في الفرق بين الاسْمِ المُطْلَقِ ومُطْلَقِ الاسْم ِ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 20 ربيع الأول 1441 هـ الموافق لـ 17 نوفمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٤٧١

الصنف: فتاوى العقيدة - أركان الإيمان - مسائل الإيمان

في الفرق بين الاسْمِ المُطْلَقِ ومُطْلَقِ الاسْمِ

السؤال:

لقد أشكل علينافَهْمُ كلامٍ لشيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ في «العقيدة الواسطية» عند قوله: «ويقولون: هو مؤمنٌ ناقصُ الإيمان، أو مؤمنٌ بإيمانه فاسقٌ بكبيرته؛ فلا يُعْطَى الاسْمَ المُطْلَقَ ولا يُسْلَبُ مُطْلَقَ الاسْمِ»(١)، فما مَعْنَى قوله: «فلا يُعْطَى الاسْمَ المُطْلَقَ ولا يُسْلَبُ مُطْلَقَ الاسْمِ»؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فعبارةُ شيخ الإسلام ابنِ تيمية ـ رحمه الله ـ متعلِّقةٌ بالفاسق الملِّيِّ، ومرادُه: أنَّ أهل السنَّة والجماعة لا يُكفِّرون بمُطْلَقِ المعاصي والكبائر، ويُفرِّقون بين مُطْلَقِ الشيء بمَعْنَى: أصلِ الشيء، وبين الشيء المُطْلَقِ الذي يعني: الكمال؛ فهُمْ لا يسلبون الفاسقَ المِلِّيَّ الإسلامَ بالكُلِّيَّة، أي: لا ينفون عنه أصلَ الإيمان؛ فلا يقال له: ليس بمؤمنٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أَثْبَتَ له الأخوَّةَ الإيمانية مع وجود المعاصي؛ فقَدْ جَعَلَ اللهُ المقتولَ أخًا للقاتل فاعلِ الكبيرة كما في آية القصاص مِنْ قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ[البقرة: ١٧٨]، كما جَعَلَ اللهُ تعالى الطائفةَ المُصْلِحة إخوةً للطائفتَيْن المُقتَتِلتَيْن مع وجود البغي وقتالِ المؤمن للمؤمن وهي كبيرةٌ ومعصيةٌ، قال تعالى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٩ إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٠[الحُجُرات]، كما لا يُعْطى الفاسقُ الاسْمَ المُطْلَقَ في الإيمان، وهو الاسْمُ الكامل الذي لا يَدْخُلُ الفُسَّاقُ وأهلُ المعاصي فيه، وإنما هذا الاسْمُ المُطْلَقُ خاصٌّ بأهل الإيمان المُطْلَق الذين آمَنوا بالله ورسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم، وقاموا بشعائرِ دِينِه مِنَ القيام بالواجبات واجتنابِ المحرَّمات مُخْلِصين له الدِّينَ، وقد وَصَفهم اللهُ تعالى بقوله: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٢ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٤[الأنفال]؛ فهؤلاء يَستحِقُّون الولاءَ المُطْلَقَ، بينما الفاسق المِلِّيُّ يَستحِقُّ الولاءَ مِنْ جهةِ إيمانه، ويَستحِقُّ البراءَ مِنْ جهةِ عصيانه، حيث يُهْمِلُ بعضَ الواجباتِ ويفعل بعضَ المحرَّمات التي لا تَصِلُ إلى الكفر الأكبر، وقد ثَبَتَ أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كَانَ اسْمُهُ: عَبْدَ اللهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ: حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، وَكَانَ النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ؛ فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: «اللهم الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ!»، فَقَالَ النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تَلْعَنُوهُ؛ فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ: إِنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ»(٢).

فالفاسقُ الملِّيُّ يدخل في مُطْلَقِ اسْمِ الإيمان ولا يدخل في اسْمِ الإيمان المُطْلَق؛ لأنَّ أهل الإيمان المُطْلَقِ لا يتركون الواجباتِ ولا يقترفون المحرَّماتِ مِنْ زِنًا وسرقةٍ وشُرْبِ خمرٍ؛ ولذلك نفى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عنهم الإيمانَ الكامل بارتكابهم المحرَّماتِ في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا يَزْنِى الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ .. وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ»(٣).

وعليه، فلا يُعْطى الفاسقُ الاسْمَ الكاملَ ـ وهو الإيمانُ المُطْلَقُ ـ لارتكابه للمعاصي، ولا يُسْلَبُ عنه مُطْلَقُ الاسْمِ لوجودِ أصلِ الإيمان؛ ولهذا يُقالُ له: مؤمنٌ ناقصُ الإيمان، أو مؤمنٌ بإيمانه فاسقٌ بكبيرته.

وهذا بخلاف الخوارج الذين يكفِّرون بمُطْلَقِ المعاصي، والمُرْجِئةِ الذين يُعْطون الفاسقَ الملِّيَّ الاسْمَ الكامل، يعني: الإيمانَ المطلق، والمعتزلةِ الذين يجعلونه في منزلةٍ بين المنزلتين؛ فأهلُ السنَّة والجماعةِ أهلُ الإنصاف والعدل: مَذْهَبٌ وَسَطٌ بين الإفراط والتفريط وبين الغُلُوِّ والجفاء.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٧ جمادى الأولى ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٣ جوان ٢٠٠٦م

 


(١) «العقيدة الواسطية» لابن تيمية (١١٤).

(٢) أخرجه البخاريُّ في «الحدود» بابُ ما يُكْرَهُ مِنْ لعنِ شارب الخمر وأنه ليس بخارجٍ مِنَ الملَّة (٦٧٨٠) مِنْ حديثِ عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه.

(٣) أخرجه البخاريُّ في «المظالم» بابُ النُّهبى بغير إذنِ صاحِبِه (٢٤٧٥)، ومسلمٌ في «الإيمان» (٥٧)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.