في إفادة أفعال النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم للعموم | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 10 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 07 ديسمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٣٨٩

الصنف: فتاوى الأصول والقواعد - أصول الفقه

في إفادة أفعال النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم للعموم

السؤال: نرجو منكم شيخنا حفظكم الله أن تبينوا لنا الراجح من أقوال أهل العلم في المسألة الأصولية التالية : هل أفعال النبي صلى الله عليه وسلم تفيد العموم أو ما يجري مجرى الأفعال (كالأحوال الخاصة)، لأنّ من العلماء من قال بعدم عمومه بدعوى أن العموم من عوارض الألفاظ، أو حكايةُ الصحابي فعلا ظاهره العموم، وتطبيقُ تلك القاعدة على الأحاديث الآتية: - «قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ»(١)- «جَمَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ»(٢) (هل هو عام في سفر الطاعة والمعصية؟) - «نَهَى النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَنْ بَيْعِ الغَرَرِ»(٣) - «قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ»(٤) - «صَلَّى النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ دَاخِلَ الكَعْبَةِ»(٥) (هل هو عام في الفريضة والنافلة؟). وبارك الله في علمكم وأطال في عمركم على الطاعة والخير والعلم وحفظكم من كل مكروه

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أما بعد:

فأفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها عدة صور منها:

- كلُّ فعل تشريعي فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم فالأصل فيه عدم خصوصيته به، ذلك لأنَّ المعلوم استقراءً من القرآن أنَّ الله يخاطب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بخطاب خاص والمقصود منه العموم في الحكم، نحو قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء ﴾[الطلاق: ١]، وبيَّن فيه عموم المكلفين، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ إلى أن قال: ﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾[التحريم:١- ٢]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ...﴾ ثم قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾[الأحزاب: ١-٢]، وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ ثم قال: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ ﴾[الروم: ٣١-٣٠]، و ما ورد بعد الخطاب الخاص من التعميم في الآيات يستدل به على شموله لأمته، إلاَّ إذا دلَّ دليل على الاختصاص به، ولم يعد حالتئذ تشريعًا لغيره ويحرم فيه التأسي به.

- وأفعاله صلى الله عليه وآله وسلم المثبتة إن كان لها جهات فليست عامة في أقسامها لأنه يقع على صفة واحدة فإن عرف تعيّن وإلاَّ كان مجملا، والإجمال شأنه التوقف فيه والتعطيل حتى يرد الدليل المبين كقول الراوي :" صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد غيبوبة الشفق" فلا يحمل على الأحمر والأبيض تعميما، كما لا تعم صلاته صلى الله عليه وآله وسلم في الكعبة للفرض والنفل لأنه إخبار عن فعل معلوم، ووقع على صفة واحدة معلومة فلا معنى للعموم بالنسبة لأحوال الفعل.

أمَّا قول الصحابي مرفوعًا:" نهى عن بيع الغرر" وقوله مرفوعا:" قضى بالشفعة للجار"، فإنه يعم الغرر والجار مطلقا، لأنه ليس بحكاية للفعل الذي فعله، بل هو حكاية لصدور النهي منه عن بيع الغرر والحكم منه بثبوت الشفعة للجار، والنهي قول منه صلى الله عليه وآله وسلم، لأنَّ عبارة الصحابي  يجب أن تكون مطابقة للمقول لمعرفته باللغة وعدالته، ووجوب تطابق الرواية للمسموع، فكان قول الصحابي: أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو نهى أو قضى أو حَكَم يقتضي العموم، ويؤيده إجماع الصحابة والتابعين على ذلك فقد احتجوا بها في عموم الصور التي وقعت في عصرهم، فمن ذلك قول ابن عمر رضي الله عنهما: «كُنَّا نُخَابِرُ وَلاَ نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا حَتَّى سَمِعْنَا رَافِعَ بْن خَدِيجٍ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ فَتَرَكْنَاهُ لِقَوْلِهِ»(٦)، وعملوا عموم قول الصحابي: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَنِ المُزَابَنَةِ وَالمُحَاقَلَةِ»(٧) و«أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِوَضْعِ الجَوَائِحِ»(٨) و«قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ»، «وَفِيمَا لَمْ يُقْسَمْ»، واستدلوا بتلك الألفاظ على عموم الأشخاص الذين وقعوا في النهي والأمر والقضاء ومن شابههم لمن جاء بعدهم من جهة لفظ الصحابي ونصه دون نكير فكان إجماعًا.

- أمَّا قول الصحابي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعل كذا، أو «كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلاَتَيْنِ فِي السَّفَرِ»، فهذا يفيد العموم، ولا يجري فيه الخلاف المتقدم لأنَّ لفظ" كان" إنما يؤتى به لحكاية الفعل والحادثة على وجه التكرار، وما تكرر أقوى وقعًا مما وقع مرة واحدة.

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.

الجزائر في: ٢٦ صفر ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٦ مارس ٢٠٠٦م


(١) أخرجه النسائي: ٧/ ٣٢١ من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما بلفظ: "قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالشفعة والجوار". وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي تحت رقم (٤٧٠٥). وأخرجه ابن أبي شيبة: ٦/ ٧(٢٩٠٣٥) من حديث علي وعبد الله رضي الله عنهما قالا: "قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالشفعة للجوار".

وإثبات الشفعة للجار ورد من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبا، وإذ طريقهما واحد". أخرجه أبو داود: ٣/ ٧٨٧، والترمذي: ٣/ ٦٥١، وابن ماجه:٢/ ٨٣٣، وأحمد: ٣/ ٣٠٣، والبيهقي في سننه: ٦/ ١٠٦، والدارقطني في سننه:٢/ ٢٧٣، وابن عدي في "الكامل": ٥/ ١٩٤١، والحديث صححه ابن الجوزي والألباني (انظر نصب الراية للزيلعي:٤/ ١٧٤، إرواء الغليل للألباني:٥/ ٣٧٨).

(٢) أخرجه البخاري في تقصير الصلاة (١١١١)، ومسلم في صلاة المسافرين (١٦٥٩)، وأبو داود في صلاة السفر (١٢٢٠)، والنسائي في المواقيت (٥٩٣)، وأحمد (١٣٩٣٤)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

(٣) أخرجه مسلم في البيوع (٣٨٨١)، وأبو داود في البيوع (٣٣٧٨)، والترمذي في البيوع (١٢٧٥)، والنسائي في البيوع (٤٥٣٥)، وابن ماجه في التجارات (٢٢٧٨)، وأحمد (٩١١٩)، والدارمي (٢٦٠٩)، والدارقطني (٢٨٧٩)، والبيهقي (١٠٧٢٠)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٤) أخرجه البخاري في البيوع (٢٢١٤)، ومسلم في المساقاة (٤٢١٣)، والنسائي في البيوع (٤٧١٨)، وأحمد (١٥٦٨٣)، والدارمي (٢٦٨٤)، والبيهقي (١١٨٨٧)، من حديث جابر رضي الله عنه.

(٥) أخرجه البخاري في الصلاة (٥٠٥)، ومسلم في الحج (٣٢٩٤)، وأبو داود في المناسك (٢٠٢٥)، والنسائي في القبلة (٧٥٧)، ومالك في الموطإ (٩٠١)، وأحمد (٦٠٦٩)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

(٦) أخرجه النسائي في المزارعة (٣٩٣٣)، وابن ماجه في الرهون (٢٥٤٤)، وأحمد (٤٦٨٧)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. وانظر طرقه في "إرواء الغليل" للألباني: (٥/ ٢٩٧)

(٧) أخرجه البخاري في البيوع (٢١٨٦)، ومسلم في البيوع (٤٠١٦)، ومالك في الموطإ (١٣١٧)، وأحمد (١١٣١٤)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

(٨) أخرجه مسلم في المساقاة (٤٠٦٣)، وأبو داود في البيوع (٣٣٧٦)، والنسائي في البيوع (٤٥٤٦)، وأحمد (١٤٦٩٢)، والدارقطني في سننه (٢٩٥١)، من حديث جابر رضي الله عنه.