْ سبعةِ أشواطٍ فهي محلُّ اختلافٍ بين العلماء، والأقربُ إلى الحيطةِ والكمالِ: مذهبُ القائلين: إنَّه لا يُجزِئُ أقلُّ مِنْ سبعةِ أشواطٍ، وهو المُعتمَدُ عند المَالكيَّة والشَّافعيَّة؛ ذلك لأنَّ العباداتِ المقصودةَ بذاتها والواردةَ على صفةٍ مُعيَّنةٍ في الشَّرع ينبغي فِعلُها كما وردَتْ في الشَّرعِ، وبِصِفَتها دون الاقتصار على الإتيان بجزءٍ منها والاكتفاءِ به، إذ إنَّ هذه العباداتِ لا تَقبَلُ التَّبعيضَ ولا التَّجزئة، لذلك لا يجوز الاقتصارُ على عددٍ أو جُزءٍ مُعيَّنٍ مِنْ تلك العبادةِ دون الإتيانِ بها بكاملها.

هذا، وفي مَعرِضِ بيانِ أنَّ الشَّريعةَ لم تَرِدْ بالتَّقرُّب إلى الله بِسَجْدَةٍ مُنْفَرِدَةٍ لَا سَبَبَ لَهَا، فقد نقل أبو شامة ـ رحمه الله ـ عن بعض الفقهاء قوله: «..فإنَّ القُرَبَ لها أسبابٌ وشرائطُ وأوقاتٌ وأركانٌ لا تصلح بدُونِها؛ وكما لا يُتقرَّبُ إلى الله تعالى بالوقوفِ بِعَرَفةَ ومُزدلِفةَ ورميِ الجِمار والسَّعيِ بين الصَّفَا والمروةِ مِنْ غيرِ نُسُكٍ واقعٍ في وقته بأسبابه وشرائطه، فكذلك لا يُتقرَّب إلى الله تعالى بسجدةٍ مُنفرِدةٍ وإِنْ كانت قُربةً إذا كان لها سببٌ صحيحٌ، وكذلك لا يُتقرَّب إلى الله تعالى بالصَّلاة والصِّيامِ في كُلِّ وقتٍ وأوانٍ»(٣)، وفي «موطَّإ مالكٍ»: «.. وإذا دَخَلَ في الطَّوافِ لم يَقطَعْه حتَّى يُتِمَّ سُبُوعَه(٤)؛ ولا ينبغي أَنْ يترك شيئًا مِنْ هذا إذا دَخَلَ فيه حتَّى يَقضِيَه، إلَّا مِنْ أمرٍ يَعرِضُ له ممَّا يَعرِض للنَّاسِ مِنَ الأسقامِ الَّتي يُعذَرون بها والأمورِ الَّتي يُعذَرون بها»(٥)، وشرَحَ الباجيُّ ـ رحمه الله ـ ذلك بقوله: «وهذا ـ كما قال ـ أنَّ أعمالَ الطَّاعاتِ الَّتي تُقصَدُ لِأَنفُسِها ولا تَتبعَّضُ ـ كالصَّلاةِ والحجِّ والصِّيامِ والطَّوافِ ـ لا ينبغي لِمَنْ دَخَلَ فيها وتَلبَّسَ بعملِها أَنْ يَقطَعها حتَّى يُتِمَّ منها أقلَّ ما يكون مِنْ جنسِ تلك العبادةِ كاملةً... وأقَلُّ ما يكون مِنَ الصِّيامِ عبادةً: يومٌ واحدٌ، وأقلُّ ما يكون مِنَ الحجِّ عبادةً: حَجَّةٌ كاملةٌ، وكذلك العُمرةُ، وأقلُّ ما يكون مِنَ الطَّوافِ عبادةً: سبعةُ أشواطٍ مع ما يَتبعُه وهُما الرَّكعتانِ بَعده، وأقلُّ ما يكون مِنَ الصَّلاةِ عبادةً: ركعتان؛ فهذا: المِقْدارُ الَّذي يَلْزَمُ مِنْ هذه العباداتِ بالتَّلبُّسِ بها... فمَنْ تَلبَّسَ بشيءٍ مِنْ هذه العباداتِ لَزِمَه أَنْ يُتِمَّ منها ما ذكَرْناه»(٦) [بتصرُّف].

ولا يخفى أنَّ الطائفَ المتطوِّعَ إِنْ وَسِعَه إتمامُ طوافِه سبعةَ أشواطٍ فذلك أَوْلَى كمالًا وأحوطُ دِينًا، ما لم يَعرِض له ما يُعذَر به يقطعه عن إتمام الأشواطِ، فإِنِ اقتصرَ ـ في هذه الحال ـ على أقلَّ مِنْ ذلك فله الثَّوابُ والأجرُ على نَصَبِه فيما قام به مِنْ طَوْفٍ(٧).

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٤ رجب ١٤٤٤هـ
الموافق ﻟ: ١٥ فبراير ٢٠٢٣م



(١) أخرجه الترمذيُّ في «الحجِّ» (٣/ ٢٩٢) بابُ ما جاء في استلام الرُّكنين، رقم: (٩٥٩)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما، والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح سنن الترمذي» (١/ ٤٩١) و«صحيح الجامع» (٥/ ٣٢٠) رقم: (٦٢٥٦).

(٢) انظر: «مرقاة المفاتيح» للقاري (٩/ ٤٨)، «مرعاة المفاتيح» للمباركفوري (٩/ ١١٥).

(٣) «الباعث على إنكار البِدَع والحوادث» لأبي شامة (٦١).

(٤) وفي تحقيق الأعظمي: سُبْعَه.

(٥) انظر: «موطَّأ مالك» ـ تحقيق الأعظمي ـ (٣/ ٤٤٠).

(٦) «المنتقى» للباجي (٢/ ٦٩).

(٧) هذا في طوافِ التَّطوُّعِ، وأمَّا في طوافِ أحدِ النُّسُكَينِ [الحجِّ أو العُمرةِ] سواءٌ أكان واجبًا أو مستحبًّا، فإِنْ كان القطعُ مِنْ قريبٍ ولِعُذرٍ فيُجزِئُه مِنْ طواف النُّسُكِ أَنْ يُتِمَّ ما بقي عليه مِنْ سبوعِه مِنْ حيث وقَفَ، أمَّا إِنْ طالَ الفصلُ فعليه أَنْ يَستأنِفَه مِنْ جديدٍ سبعةَ أشواطٍ مِنَ الحَجَرِ الأسود إلى الحَجَر، وهو مأجورٌ على قَدْرِ نَصَبِه في ما قطَعَه مِنْ طَوْفٍ للعُذر.