في حكم دخول النِّساء في خطاب جمع المذكَّر | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 11 شعبان 1445 هـ الموافق لـ 21 فبراير 2024 م

الفتوى رقم: ١٣٤٦

الصنف: فتاوى الأصول والقواعد الفقهية ـ أصول الفقه

في حكم دخول النِّساء في خطاب جمع المذكَّر

السؤال:

هل يجوز للمرأة أَنْ تقول في دعاء الاستفتاح: «وما أنا مِنَ المُشرِكات» أم تقول: «وما أنا مِنَ المُشركين» باعتبارِ أنَّ النِّساء يدخُلنَ في خطاب الرِّجال؟ أفيدونا جزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فالظَّاهر أنَّه يجوز للمرأة أَنْ تستفتح بما يدعو به الرَّجلُ في دعاء الاستفتاحِ بقوله: ﴿وَجَّهۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ حَنِيفٗاۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٧٩[الأنعام]، فقد جاء في خصوصِ مريمَ ـ عليها السلام ـ دخولُها في جمع المُذكَّر السَّالم في قوله تعالى: ﴿وَكَانَتۡ مِنَ ٱلۡقَٰنِتِينَ ١٢[التحريم] ولم يَقُلْ: وكانت مِنَ القانتات.

وفي الحقيقة؛ فإنَّ هذه المسألةَ راجعةٌ إلى مسألةٍ أصوليَّةٍ مختلَفٍ فيها، وهي: هل الجمعُ الذي ظهرت فيه علامةُ التَّذكير كالجمع بالواو والنُّون نحو: «مسلمون» و«مؤمنون»، أو الجمع بضمير الجمع نحو: «عملوا» و«جاهدوا» و«كُلُوا» و«اشربوا»، فهل هذا الجمع يتناول الإناثَ؟(١).

وفي المسألة مذهبان، ولعلَّ أصحَّهما قولُ القائلين بدخول النِّساء في الجمع الذي تبيَّنت فيه علامةُ التَّذكير، سواءٌ بالجمع بالواو والنُّون، أو الجمع بضمير الجمع، وهو ما عليه أكثرُ الحنابلة، وبعضُ الشَّافعية والمَالكيَّة، وهو روايةٌ عن الإمام أحمد؛ ودليلُ صِحَّته: انعقادُ الإجماع على أنَّ النِّساء يدخلنَ في الصِّيغة الخاصَّة بالذُّكور في جميع خطابات الشَّرع العامَّة وأكثرِ أوامره ونواهيه، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ[البقرة: ٤٣، وغيرها]، وقولِه تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْ[الأعراف: ٣١]، وقولِه تعالى: ﴿هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ ٢[البقرة]، وقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓ[الإسراء: ٣٢]، فلو كانت صِيَغُ هذه الأحكامِ والخطابات خاصَّةً بالذُّكور لَمَا تعدَّى حكمُها إلى الإناث، فدلَّ ذلك على دخولهنَّ في الجمع الذي ظهرت فيه علامةُ التَّذكير، ويُؤيِّد ذلك أيضًا أنَّ المَألوفَ عند العرب في خطاباتهم تغليبُ التَّذكير على التَّأنيث في حالة اجتماع الذُّكور والإناث ولو كان الذَّكرُ واحدًا، وقد وقَعَ مثلُ هذا في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗا[البقرة: ٣٨]، فكان الخطاب واردًا على «آدَمَ» و«حوَّاءَ» و«إبليسَ»، ومنه قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ»(٢)، فسمَّى الإقامةَ أذانًا مِنْ باب تغليب التَّذكير لشَرَفه، ومثلُه قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيۡهِ لِكُلِّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا ٱلسُّدُسُ[النساء: ١١]، فغلَّب جانبَ الأب على الأمِّ، والأمثلةُ على قاعدة التغليب المعتادةِ عند العرب متكاثرةٌ(٣)، وهي معمولٌ بها في خطاباتهم وكلامهم، والقرآنُ الكريم إنَّما نزل بِلُغة العرب، فدلَّ ذلك على أنَّ النِّساء يدخلنَ في الجمع الذي تبيَّنت فيه علامةُ التَّذكير، ولا يخرجن إلَّا بدليلٍ؛ ولأنَّ النساء شقائقُ الرِّجال ولا يخرجنَ مِنَ الخطاب الإلهيِّ إلَّا بدليل؛ قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «وَاعلم أَنَّ النَّاسَ قد اختلفوا في «صِيَغِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ مُظْهَرِهِ وَمُضْمَرِهِ» مِثلِ: الْمُؤْمِنِينَ وَالْأَبْرَارِ وهو: هل يَدخلُ النِّساءُ في مُطلَقِ اللَّفظِ أو [لَا يَدخلنَ](٤) إلَّا بِدَليلِ؟ على قولينِ: أشهَرُهما عند أصحابنا ومَنْ وافقهم: [أَنَّهنَّ يدخُلْنَ](٥) بناءً على أَنَّ مِنْ لُغةِ العَربِ إذا اجتمعَ المُذَكَّرُ وَالمُؤَنَّثُ غَلَّبوا المُذَكَّرَ، وقد عَهِدْنا مِنَ الشَّارعِ في خِطَابِهِ أَنَّهُ يَعُمُّ القِسمَينِ، وَيَدخلُ النِّساءُ بطريقِ التَّغلِيبِ؛ وَحَاصِلُهُ: أَنَّ هذه الجُموعَ تَستعمِلُها العَرَبُ تارةً في الذُّكورِ المُجَرَّدِينَ وَتارةً في الذُّكُورِ والإِناثِ؛ وَقَد عَهِدْنا مِنَ الشَّارعِ أَنَّ خِطَابَهُ المُطلَقَ يَجري على النَّمَطِ الثَّاني؛ وقَولُنا: المُطلَقَ: احتِرازٌ مِنَ المُقَيَّدِ مِثلِ قَولِهِ: ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ[الأحزاب: ٣٥]؛ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ مُطلقَ اللَّفظِ فِي اللُّغةِ يَشمَلُ القِسمَيْنِ»(٦).

هذا، وممَّا استدلَّ به القائلون: إنَّ جماعة المؤنَّث لا يدخلنَ في الجمع الذي تبيَّنت فيه علامةُ التذكير إلَّا بدليلٍ خارجيٍّ وهو مذهبُ جمهورِ الحنفيَّة وبعضِ المالكيَّة كالباقلَّانيِّ وأكثرِ الشافعيَّة وبعضِ الحنابلة كالطوفيِّ(٧): أنَّ لِكلِّ طائفةٍ لفظًا يَختَصُّ به في مقتضى اللغةِ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ[الأحزاب: ٣٥]؛ فقد خصَّ الذُّكورَ بخطابٍ والإناثَ بخطابٍ آخَرَ، ولمَّا حرَصَ على تخصيصهنَّ بألفاظٍ مميِّزةٍ دلَّ ذلك على عدم دخولهنَّ في الخطابات التي ظهرت علامةُ التذكير فيها إلَّا بقرينةٍ أو دليلٍ.

وقد أُجيبَ عن هذا الدَّليل بأنَّ تخصيصَ الإناثِ بألفاظٍ ونونِ النِّسوة فيما قُرِنَّ فيه بذِكرِ الرِّجال إنَّما هو للبيان والإيضاح والتأكيدِ عليهنَّ والتَّنصيصِ على دخولهنَّ ودرءِ توهُّمِ خروجهنَّ، وهذا لا يَلزَمُ منه عدمُ دخولهنَّ في اللَّفظ العامِّ، إذ قد يجيء لفظٌ عامٌّ شاملٌ للأعيان مع أنَّه يُخَصُّ بعضُ الأفراد بالذِّكر، كما يُعطَفُ الخاصُّ على العامِّ لِمَزيدِ اهتمامٍ وتأكيدٍ مثل قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبۡرِيلَ وَمِيكَىٰلَ[البقرة: ٩٨]، فإنَّ تخصيصَ جبريلَ وميكائيلَ عليهما السَّلام بالذِّكر لا يَلزَم منه عدمُ دخولهما في لفظِ «الملائكة» و«الرُّسُل»؛ فهُما لفظان شاملان لكُلِّ الملائكة والرُّسُل، وكذلك لفظُ «المسلمين» شاملٌ للذُّكور والإناث، لكِنْ لَمَّا عطَفَ عليه لفظَ «المسلمات» كان ذلك زيادةً في التَّأكيد وتخصيصًا لهنَّ بالذِّكر دفعًا لِتَوهُّمِ خروجهنَّ.

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٣ شوَّال ١٤٤٤ﻫ
المُوافق ﻟ: ٠٣ مايو ٢٠٢٣م



(١) انظر: «الإنارة شرح الإشارة» للمؤلِّف ـ الطبعة الأولى ـ (٩٠).

(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأذان» باب: كم بين الأذان والإقامة، ومَنْ ينتظر الإقامةَ (٦٢٤)، ومسلمٌ في «صلاة المسافرين وقصرِها» (٨٣٨)، مِنْ حديثِ عبدِ الله بنِ مغفَّلٍ المُزَنيِّ رضي الله عنه.

(٣) قال الخطَّابيُّ في «معالم السنن» (٢/ ٦٠): «أراد بالأذانين: الأذانَ والإقامة: حَمَل أحَدَ الاسْمَيْن على الآخَرِ، والعربُ تفعلُ ذلك كقولهم: الأسودين للتمر والماء، وإنما الأسود أحَدُهما، وكقولهم: سيرةُ العمرين، يريدون أبا بكرٍ وعمر رضي الله عنهما، وإنما فعلوا ذلك لأنَّه أخفُّ على اللسان مِنْ أَنْ يُثبِتوا كُلَّ اسْمٍ منهما على حِدَتِه ويذكروه بخاصِّ صِفَتِه».

(٤) وفي المطبوع: [لَا يَدخلونَ]، ولعلَّ الصوابَ ما أثبَتْناه في المتن.

(٥) وفي المطبوع: [أَنَّهم يدخلونَ]، ولعلَّ الصوابَ ما أثبَتْناه في المتن.

(٦) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٦/ ٤٣٧ ـ ٤٣٨).

(٧) انظر: تفصيلَ الخلافِ في المصادر المُثبَتة على هامشِ كتابِ «الإشارة» (٢٢٠ ـ ٢٢١).