في التوكيل في النكاح | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 21 شعبان 1445 هـ الموافق لـ 02 مارس 2024 م



الفتوى رقم: ٥٠٢

الصنف: فتاوى الأسرة ـ عقد الزواج ـ إنشاء عقد الزواج

في التوكيل في النكاح

السؤال:

تعرَّفْتُ على فتاةٍ بُغيةَ الزواج، وبَقِيتُ معها على اتِّصالٍ عبرَ الهاتف والإنترنت دون علمِ وليِّها، ثمَّ تقدَّمْتُ لخِطْبَتها، ثمَّ أجرَيْنا العقدَ الشرعيَّ بحضورِ وليِّها وشاهدَيْن عدلَيْن، غير أنِّي استنَبْتُ عنِّي أخي في حضورِ العقدِ بسبب العمل؛ فهل هذا الزواج صحيحٌ؟ وهل طريقةُ العقد صحيحةٌ؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّ الله تعالى مَنَع كُلَّ الوسائل التي تؤدِّي إلى الحرام، وجَعَل للحرام حريمًا، وحريمُ الحرامِ مُقدِّماتُه كالخلوة والاختلاط، والكلامِ الزائد عن مَحَلِّ الحاجة، والكلامِ المُثير للشهوة، والاتِّصالِ بالنساء الأجنبيَّات ومهاتفتهنَّ، وغيرها مِنَ الذرائع التي تفضي إلى المفاسد؛ فمِثلُ هذا العملِ يمنعه الشرعُ سدًّا لذريعة الحرام؛ لأنه يُفضي إلى أقصى غايَتِه وهو الزِّنا؛ غير أنَّ هذه المقدِّماتِ ليست ـ مِنْ حيث الإثمُ ـ بمنزلة الغايات، ولا يترتَّب عليها الجزاءُ الدنيويُّ المعروف، وإنما هي ذنوبٌ يُمكِنُ تكفيرُها بالتوبة والعمل الصالح والاستكثار مِنَ الذِّكر، على ما وَرَد في ذلك مِنَ الأحاديث الصحيحة، منها: قولُه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الكَبَائِرَ»(١)، وعن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه: «أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ فَنَزَلَتْ: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّ‍َٔاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ ١١٤[هود]، قَالَ: فَقَالَ الرَّجُلُ: «أَلِيَ هَذِهِ؟ يَا رَسُولَ اللهِ» قَالَ: «لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي»»(٢)(٣).

أمَّا النيابة في العقود وفي الأموال القابلةِ للوكالة فجائزةٌ باتِّفاقٍ، ويعمل النائبُ أو الوصيُّ أو الوكيل عَمَلَ الأصيل، فإذا طابَق القَبولُ الإيجابَ مُطابَقةً تامَّةً، أي: على ما اتُّفِق عليه بحضورِ وليِّ المرأة وشاهدَيْ عدلٍ فإنَّ عقد الزواج يصحُّ؛ وعمدةُ ذلك ما رُوِي أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم قام بتوكيلِ أبي رافعٍ رضي الله عنه في شأن زواجه مِنْ ميمونة رضي الله عنها(٤)، وكذلك جرى الأمرُ مع أمِّ حبيبةَ بنتِ أبي سفيانَ رضي الله عنهما حيث رُوي أنَّه وكَّل النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في شأن زواجه منها عَمْرَو بنَ أُمَيَّةَ رضي الله عنه(٥)؛ ولكِنْ ينبغي استتباعُ العقد الشرعيِّ بالعقد المدنيِّ، حصانةً للعقد ولحقوق الطَّرَفين، لكون القضاءِ الجزائريِّ لا يعتبر العقدَ الشرعيَّ سوى خِطبةٍ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

مكَّة في: ١٩ رمضان ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ١٢ أكتوبر ٢٠٠٦م

 



(١) أخرجه مسلمٌ في «الطهارة» (٢٣٣) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «تفسير القرآن» باب قوله: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّ‍َٔاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ ١١٤[هود] (٤٦٨٧)، ومسلمٌ في «التوبة» (٢٧٦٣) مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه.

(٣) انظر الكلمةَ الشهريَّة رقم: (١١) الموسومة ﺑ: «طُرُق الخلاص مِنَ الذنوب وتكفير السيِّئات» على الموقع الرسميِّ.

(٤) أَخرجَ الترمذيُّ في «الحجِّ» بابُ ما جاء في كراهِيَةِ تزويج المُحرِم (٨٤١) قولَ أبي رافعٍ رضي الله عنه: «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ، وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ، وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولَ فِيمَا بَيْنَهُمَا». قال الألبانيُّ في «ضعيف الترمذي» (٨٤١): «ضعيفٌ، لكنَّ الشطر الأوَّل منه صحيحٌ»، وضعَّفه في «إرواء الغليل» (١٨٤٩): «وهذا إسنادٌ صحيحٌ، ولكنَّه مُرسَلٌ، وقد وَصَله مطرٌ الورَّاق عن ربيعة بنِ أبي عبد الرحمن عن سليمان بنِ يسارٍ عن أبي رافع.. قلتُ: لكِنْ مطرٌ قال الحافظ: صدوقٌ كثيرُ الخطإ؛ قلتُ: فمِثلُه لا يُعتَدُّ بوصله إذا لم يخالف؛ فكيف إذا خالف؟! فكيف إذا كان مَنْ خالفه هو الإمامَ مالك؟!».

(٥) أَخرجَ الحاكم في «مستدركه» (٦٧٧١): «بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ إِلَى النَّجَاشِيِّ يَخْطُبُ عَلَيْهِ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ»، مِنْ حديثِ جعفر بنِ محمَّد بنِ عليٍّ عن أبيه ـ رحمه الله ـ. وضعَّفه الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (١٤٦٠، ١٨٥٠).