في معنَى قولِه صلَّى الله عليه وسلَّم «لَا يَبِعْ عَلَى بَيْعِ أخيه» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 16 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 13 ديسمبر 2019 م

الفتوى رقم: ١٨٦

الصنف: فتاوى الحديث وعلومه

في معنَى قولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا يَبِعْ عَلَى بَيْعِ أخيه»

السؤال:

ما هو تفسيرُ قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ»؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

ففي قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ»(١)، وفي روايةٍ: «لَا يَسُمِ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ»(٢)، فإنَّ صورةَ هذا البيعِ المنهيِّ عنه عند المُثْبِتين لخيار المجلس كالشافعيِّ وأحمد وغيرِهما ـ رحمهم الله ـ: أَنْ يبتاع الرَّجلُ سلعةً ـ وهو مُغتبِطٌ بها غيرُ نادمٍ عليها ـ إلَّا أنه لم يَقْبِضها ولم يتفرَّقا، فيأتيه قبل الافتراق مَنْ يعرض عليه مِثْلَ سلعتِه أو خيرًا منها؛ فيفسخ المشتري بخيار المجلس(٣).

أمَّا عند النافين لخيار المجلس كمالكٍ وأبي حنيفة وغيرِهما ـ رحمهم الله(٤) ـ فصورتُه: أَنْ يَستحسِنَ المشتري السلعةَ ويهواها، ويركنَ البائعُ ويميلَ إليه، ويذكرا الثمنَ، ولم يَبْقَ إلَّا العقدُ والرِّضا الذي يتمُّ به البيعُ، فإذا كان البائعُ على هذه الحالِ لم يَجُزْ لأحَدٍ أَنْ يعترضهما.

فالحاصل: أنَّ مذاهب العلماء متقارِبةٌ، وكُلُّهم يجعلون بيعَ المُستامِ المنهيَّ عنه بعد التراضي المبدئيِّ على الثمن واستقرارِه، ولا يكون إلَّا بعد ركون البائع إلى المشتري، ويلحق الإثمُ الفاعلَ، والبيعُ صحيحٌ على أرجحِ قولَيِ العلماء(٥)؛ لأنَّ النهي عن السوم لم يقع على ذاتِ المنهيِّ عنه ولا على شرطٍ مِنْ شروطه ولا على مُجاوِرٍ لازمٍ.

أمَّا قبل استقرار الثمن أو قبل التراكن فتجوز المساوَمةُ والمزايَدةُ على السلعة المعروضة؛ لأنَّ الضررَ يَلْحَقُ بالباعة على سِلَعهم إذا ما مُنِع التساومُ بهذا الاعتبار، ويُفضي إلى بَخْسِها وبيعِها بالنقص(٦).

أمَّا مَنْ تصرَّف في النهي بنوعِ تخصيصٍ بحديثِ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»(٧) كما هو صنيعُ ابنِ حزمٍ ـ رحمه الله ـ(٨) فإنه لا يقوى دليلُه على تخصيص النهي؛ لكون النصيحة إنما تُؤدَّى بالقول، وذلك بتعريف البائع بأنه مغبونٌ، مِنْ غيرِ إرادةِ أَنْ يبيعه شيئًا بأرخصَ منه(٩).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٣٠ ذي الحجَّة ١٤٢٥ﻫ
المـوافق ﻟ: ٠٩ فبـراير ٢٠٠٥م

 


(١) أخرجه البخاريُّ في «البيوع» باب النهي للبائع أَنْ لا يحفِّل الإبلَ والبقرَ والغنمَ وكُلَّ محفَّلةٍ (٢١٥٠)، ومسلمٌ في «البيوع» (١٥١٥)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. وأخرجه البخاريُّ في «البيوع» باب: لا يبيع على بيع أخيه، ولا يسوم على سوم أخيه، حتَّى يأذن له أو يترك (٢١٣٩)، ومسلمٌ في «النكاح» (١٤١٢)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.

(٢) أخرجه مسلمٌ في «النكاح» (١٤١٣) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٣) انظر: «الاستذكار» لابن عبد البرِّ (٦/ ٥٢٢).

(٤) انظر مسألةَ خيارِ المجلس بين المُثْبِتين والنافين في تأليفي: «مختارات مِنْ نصوصٍ حديثية في فقه المعاملات المالية» (١٤٨).

(٥) انظر مسألةَ النهي: هل يقتضي فسادَ المنهيِّ عنه أم لا؟ في المصادر المُثْبَتة على هامش «مفتاح الوصول » للتلمساني ـ بتحقيقي ـ (٤٥٩)، و«الإنارة» للمؤلِّف شرح «الإشارة» للباجي (٦٣).

(٦) انظر: «بداية المجتهد» لابن رشد (٢/ ١٩٥).

(٧) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (٥٥) مِنْ حديثِ تميم بنِ أوسٍ الداريِّ رضي الله عنه.

(٨) انظر: «المحلَّى» لابن حزم (٨/ ٤٤٨).

(٩) انظر: «العدَّة» للصنعاني (٣/ ٤٦١).