في حكم تصرُّف المرأة في مالها بغيرِ إذن زوجِها | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 20 شعبان 1445 هـ الموافق لـ 01 مارس 2024 م

الفتوى رقم: ١٣٥٣

الصنف: فتاوى المعاملات المالية ـ الهِبَات

في حكم تصرُّف المرأة في مالها بغيرِ إذن زوجِها

السؤال:

وَرِثَتِ امراةٌ مالًا مِنْ أبيها، فأرادت أَنْ تتصرَّف فيه بالبيعِ والهِبَةِ ونحوِ ذلك، فقِيلَ لها: يَلْزَمُكِ استئذانُ زوجكِ في ذلك؛ هل هذا القولُ صحيحٌ؛ أي: أنَّ المرأةَ مقيَّدةٌ باستئذانِ زوجها في تصرُّفها في مالها بالعطيَّة والمعاوضة، أم هي حُرَّةٌ ولها كاملُ التَّصرُّفِ فيه، أم يُفرَّق بين العطيَّةِ والمعاوضة؟ أفيدونا جزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فللعلماء ـ في هذه المسألة إذا لم تكن المرأةُ سفيهةً ـ قولان:

القول الأوَّل: هو مذهب الجمهور القائلين بجوازِ تصرُّف المرأة في مالها بالتبرُّع والمعاوضة مُطلَقًا، وهي شقيقةُ الرَّجلِ في الحكمِ في هذا الباب، واستئذانُها زوجَها مُستحَبٌّ تطييبًا لخاطره وتأليفًا لقلبه، وبهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمَّد بنُ الحسن، والشافعيُّ وابنُ المنذر، وإحدى الروايتين عن أحمدَ وغيرُهم(١).

والقول الثاني: قول المانعين مِنْ تصرُّف المرأةِ في مالها(٢)، ويمكن تقسيمُهم إلى:

ـ مانعين مِنْ تصرُّفِ المرأة مُطلَقًا إلَّا بإذن زوجها ـ أوَّلًا ـ وهو منسوبٌ إلى طاوس بنِ كَيْسان ـ رحمه الله ـ.

ـ ومانعين مِنْ تصرُّفها في مالها إلَّا فيما هو تافهٌ وخسيسٌ دون المال الثَّمين والكثير ـ ثانيًا ـ وهو قولُ الليث بنِ سعدٍ ـ رحمه الله ـ.

ـ ومانعين مِنْ تصرُّفها في مالها بغيرِ عِوَضٍ إلَّا في حدودِ الثُّلثِ ـ ثالثًا ـ وهو قولُ مالكٍ ـ رحمه الله ـ وروايةٌ عن أحمد، وجعَلَ أصحابُ هذا القولِ الثُّلُثَ معيارًا للقليل الذي يجوز لها التَّصرُّفُ فيه دون افتقارٍ إلى إذن زوجِها.

ومُستنَدُ المانعين قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا»(٣)، وهذا وإِنِ احتمل أَنْ يكون المرادُ به: مِنْ مالِ زوجها أو بيتِه كما هو مصرَّحٌ به جليًّا في أحاديثَ أخرى فقد جاء التنصيصُ على مالِها مصرَّحًا به في قوله: «لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ أَمْرٌ فِي مَالِهَا إِذَا مَلَكَ زَوْجُهَا عِصْمَتَهَا»، وفي لفظ: «لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ فِي مَالِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا إِذَا هُوَ مَلَكَ عِصْمَتَهَا»(٤)، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْتَهِكَ شَيْئًا مِنْ مَالِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا»(٥)، ويشهد له ما رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ يَحْيَى ـ رَجُلٍ مِنْ وَلَدِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ـ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ جَدَّتَهُ خَيْرَةَ امْرَأَةَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَتَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحُلِيٍّ لَهَا، فَقَالَتْ: «إِنِّي تَصَدَّقْتُ بِهَذَا»، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ فِي مَالِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا، فَهَلِ اسْتَأْذَنْتِ كَعْبًا؟» قَالَتْ: «نَعَمْ»، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فَقَالَ: «هَلْ أَذِنْتَ لِخَيْرَةَ أَنْ تَتَصَدَّقَ بِحُلِيِّهَا؟» فَقَالَ: «نَعَمْ»، فَقَبِلَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا(٦).

وعُمدةُ مالكٍ ـ رحمه الله ـ القياسُ على الوصيَّةِ مِنْ قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ»(٧).

وأمَّا الجمهور فحُجَّتُهم جملةٌ مِنَ النُّصوص المبيحةِ لِتَصرُّف المرأةِ في مالها عطيَّةً أو هِبَةً أو وصيَّةً أو إبراءً مِنْ غيرِ اشتراطِ معاوضةٍ أو استئذانِ زوجِها ولا تقييدٍ بما دون الثُّلُث، ومِنْ بين تلك النصوص:

· قولُه تعالى: ﴿‌وَٱبۡتَلُواْ ‌ٱلۡيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدٗا فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ[النساء: ٦]، لأنَّ الابتلاءَ المأمورَ به في الآية يكون باختباره بدفعِ شيءٍ يسيرٍ مِنْ مالِه له لِيَستنفِقَه، فإِنْ أُونِسَ منه توفيرٌ له وعقلٌ وحُسنُ النَّظرِ والتدبيرِ لِنَفْسه دُفِعَ إليه مالُه كُلُّه؛ فجعَلَ المَناطَ في دفعِ المالِ إليه هو إيناسَ الرُّشدِ فيما ابْتُلِيَ به واختُبِر، والنساءُ في ذلك كالرِّجال؛ والأصلُ أنَّ دَفْعَه إليها يقتضي تمكينَها مِنَ التَّصرُّف فيه كما شاءت دون قيدٍ ما دامت رشيدةً، إلَّا إذا قام الدليلُ؛ وأدلَّةُ المخالفين هي عند الجمهورِ ضعيفةٌ أو شاذَّةٌ لمُقابَلتِها لِمَا هو أقوى منها سندًا ودلالةً كما سيأتي في الأحاديث.

· وقولُه تعالى: ﴿‌وَلَكُمۡ ‌نِصۡفُ مَا تَرَكَ أَزۡوَٰجُكُمۡ إِن لَّمۡ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٞۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٞ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكۡنَۚ مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِينَ بِهَآ أَوۡ دَيۡنٖ[النساء ١٢]؛ فذكَرَ تعالى أنَّ المرأة قد تُوصِي بجزءٍ مِنْ مالها، ولم تقترن هذه الوصيَّةُ بأيِّ شرطٍ أو حقٍّ له عليها بالاستئذان، وفي هذا المَقامِ آياتٌ قرآنيةٌ أخرى تفيدُ نفسَ المعنى السابقِ الَّذي استدلَّ به الجمهورُ؛ وأمَّا مِنَ الأحاديثِ التي استدلُّوا بها فأكتفي بما يأتي:

· حديثُ عائشة رضي الله عنها قالت: «إِنَّ بَرِيرَةَ دَخَلَتْ عَلَيْهَا تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا، وَعَلَيْهَا خَمْسَةُ أَوَاقٍ(٨) نُجِّمَتْ(٩) عَلَيْهَا فِي خَمْسِ سِنِينَ، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ وَنَفِسَتْ(١٠) فِيهَا: «أَرَأَيْتِ إِنْ عَدَدْتُ لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً: أَيَبِيعُكِ أَهْلُكِ فَأُعْتِقَكِ فَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي؟»، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَعَرَضَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: «لَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَنَا الوَلَاءُ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ»»(١١).

فعائشةُ رضي الله عنها تعاملت مع سادةِ بَرِيرةَ رضي الله عنهم بالبيع والشراء مِنْ غيرِ أَنْ تستأذنَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ابتداءً.

· وحديثُ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما قال: «شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ يَوْمَ العِيدِ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، ثُمَّ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلَالٍ، فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ، وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، ووَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، فَقَالَ: «تَصَدَّقْنَ، فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ»، فَقَامَتِ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ سَفْعَاءُ الخَدَّيْنِ(١٢)، فَقَالَتْ: «لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟» قَالَ: «لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ»، قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ، يُلْقِينَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ وَخَوَاتِمِهِنَّ»(١٣).

فلمَّا أَقبلَ النساءُ يتصدَّقْنَ بالحُلِيِّ والخواتيم لم يستفصل النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم منهنَّ: أَسْتَأذنَّ أزواجهنَّ في هذه الصَّدَقات والعطايا أم لم يستأذِنَّ؟ كما أنه لم يستفصل منهنَّ فيما أعطَيْنَه: أتجاوزَ الثُّلُثَ أم هو دونه أم مُساوٍ له، أم هو مِنَ الخسيس أم الثمين؟ و«تركُ الاستفصالِ في حكاية الحال مع قيامِ الاحتمال، يُنزَّل منزلةَ العموم في المقال، ويَحسُن به الاستدلالُ» كما جرى في القواعد.

وعُورِضَ هذا الاستدلالُ بأنَّ أزواجَهنَّ حاضرون معهنَّ، فجوابُه: أنَّه لو سُلِّم به لَنُقِلَ إلينا، ولكان الاستئذانُ حقًّا ثابتًا، والأصلُ بقاؤه حتَّى يُصرَّحَ بإسقاطه، فإذا لم يُصرَّح بإسقاطه بَقِيَ ثابتًا، وحيث إنَّه لم يُنقَلْ دلَّ على أنَّ تصرُّفاتِ النِّساء صحيحةٌ في حدِّ ذاتها، ويُحمَل الحقُّ إِنْ كان حقًّا على غير الوجوب مِنْ معنى النَّدبيَّة أو الأفضليَّة والكمالِ.

· وعَنْ أَسْمَاءَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لِيَ مَالٌ إِلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ، فَأَتَصَدَّقُ؟» قَالَ: «تَصَدَّقِي، وَلَا تُوعِي فَيُوعَى عَلَيْكِ»(١٤)، فالظاهرُ مِنَ الحديثِ أنَّه أَذِنَ لها أَنْ تتصدَّق مِنْ مالِ زوجها لكونها غيرَ سفيهةٍ، وبالأَوْلى مِنْ مالها، مِنْ دونِ أَنْ يكون ذلك استجابةً لأمرٍ منه صلَّى الله عليه وسلَّم كما في الحديث السابق، وقد بوَّب البخاريُّ لحديثِ أسماءَ في «كتاب الِهبَة وفضلِها والتحريض عليها» بقوله: «بابُ هِبَةِ المرأة لغيرِ زوجِها وعِتقِها إذا كان لها زوجٌ فهو جائزٌ إذا لم تكن سفيهةً، فإذا كانت سفيهةً لم يَجُزْ؛ قال الله تعالى: ﴿‌وَلَا ‌تُؤۡتُواْ ‌ٱلسُّفَهَآءَ ‌أَمۡوَٰلَكُمُ[النساء: ٥]».

هذا، وإذا قُورِنَتْ أدلَّةُ الجمهور بأدلَّة المخالفين لهم ـ بِغَضِّ النظر عن اختلاف المانعين فيما بينهم في التفاصيل ـ أَمكنَ التوفيقُ بين النصوص التي ظاهرُها التعارضُ بحملِ حديث النهي عن تصرُّف المرأةِ بالعطيَّة في مالِها إلَّا باستئذان زوجها على أحَدِ الأوجُهِ التالية:

ـ إمَّا أَنْ ينصبَّ النهيُ على المرأة السفيهة غيرِ الرشيدة التي لا تُحسِن التَّصرُّفَ في مالها، وتُهلِكُه في غيرِ وجهه الصحيح، بخلاف المرأة الرشيدة فليس شرطًا في تصرُّفها في مالها الخاصِّ استئذانُ زوجها؛ لأنَّ النساء ـ في الغالب ـ أقلُّ بصرًا بشؤون المال وموقعِ المصلحة فيه، فقد تريد أَنْ تُغنِيَ فقيرًا فتَدَعُ أهلَها في حاجةٍ يتكفَّفون الناسَ، وقد يأتيها محتالٌ أو دجَّالٌ يميلُ بقلبِها بما يُظهِرُه مِنَ المَسكَنةِ فتُحسِنُ به الظنَّ، أو تَحسبهُ ممَّنْ تَحمَّل حمالةً لِيُصلِحَ بين النَّاسِ، وحقيقتُه خلافُ ذلك: إمَّا متأكِّلٌ أو متموِّلٌ أو يدعو إلى دعوةِ ضلالةٍ، بخلافِ الرَّجلِ فهو في العادةِ أبصرُ بما فيه الرُّشدُ والمصلحةُ، وأحذرُ مِنْ مواقع الغَبْنِ والغَرَرِ والهَلَكةِ والسَّرَف.

ـ وإمَّا أَنْ يكون النهيُ شاملًا بعمومه المرأةَ الرشيدةَ وغيرَها، ولكن يكون النَّهيُ على غير وجه الإلزام والحتم وإنَّما على وجه الكراهة، فيُستحَبُّ للمرأة الاستئذانُ ولا يجبُ، و«الجمعُ ـ ما أَمكنَ ـ أَوْلى مِنَ الترجيح».

ـ أو يكون النهيُ للإلزام ويُستثنى منه اليسيرُ الذي يُعلَم ـ في الغالب ـ أنَّ الزوجَ لا يمنعها منه بحسَبِ حاله وحالِها، وما خرَجَ عن ذلك وكان كثيرًا فالإذنُ فيه مِنَ الزوج قد يكون إذنًا عامًّا أعطاه لزوجته وفوَّض إليها التَّصرُّفَ في مالها إمَّا بقيدٍ ذكَرَه لها كمقدارٍ معيَّنٍ، أو يَكِلُ ذلك إلى ما آنَسَه مِنْ حُسنِ تصرُّفها وتقواها وفِطنَتِها، لا سيَّما إِنْ كانت عاقلةً لبيبةً مِنْ كُمَّلِ النساء.

وجديرٌ بالتنبيه: أنَّه ليس للزوج أَنْ يستعملَ حقَّ استئذانِ زوجته له للتسلُّط على ما تملكه بالتعسُّف والضِّرار والعضل في قراراته ومنعِها ممَّا لها فيه نفعٌ أخرويٌّ أو دنيويٌّ، ما لم يكن في التَّصرُّف الذي تريده مخالفةٌ شرعيَّةٌ خَفِيَتْ عليها فيُبيِّنُ لها حُكمَه أو تهاونت فيها فيَعِظُها فيه، أو ما يضرُّ بها أو بغيرها فيُوقِفُها عليه ويُبيِّنه لها، أو يَكُنْ غيرُه أَصلحَ لها منه فيُرشِدُها إليه ويَدُلُّهَا عليه، كما أنَّ العِشرةَ الزوجيَّة مطلوبٌ استدامتُها، واستئذانُ المرأةِ زوجَها للتصرُّف فيما تملِكُه مِنْ أسباب الاستدامةِ ومُوجِباتِ مواصلتِها بالحُسنى دون أيِّ إخلالٍ يُخِلُّ بها ويُعكِّرُ صَفْوَها.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٢ مِنَ المحرَّم ١٤٤٥ﻫ
المـوافق ﻟ: ٢٠ يــوليـــو ٢٠٢٣م



(١) انظر: «الأمَّ» للشافعي (٣/ ٢١٦)، «شرح معاني الآثار» للطحاوي (٤/ ٣٥٣)، «المحلَّى» لابن حزم (٨/ ٣٠٩، ٣١٢)، «اختلاف الأئمَّة العلماء» لابن هُبَيْرة (١/ ٤٢٨)، «المغني» لابن قدامة (٤/ ٣٠٠).

(٢) انظر: المصادر السابقة، «بداية المجتهد» لابن رشد (٢/ ٢٧٩ ـ ٢٨٤)، «المغني» لابن قدامة (٤/ ٣٠٠)، «حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٣٠)، «فتح الباري» لابن حجر (٥/ ٢١٨).

(٣) أخرجه أبو داود في «أبواب الإجارة» (٣٥٤٧) بابٌ في عطيَّةِ المرأة بغيرِ إذنِ زوجها، والنسائيُّ في «الزكاة» (٢٥٤٠) بابُ عطيَّةِ المرأة بغيرِ إذنِ زوجها، وفي «العُمرى» (٣٧٥٧) بابُ عطيَّةِ المرأة بغيرِ إذنِ زوجها، وأحمد في «مُسنَده» (٦٦٨١، ٦٧٢٧، ٦٩٣٣)، مِنْ حديثِ عَمْرو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه عبدِ الله بنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما؛ والحديث صحَّحه أحمد شاكر في تحقيقه ﻟ «مسند أحمد» (٦/ ٢٣٣) وحسَّنه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٨٢٥).

(٤) أخرجه أبو داود في «أبواب الإجارة» (٣٥٤٦) بابٌ في عطيَّةِ المرأة بغيرِ إذنِ زوجها، وابنُ ماجه في «الهِبَات» (٢٣٨٨) بابُ عطيَّةِ المرأة بغيرِ إذنِ زوجها. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٧٦٢٥).

(٥) أخرجه الطبرانيُّ في «المُعجَم الكبير» (٢٢/ ٨٣)، وتمَّامٌ في «الفوائد» (١٢٠٦)، مِنْ حديثِ واثلةَ بنِ الأسقع رضي الله عنه؛ وحسَّنه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٧٧٥).

(٦) أخرجه ابنُ ماجه في «الهِبَات» (٢٣٨٩) بابُ عطيَّةِ المرأةِ بغيرِ إذنِ زوجها؛ وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح ابنِ ماجه» (٢/ ٢٧١) وجَعَله في «السلسلة الصحيحة» (٢/ ٤٧٣) شاهدًا للحديث رقم: (٨٢٥)، وقال: «وعِلَّتُه عبدُ الله بنُ يحيى الأنصاريُّ ووالدُه، فإنهما مجهولان كما في «التقريب»؛ وله شاهدٌ آخَرُ مِنْ حديثِ واثلةَ، وقد مضى برقم: (٧٧٦)».

(٧) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الوصايا» (٢٧٤٢) باب: أَنْ يترك ورثَتَه أغنياءَ خيرٌ مِنْ أَنْ يتكفَّفوا النَّاسَ و(٢٧٤٤) باب الوصيَّة بالثُّلُث، وفي مواضعَ أخرى، ومسلمٌ في «الهِبَات» (١٦٢٨) باب الوصيَّة بالثُّلُث، مِنْ حديثِ سعدِ بنِ أبي الوقّاص رضي الله عنه.

(٨) الأواقي جمعُ أُوقِيَّةٍ بضمِّ الهمزة وتشديدِ الياء، ووزنُه: أُفعولةٌ، والألفُ زائدةٌ. والجمعُ يُشدَّد (أَواقِيُّ) ويُخفَّف (أواقٍ ـ الأواقِي)، وكانت الأُوقِيَّة قديمًا عبارةً عن أربعين درهمًا، وهي في غير الحديث نصفُ سُدُسِ الرِّطل، وهو جزءٌ مِنِ اثنَيْ عَشَرَ جزءًا، وتختلف باختلاف اصطلاح البلاد؛ [انظر: «النهاية» لابن الأثير (١/ ٨٠، ٥/ ٢١٧)].

(٩) تنجيم الدَّيْن: هو أَنْ يُقرَّر إعطاؤه في أوقاتٍ معلومةٍ متتابعةٍ مشاهرةً أو مساناةً (أي: بالشهر أو السَّنَة)، ومنه «تنجيم المكاتب، ونجومُ الكتابة»؛ وأصلُه أنَّ العربَ كانت تجعل مطالعَ منازلِ القمر ومساقِطَها مواقيتَ لحلولِ دُيونِها وغيرها، فتقول: إذا طلَعَ النجمُ حلَّ عليك مالي؛ [«النهاية» لابن الأثير (٥/ ٢٤)].

(١٠) نَفِسَتْ فيها أي: رَغِبَتْ فيها؛ قال ابنُ الأثير في «النهاية» (٥/ ٩٥): «التنافس مِنَ المنافسة، وهي الرغبة في الشيء والانفرادُ به، وهو مِنَ الشيء النفيس الجيِّدِ في نوعه؛ ونافستُ في الشيء منافسةً ونِفاسًا إذا رغبتُ فيه؛ ونَفُسَ بالضمِّ نَفاسةً: أي: صار مرغوبًا فيه. ونَفِسْتُ به بالكسر: أي: بَخِلتُ به؛ ونَفِسْتَ عليه الشيءَ نَفاسةً إذا لم تَرَهُ له أهلًا».

(١١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «المكاتب» (٢٥٦٠) باب المكاتب ونجومِه: في كُلِّ سَنَةٍ نجمٌ، ومسلمٌ في «العِتق» (١٥٠٤) باب: إنَّما الولاءُ لمَنْ أَعتقَ.

(١٢) مِنْ سِطَةِ النساء أي: مِنْ أوساطِهنَّ حَسَبًا ونَسَبًا؛ [«النهاية» لابن الأثير (٢/ ٣٦٦)].

سَفْعاءُ: مؤنَّثُ أَسفعَ، والسُّفعةُ: نوعٌ مِنَ السواد ليس بالكثير، وقِيلَ: هو سوادٌ مع لونٍ آخَرَ؛ [«النهاية» لابن الأثير (٢/ ٣٧٤)].

(١٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «أبواب العيدين» (٩٦١) باب المشي والركوب إلى العيد، والصلاة قبل الخطبة بغير أذانٍ ولا إقامةٍ، و(٩٧٨) باب موعظة الإمامِ النساءَ يومَ العيد، ومسلمٌ في «صلاة العيدين» (٨٨٥)، واللَّفظُ له.

(١٤) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ (٢٥٩٠)، ومعه: «فتح الباري» لابن حجر (٥/ ٢١٧)، ومسلمٌ في «الزكاة» (١٠٢٩).