في ضوابط خروج المرأة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 7 ذي الحجة 1445 هـ الموافق لـ 13 يونيو 2024 م



الفتوى رقم: ٤٥١

الصنف: فتاوى الأسرة ـ المرأة

في ضوابط خروج المرأة

السؤال:

هل يُشترَط المَحْرَمُ للمرأة عند خروجها للسوق؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإذا اقتضَتْ حاجةُ المرأةِ خروجَها مِنْ بيتها لبعضِ شؤونها للعلاج أو التسوُّق أو المسجد ونحوِها فيجوز لها ذلك لقِوَام دِينها وبدنها؛ عملًا بقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم لسَوْدةَ بنتِ زَمْعَةَ رضي الله عنها: «قَدْ أَذِنَ اللهُ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَوَائِجِكُنَّ»(١)، غيرَ أنَّ هذا الخروجَ المُباحَ للحاجة لا بُدَّ أَنْ ينضبط بجملةٍ مِنَ الضوابط الشرعيَّة يمكن ترتيبُها على ما يأتي:

أوَّلًا: أَنْ يكون خروجُها بإذنِ وليِّها أو زوجها وبرِضاهُ، وهذا الشرطُ يدخل في عموم طاعة الزوج بالمعروف حفاظًا على الحياة الزوجيَّة مِنَ التصدُّع والانشقاق؛ لقوله تعالى: ﴿فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٞ لِّلۡغَيۡبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ[النساء: ٣٤]، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إِذَا صَلَّتِ المَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا؛ قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ شِئْتِ»(٢)، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى المَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ»(٣)، وإذا كان الاستئذانُ مطلوبًا في الذهاب إلى المسجد فمِنْ بابٍ أَوْلى إذا كان إلى غيره مِنَ التسوُّق ونحوه.

ثانيًا: أَنْ لا تأخذ مِنْ مالِ زوجها أو وليِّها إلَّا بالقَدْر الذي أَذِن فيه، ولا تتصرَّفَ فيه إلَّا بعد استشارته وإذنه، بل حتَّى في مالِهَا الخاصِّ؛ لأنَّ ذلك مِنْ تمام قِوَامة الرَّجل عليها؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْتَهِكَ شَيْئًا مِنْ مَالِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا»(٤).

ثالثًا: أَنْ يكون خروجُها برفقةٍ آمنةٍ، وهذا حرصًا على سلامةِ عِرْضها ودِينِها، وإِنْ كان لا يجب على المرأةِ المَحْرَمُ في غير السفر ـ لمفهوم قوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا»(٥) ـ إلَّا أنَّ خروجها لوَحْدِها إلى السوق قد يُعرِّضها لأسباب الفتنة ووسائلِ الشرِّ والفساد؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «خَيْرُ البِقَاعِ المَسَاجِدُ، وَشَرُّ البِقَاعِ الأَسْوَاقُ»(٦).

رابعًا: أَنْ تستر جَسَدَها بالجلباب إِنْ خرَجَتْ مِنْ بيتها قاصدةً السوقَ، ولا يجوز لها أَنْ تخرج مُتبرِّجةً بزينتها أو متعطِّرةً أو متحلِّيةً بمُختلف الحُلِيِّ والمساحيق، أو كاسيةً عاريةً مختالةً مُعْجَبةً بنفسها وهيئتها ومنظرِها، تُثيرُ به شهوةَ الرجال؛ لذلك يَلْزَمها ارتداءُ جلباب السَّتر والحياء؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَرۡنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجۡنَ تَبَرُّجَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ ٱلۡأُولَىٰ[الأحزاب: ٣٣]، ولقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ يُدۡنِينَ عَلَيۡهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يُعۡرَفۡنَ فَلَا يُؤۡذَيۡنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٥٩[الأحزاب]، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ وَضَعَتْ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا فَقَدْ هَتَكَتْ سِتْرَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ»(٧)، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «ثَلَاثَةٌ لَا تَسْأَلْ عَنْهُمْ»، وفيه: «وَامْرَأَةٌ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا قَدْ كَفَاهَا مُؤْنَةَ الدُّنْيَا فَتَبَرَّجَتْ بَعْدَهُ»(٨)، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «وَشَرُّ نِسَائِكُمُ المُتَبَرِّجَاتُ المُتَخَيِّلَاتُ وَهُنَّ المُنَافِقَاتُ، لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْهُنَّ إِلَّا مِثْلُ الْغُرَابِ الأَعْصَمِ»(٩)، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا مِنْ رِيحِهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ»(١٠)، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا»، وذَكَر: «وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا»(١١).

خامسًا: ويجب ـ في خروجها إلى السوق أو غيرِه ـ تحقيقُ حفظِ أوليائها وزوجِها في نفسها؛ فلا تخونه بالتطلُّع إلى غيرِه ولو بنظرةٍ مُريبةٍ أو كلمةٍ مهيِّجةٍ فاتنةٍ أو اختلاطٍ منهيٍّ عنه أو موعدٍ غادرٍ أو لقاءٍ آثمٍ، ممَّا يقدح في دِينِها أو نفسِها أو عِرْضها؛ فالواجبُ أَنْ تَغُضَّ طَرْفَها وتخفِضَ صوتَها وتكُفَّ لسانَها ويدَها عن السوء والفحش والبذاء؛ لقوله تعالى: ﴿فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٞ لِّلۡغَيۡبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ[النساء: ٣٤]، ولقوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَا[النور: ٣١]، وقولِه تعالى: ﴿فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ وَقُلۡنَ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٣٢[الأحزاب]، وقولِه تعالى: ﴿لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلۡجَهۡرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ[النساء: ١٤٨].

سادسًا: ومِنْ هذا القبيل ـ أيضًا ـ فلا يجوز للمرأة ـ حالَ خروجها لشؤونها ـ أَنْ تختلط بالرجال الأجانب الاختلاطَ الآثم، كما لا يجوز لها أَنْ تدخل لوَحْدِها على الرَّجل الأجنبيِّ في محلِّه التجاريِّ أو غير التجاريِّ على وجه الخلوة المحرَّمة حسمًا للفتنة؛ إذ لا يُؤْمَن عليها سوءُ نظرةٍ أو كلمةٍ أو فعلٍ؛ ذلك لأنَّ عواقبَ ما تسوِّل النفسُ به وما يوسوس به الشيطانُ كُلَّها وخيمةٌ ومذمومةٌ؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ»(١٢).

سابعًا وأخيرًا: لا يجوز للمرأة ـ بمقتضى الأمانة المُلقاة على عاتِقِها ـ أَنْ تصرف خروجَها مِنْ بيتها لغرضٍ مشروعٍ تحتاج فيه إلى قِوَام بدنِها أو دِينها فتحوِّلَه إلى ما لا يُرْضي اللهَ تعالى، فتَرِدَ أماكنَ اللهو والفجور، أو المحلَّاتِ العاجَّةَ بالمُنْكَرات، أو المجالاتِ الناشرةَ للشرِّ والفساد، ممَّا يَرْكَن إليه ـ عادةً ـ الأرذلون ويَرْتَضيهِ المُنحطُّون؛ فإنَّ هذا التصرُّف ـ بلا شكٍّ ـ خيانةٌ للأمانة وتضييعٌ لها؛ الأمرُ الذي يُرْديها في الفتنة والتهلكة.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٩ جمادى الأولى ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ٥ جـوان ٢٠٠٦م

 



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «النكاح» بابُ خروجِ النساء لحوائجهنَّ (٥٢٣٧)، ومسلمٌ في «السلام» (٢١٧٠)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» (١٦٦١) مِنْ حديثِ عبد الرحمن بنِ عوفٍ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٩٣٢) وصحَّحه في «صحيح الجامع» (٦٦٠، ٦٦١).

(٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأذان» بابُ خروجِ النساء إلى المساجد بالليل والغَلَس (٨٦٥) وفي «النكاح» باب استئذان المرأةِ زوجَها في الخروج إلى المسجد وغيرِه (٥٢٣٨)، ومسلمٌ في «الصلاة» (٤٤٢)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.

(٤) أخرجه الطبرانيُّ في «المعجم الكبير» (٢٢/ ٨٣). وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٥٤٢٤).

(٥) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «تقصير الصلاة» باب: في كم يَقْصُر الصلاةَ؟ (١٠٨٨)، ومسلمٌ في «الحجِّ» (١٣٣٩)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٦) أخرجه الطبرانيُّ في «المعجم الكبير» (١٣٧٩٨)، والحاكم في «المستدرك» (٣٠٦)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما. وحسَّنه ابنُ حجرٍ في «مُوافَقةِ الخُبْر الخَبَر» (١/ ١١)، والألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٣٢٧١).

(٧) أخرجه الترمذيُّ في «الأدب» بابُ ما جاء في دخول الحمَّام (٢٨٠٣)، وابنُ ماجه ـ واللفظُ له ـ في «الأدب» بابُ دخولِ الحمَّام (٣٧٥٠)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٢٧١٠).

(٨) أخرجه أحمد في «مسنده» (٢٣٩٤٣)، والبخاريُّ في «الأدب المُفْرَد» (٥٩٠)، والحاكم في «المستدرك» (٤١١)، مِنْ حديثِ فَضالة بنِ عُبَيْدٍ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «الصحيحة» (٥٤٢).

(٩) أخرجه البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (١٣٤٧٨) مِنْ حديثِ أبي أُذَيْنَة الصَّدَفيِّ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «الصحيحة» (١٨٤٩).

(١٠) أخرجه بهذا اللفظِ ابنُ حبَّان في «صحيحه» (٤٤٢٤)، وابنُ خزيمة في «صحيحه» (١٦٨١)، وهو عند أبي داود في «الترجُّل» بابُ ما جاء في المرأة تتطيَّب للخروج (٤١٧٣)، والترمذيِّ في «الأدب» بابُ ما جاء في كراهِيَةِ خروجِ المرأة متعطِّرةً (٢٧٨٦)، والنسائيِّ بهذا اللفظ في «الزينة» بابُ ما يُكْرَهُ للنساء مِنَ الطِّيب (٥١٢٦)، مِنْ حديثِ أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٢٧٠١).

(١١) أخرجه مسلمٌ في «اللباس والزينة» (٢١٢٨) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(١٢) أخرجه الترمذيُّ في «الفِتَن» بابُ ما جاء في لزوم الجماعة (٢١٦٥) مِنْ حديثِ ابنِ عمر عن أبيه عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٦/ ٢١٥) وفي «صحيح الجامع» (٢٥٤٦). وانظر طُرُقَه في: «البدر المنير» لابن الملقِّن (٨/ ٢٥٧)، و«نصب الراية» للزيلعي (٤/ ٢٤٩).