الفرق في لفظ «التَّقديس» بين المعنى المردود والمحمود | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 7 ذي الحجة 1445 هـ الموافق لـ 13 يونيو 2024 م

الفتوى رقم: ١٣٣٦

الصنف: فتاوَى متنوِّعةٌ ـ ألفاظٌ في الميزان

الفرق في لفظ «التَّقديس» بين المعنى المردود والمحمود

السؤال:

ما قولُكم ـ حَفِظكم الله ـ فيمَنْ يُنكِر علينا محبَّةَ أهلِ الفضل والعِلمِ وتقديرَهم وتوقيرَهم بما يستحقُّون، والأخذَ بنصائحهم وتوجيهاتهم مُدعَّمةً بالنُّصوص والأدلَّة، ومحلُّ الإنكار في نظرهم: هو جعلُ الثِّقةِ المُطلَقةِ العمياءِ في آرائهم واجتهاداتهم، وعَدُّوا ذلك مِنَ التَّقديسِ، مُبرِّرين ذلك بأنَّ الدَّعوةَ السَّلفيَّة تمنعُ تقديسَ الرِّجال، ومنهجُها مبنيٌّ على محاربةِ هذا التَّقديسِ، فهل قولُهُم هذا صحيحٌ على إطلاقه أم أنَّ فيه تفصيلًا؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّ لفظَ التَّقديسِ قد يأتي بمعنى التَّعظيم والتَّبجيلِ على سبيل العبادة ومعنى التَّنزيه عن النَّقائص كُلِّها، ويقال مَثَلًا: «قدَّس اللهَ»: عظَّمه وبَجَّله ونزَّهه عمَّا لا يليق بألوهيَّته، وأَبعدَه عن كُلِّ عيبٍ ونَقصٍ وعجزٍ وسوءٍ، وغايةُ التَّعظيمِ وكمالُه لا يجوزُ إلَّا للهِ سبحانه وحده لا شريكَ له، فهو المُستحِقُّ وحدَه لأعظم التَّقديسِ وتمامِه، وهو المحمودُ على كُلِّ شيءٍ لذاتِه؛ فمَنْ عظَّم غيرَ الله مِنْ دونِه مِنَ العلماء والأولياء والزُّعَماءِ وغيرِهم أو أَحبَّه محبَّةَ تقديسٍ وعبادةٍ أو تنزيهٍ عن كُلِّ نقصٍ وعيبٍ وقَعَ في شِركِ اللهِ فيما لا يَلِيقُ إلَّا به مِنْ حقٍّ أو وصفٍ؛ فإِنْ قُصِد بالتَّقديس في السُّؤال هذا المعنى المحرَّمُ فهو حقٌّ إنكارُه، لأنَّه تعظيمٌ جاوزَ المشروعَ الَّذي لم يأذن به اللهُ، لا لمُجرَّدِ كونه تقديسًا، بل لخصوص المعنى المذمومِ الذي تَضمَّنَه خصوصُ هذا التَّقديسِ؛ علمًا «أنَّ التَّقديسَ لا يختصُّ به سبحانه، بل يُستعمَل في حقِّ الآدميِّين، يقال: فلانٌ رجلٌ مُقدَّسٌ: إذا أُريدَ تبعيدُه عن مُسقِطاتِ العدالةِ ووصفُهُ بالخيرِ»(١).

وقد يأتي لفظُ التَّقديسِ بمعنَى التَّطهير وإثباتِ طهارَتِه وبراءَتِه مِنْ بعض النقائص القادحة ومُبارَكةِ اللهِ له أو فيه، ويقتضي معنَى الهَيبَةِ والتَّوقير والاحترامِ والتَّبجيلِ والتَّقدير، فيقال مَثَلًا: «هابَ الطَّالبُ أستاذَه، هاب الطَّالبُ مِنْ أستاذِه: قدَّسه: عظَّمه ووقَّره وأجَلَّه»(٢)، وتقديسُ الرَّجُلِ: تطهيرُه ومبارَكتُه؛ ويشهد لهذا المعنى قولُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «كَيْفَ يُقَدِّسُ اللهُ أُمَّةً لَا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ شَدِيدِهِمْ؟»(٣)، أي: كيف يطهِّرهم؟ فهذا المعنى إنْ صادف محلَّه ولم يجاوز الحدَّ المشروعَ ولا القَدْرَ الذي يَستحِقُّه المقدَّسُ فلا يُذَمُّ مِنْ صاحبه المُقدِّس، فمَنْ عظَّم العُلَماءَ ـ مَثَلًا ـ وأَجلَّهم ونافح عنهم بالحقِّ فحمَلَ كلامَهم على المَحمَلِ الحسنِ إذا كان مُحتمِلًا، وعذَرَهم فيما أخطؤوا فيه عن اجتهادٍ، ولم يأخذ عنهم خطَأَهم إذا تَبيَّن له أنهم أخطؤوا، بل ردَّه عليهم بالتي هي أحسنُ مِنْ دونِ أَنْ يقع فيهم بالقدحِ تحاملًا عليهم إذا لم يظهر منهم ميلٌ إلى الهوى والبَغيِ، فلا شيءَ في هذا التَّقديسِ عن اتِّباعِ الهوى، بإثباتِ كونهم اجتهدوا في طلب الحقِّ وفاتَتْهم الإصابةُ، لأنَّ هذا هو الواقع.

ومَنْ أَحبَّ في اللهِ أهلَ الإيمان والعلمِ والخيرِ، ووقَّرهم وعظَّمهم وقدَّرهم وارتبطت محبَّتُه بما يحبُّه اللهُ فهو مأجورٌ عليه، لأنَّ المعلومَ أنَّ كُلَّ مؤمنٍ يستحقُّ مِنَ المَحبَّة والتَّقدير والتَّوقير والتَّبجيلِ بحَسَبِ منزلتِه في الإيمان والتَّقوى، وبقدرِ ما فيه مِنَ الولايةِ والخيرِ، وبقدرِ مُوافقتِه لشرعِه؛ وإنَّما يَستحِقُّ ذلك بالطَّريقةِ الَّتي شرَعَها اللهُ لتعظيمِه، فإِنْ قُصِد بالتَّقديس هذا المعنى المشروعُ فإنَّ الدَّعوةَ السَّلفيَّةَ لا تمنعُ تقديرَ أهلِ الإيمانِ والعلمِ والفضلِ ومحبَّتَهم وتوقيرَهم وتبجيلَهم على مكانتهم ومنازلهم، بل تأمر بذلك لكونهم ورَثَةَ الأنبياء أو بحَسَبِ ما لَهم مِنْ مكانةٍ عند الله، إذ لا تَعارُضَ ـ ألبتَّةَ ـ بين محبَّة الله تعالى القائمة على التعظيم والعبادة والتنزيه مِنَ الشِّرك والعجز والنَّقص، وبين محبَّة أوليائه مِنْ أهلِ الإيمان والتَّقوى والعلمِ والصَّلاحِ في الله، لارتباط محبَّتهم وتعظيمِ مكانتهم بما يحبُّه اللهُ ويرضاه.

ولهذه المادَّةِ ومُشتقَّاتِها في اللُّغة مَعانٍ أُخَرُ تَقدَّم ذِكرُ بعضِها.

فالحاصل:

أنَّ ثَمَّةَ فرقًا بين تقديسِ الرِّجال وآرائِهم بمعنَى أنَّه يُعظِّمُ الأشخاصَ والألقابَ بحيث يرفعُهم فوق مَقامِهم أو يُثبِتُ لهم ما ليس لهم، فيَنبهِرُ بهم، ويُحبُّهم حُبًّا لا يقبل نقاشًا ولا اعتراضًا، ويُنزِّههم مِنَ النُّقصان والعيوب والأخطاء والزَّلَّات التي تَثبُت لهم؛ ويُمرِّر هفواتِهم وهَنَاتِهم الثابتةَ عليهم دون انتقادٍ ولا توقُّفٍ، إذ لا يُتصوَّر ـ أصلًا عنده ـ طروءُ الغلطِ والخطإ على أقوالهم، بل يَعتقدُ فيهم العصمةَ والكمالَ على الوجه الذي لا يَثبُت إلَّا للأنبياء، فيقلِّدهم تقليدًا أعمَى خاليًا مِنَ التَّبصُّر والرَّويَّة، بل يُقلِّدهم فيما يُعايِنُ ـ بيقينٍ ـ الصوابَ في خلافه، ويطيعهم طاعةَ مَذلَّةٍ وخنوعٍ وخضوعٍ ولو خالفوا نصوصَ الكتاب والسُّنَّة مُقدِّمًا لأقوالهم عليها، وهذا النَّوعُ المذمومُ مِنْ تقديس الرِّجال هو الذي تحاربه الدَّعوةُ السَّلفيَّةُ، وهو المُتبادِرُ عند الإطلاق والذي ينبغي أَنْ يكون المُرادَ بالطَّرح عند مَنْ يستعمل هذه اللَّفظةَ على سبيل الاستنكار في موضعه مِنْ أهل السُّنَّة، وهذا النَّوعُ المَذمومُ مِنَ التَّقديسِ لا ينفكُّ عن دِين الصُّوفيَّة والشِّيعة وغيرِهم وخاصَّةً مِنْ أهل العلمِ الفاسدِ أو العملِ الطَّالحِ: مِنَ المُتملِّقين المَفتونين بصُنَّاعِ القرار وأهلِ الحَلِّ والعَقد ورجالِ الغلبةِ والإدالة والتَّأثير على وجهِ المُداهنةِ والخضوعِ؛ ولا يخفى أنَّ المقدَّسَ مِنَ الأئمَّةِ لا يرضى بتقديسِ مَنْ يُقدِّسُه بالباطلِ فيرفعُه فوقَ مَقامِه ويُعطيه ما ليس له ويَغلو فيه، وهو بريءٌ مِنْ ذلك، ولا تَلحقُه تبعةُ التَّقديسِ الباطل الذي لا يرضاه، لا سيَّما إِنْ كان منه محذِّرًا.

بينما تقديسُ الرِّجال بمعنَى أنَّه يُوقِّرُهم ويعظِّمهم، ويُنزِلُهم مَنازِلَهُم، ولا يُثبِتُ لهم ما ليس لهم، ويقدِّرُ اجتهاداتِهم وآراءَهم وجهودَهم، أي: أنَّه يُحِبُّهم محبَّةَ تقديرٍ وتوقيرٍ وتبجيلٍ بحَسَب منزلتِهم في الإيمان والتَّقوى والعلم دون غُلُوٍّ ولا جفاءٍ، فيسيرُ معهم على علمٍ وهدًى، ويقف بينهم وقفةَ عدلٍ عند إدراكِ وجه الصَّواب، مع ردِّ الخطإ إِنْ وُجِد، وتِبيانِه لهم بأدبٍ واحترامٍ وإنصافٍ، ويطيعُهم فيما أصابوا فيه، مع اعتقادِه أَنْ ليس لهم مِنَ الطَّاعةِ إلَّا لأنَّهم مبلِّغون عن الله شرعَه ودِينَه؛ لأنَّ الطَّاعةَ المُطلَقةَ العامَّةَ إنَّما هي للهِ ورسولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، فهذا النَّوعُ المحمودُ مِنْ معنَى التقديسِ ـ وهو ما كان في حدودِ المشروعِ ـ لا ينبغي أَنْ يكون غرضًا للإنكارِ والردِّ ولا هدفًا لِلِاستهجانِ والمُحاربةِ.

هذا، ويجدر التنبيهُ ـ في هذا المَقام ـ إلى أَنْ يَحذَر المُخلِصُ الصَّادق مِنْ تلبيساتِ أهل المَكرِ والخداعِ والحسدِ الذين يموِّهُون الحقَّ ويزيِّنون الباطلَ؛ ومِنْ زُخرفِ قولهم: إطلاقُ التَّقديس بالمعنى المَردود على مَنْ يتَّصِف بمعناه المَحمود، يَلبِسُون الحقَّ بالباطل تشويهًا لأهل الحقِّ ونصرةً لباطلهم، وانتقامًا مِنْ كُلِّ مَنْ يقف موقفَ الحقِّ والصِّدق في الدَّعوة إلى الله، وقد أعجبني كلامُ الإمامِ السِّعديِّ ـ رحمه الله ـ حيث قال ـ في مَعرِض تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١١٢[الأنعام] ـ: «يقولُ تعالى ـ مسلِّيًا لرسولِه محمَّدٍ صَلَّى الله عليه وسَلَّم ـ وكما جعَلْنَا لكَ أعداءً يردُّون دعوتَكَ ويحاربونَكَ ويحسُدونَكَ، فهذه سُنَّتُنَا: أَنْ نجعلَ لكُلِّ نبيٍّ نُرسِلُهُ إلى الخَلْقِ أعداءً مِنْ شياطينِ الإنسِ والجِنِّ، يقومونَ بضِدِّ ما جَاءتْ بهِ الرُّسُلُ: ﴿يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗا﴾ أي: يُزيِّنُ بَعضُهم لِبَعضٍ الأَمرَ الَّذِي يَدْعونَ إليهِ مِنَ البَاطِلِ، ويُزَخرِفونَ لهُ العِباراتِ حتَّى يجعلوهُ في أحسنِ صورةٍ، ليَغترَّ به السُّفهاءُ، وينقادَ لهُ الأغبياءُ، الَّذِينَ لا يفهمونَ الحقائقَ ولا يفقهونَ المعاني، بل تُعجِبهم الألفاظُ المُزخرَفةُ والعباراتُ المُمَوَّهةُ، فيعتقدونَ الحقَّ باطلًا والباطلَ حقًّا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِتَصۡغَىٰٓ إِلَيۡهِ﴾ أي: ولِتَميلَ إلى ذلك الكلامِ المُزَخرَفِ ﴿أَفۡـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ﴾؛ لأنَّ عدَمَ إيمانِهم باليومِ الآخِرِ وعدَمَ عقولِهِم النَّافعةِ يحمِلُهم على ذلك، ﴿وَلِيَرۡضَوۡهُ﴾ بعدَ أَنْ يُصغوا إليهِ، فيُصغُون إليه أوَّلًا، فإذا مالوا إليهِ ورَأَوْا تلكَ العباراتِ المُستحسَنةَ رَضُوهُ وزُيِّنَ في قلوبِهم، وصارَ عَقيدةً راسخةً وصِفَةً لازمةً، ثُمَّ يَنتُجُ مِنْ ذلكَ أَنْ يَقترِفوا مِنَ الأعمالِ والأقوالِ ما هُم مُقترِفونَ، أي: يأتونَ مِنَ الكذِبِ بالقولِ والفعلِ ما هو مِنْ لوازمِ تلكَ العقائدِ القبيحةِ، فهذهِ حالُ المغترِّينَ بشياطينِ الإنسِ والجنِّ، المُستجيبينَ لِدعوَتِهم.

وأمَّا أهلُ الإيمانِ بالآخرةِ، وأُولُو العقولِ الوافيَةِ والألبابِ الرَّزينةِ، فإنَّهم لا يغترُّونَ بتلكَ العباراتِ، ولا تَخلُبهم تلك التَّمويهاتُ، بل هِمَّتُهم مصروفةٌ إلى معرفةِ الحقائقِ، فينظرونَ إلى المَعاني الَّتي يدعو إليها الدُّعاةُ، فإِنْ كانت حقًّا قَبِلوها وانقادوا لها ولو كُسِيَتْ عباراتٍ رديَّةً وألفاظًا غيرَ وافيةٍ، وإِنْ كانت باطلًا رَدُّوها على مَنْ قالها ـ كائنًا مَنْ كان ـ ولو أُلبِسَتْ مِنَ العباراتِ المُستحسَنةِ ما هو أرقُّ مِنَ الحرير.

ومِنْ حكمةِ اللهِ تعالى في جعلِهِ للأنبياءِ أعداءً، وللباطلِ أنصارًا قائمينَ بالدَّعوةِ إليه: أَنْ يحصُلَ لعبادهِ الابتلاءُ والامتحانُ، ليتميَّزَ الصَّادقُ مِنَ الكاذبِ، والعاقِلُ مِنَ الجاهلِ، والبصيرُ مِنَ الأعمى؛ ومِنْ حكمتهِ: أنَّ في ذلك بيانًا للحقِّ وتوضيحًا لهُ، فإنَّ الحقَّ يستنيرُ ويتَّضِحُ إذا قامَ الباطلُ يصارعُه ويقاومُه، فإنَّهُ ـ حينَئذٍ ـ يتبيَّنُ مِنْ أدلَّةِ الحقِّ وشواهدِه الدَّالَّةِ على صدقِه وحقيقتهِ، ومِنْ فسادِ الباطلِ وبُطلانهِ، ما هو مِنْ أكبرِ المَطالبِ الَّتي يتنافسُ فيها المُتنافسونَ»(٤).

وعلى المرءِ ـ والحالُ هذه ـ أَنْ يراقبَ اللهَ تعالى في كُلِّ ما يلفِظُه مِنْ كلامِه، وأَنْ يتَّصِفَ بخُلُقِ العدلِ والإنصافِ بين النَّاسِ، ولو مع الخَصمِ أو المخالفِ، سواءٌ كان كافرًا أو مُبتدِعًا، فإنَّه يجبُ العدلُ فيه، وقَبولُ ما يأتي بهِ مِنَ الحقِّ لأنَّه حقٌّ، وردُّ ما يأتي به مِنَ الخطإ أو الباطل لأنه باطلٌ، لا لأنَّه قولُ الموافق أو المخالفِ؛ ولا يخفى أنَّ ردَّ الحقِّ مِنْ أجل الخصومة أو المخالَفةِ كِبرٌ على الحقِّ، وظلمٌ، ونقصٌ في التَّقوى؛ قال تعالى: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَ‍َٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٨[المائدة].

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٢ شعبان ١٤٤٤هـ
المُـوافق ﻟ: ١٥ مارس ٢٠٢٣م



(١) «مُعجَم الفروق اللُّغويَّة» للعسكري (١٢٥).

قلت: وهذا التقديس في الأشخاص، ويُستعمَل ـ أيضًا ـ في الأشياء: مِنَ الأماكن والأزمان والاجتماعات كالكعبة المشرَّفة، والصَّفا والمروةِ، وعَرَفةَ، والمساجدِ الثلاثة وغيرِها، وأيَّامِ الحجِّ، وأيَّامِ التشريق، وشهرِ رمضانَ، والاجتماعِ لصلاة الخسوف والكسوف والاستسقاء وما إلى ذلك، وهذه إنَّما يكون تعظيمُها مقيَّدًا بما عظَّمها اللهُ به ورسولُه مِنْ غيرِ مجاوزةِ الحدِّ المشروعِ، لأنَّها عباداتٌ توقيفيَّةٌ لا يضاف إليها شيءٌ ولا يزاد، ولا ينقص ولا يُستدرَك إلَّا بدليلٍ مِنَ الكتاب والسُّنَّة.

(٢) «مُعجَم اللُّغة العربيَّة المعاصرة» د. أحمد مختار عبد الحميد (٣/ ٢٣٨١).

(٣) أخرجه ابنُ ماجه في «الفِتَن» بابُ الأمرِ بالمعروف والنَّهيِ عن المُنكَر (٤٠١٠)، مِنْ حديثِ جابرٍ رضي الله عنه؛ وبنحوه عن عائشة وخولةَ الأنصاريَّةِ وأبي سعيدٍ وبُرَيْدةَ وعبدِ الله بنِ عمرو بنِ العاص ومعاويةَ وابنِ عبَّاسٍ ومُخارِقٍ الشَّيْبانيِّ رضي الله عنهم. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٢٤٢١، ٤٥٩٧، ٤٥٩٨).

(٤) «تفسير السِّعدي» (٢٦٩).