في حكم التَّزوُّج مِنْ ثيِّبٍ مع المُعارَضة الأبويَّة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 15 شوال 1445 هـ الموافق لـ 24 أبريل 2024 م



الفتوى رقم: ٨٣٨

الصنف: فتاوى الأسرة ـ عقد الزواج ـ إنشاء عقد الزواج

في حكم التَّزوُّج مِنْ ثيِّبٍ مع المُعارَضة الأبويَّة

السؤال:

عزَمْتُ على الزواج مِنِ امرأةٍ مُطلَّقةٍ لها بنتٌ، والذي دفعني إلى ذلك: كونُها على دِينٍ وخُلُقٍ، ولأنِّي أَوَدُّ جَبْرَ كَسْرِها ومُواساتَها في مُصيبتها، لكنِّي وجَدْتُ معارضةً مِنْ أبويَّ تمسُّكًا بالعُرف السائد، فأَوَدُّ مِنْ شيخِنا أَنْ يُرشِدَنا بكلمةٍ توجيهيةٍ تكون مفتاحَ خيرٍ ينشرح لها صدرُ الوالدَيْن، وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فعلى المسلمِ أَنْ يتحرَّى في اختيارِه: الزوجةَ الصالحةَ صاحبةَ الدِّين والخُلُق؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ»(١)، وأَنْ تكون ممَّنْ تحفَظ مالَه، وتصون عِرضَهُ، وترعى حالَه، وتحنو على ولده، وترضى باليسير، وتترك التبذيرَ والإسرافَ في الإنفاق؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ»(٢)، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ: صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ؛ أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ»(٣).

هذا، والأفضلُ في اختيار الزوجةِ أَنْ تكون بِكْرًا؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «عَلَيْكُمْ بِالأَبْكَارِ؛ فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا، وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا، وَأَرْضَى بِاليَسِيرِ»(٤)، وفي حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما: قال له رسولُ الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «فَهَلَّا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُضَاحِكُكَ وَتُضَاحِكُهَا، وَتُلَاعِبُكَ وَتُلَاعِبُهَا»(٥)؛ غير أنه إِنْ وَجَدَ الخاطبُ في الثَّيِّبِ مَزِيَّةً على البِكْرِ في التمسُّكِ بدِينِها، والخِبرةِ في حُسنِ معاملتها للزوج، والصبرِ على خدمته، فيكون اختيارُ الثَّيِّب للزواج أفضلَ، وقد صَوَّبَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم تعليلَ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما حيث قال: «إِنَّ عَبْدَ اللهِ هَلَكَ وَتَرَكَ بَنَاتٍ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ؛ فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً تَقُومُ عَلَيْهِنَّ وَتُصْلِحُهُنَّ»، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «بَارَكَ اللهُ لَكَ» أَوْ قال: «خَيْرًا»(٦).

هذا، وإذا انصرف اختيارُ العاقلِ للثَّيِّب للمقاييس السابقة فلا ينبغي أَنْ يُهْمَلَ اختيارُه ويُمنَع مِنَ الثَّيِّب إِنْ رَغِب فيها، سواءٌ مِنَ الوالدَيْن أو غيرِهما، خاصَّةً إِنْ وَجَد في الثَّيِّب معونةً له على دِينه ومُسانَدةً له على راحَتِه، فيُواسِيها في مُصيبتها بالزواج ويجعل تكفُّله بالرَّبيبة بمثابة تكفُّله باليتيمة ليحقِّق قولَه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا»، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى(٧)؛ ولا ينبغي مسايرةُ العُرفِ السائدِ إِنْ كان صادًّا عمَّا شَرَعه اللهُ للناس؛ إِذْ لم يُفَرِّقِ الشرعُ ـ مِنْ حيث الصلاحُ والدِّين ـ بين البِكر والثيِّب، فمَنْ كانت منهنَّ أكثرَ تحلِّيًا بهما كانت الأَوْلَى والأفضلَ؛ لعمومِ قولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مَنْ رَزَقَهُ اللهُ امْرَأَةً صَالِحَةً فَقَدْ أَعَانَهُ عَلَى شَطْرِ دِينِهِ؛ فَلْيَتَّقِ اللهَ فِي الشَّطْرِ الثَّانِي»(٨)، وقال صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا: المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ»(٩).

فاللهَ نَسألُ أَنْ يُوفِّقَكم لأسباب السعادة في الدُّنيا والآخرة، ويُبعِد عنكم أسبابَ الشَّقاء وعواملَ الفساد، وأَنْ يجمع كلمةَ والِدَيْكم على الخير وعلى صِحَّةِ اختياركم.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٧ مِنَ المحرَّم ١٤٢٤ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٤/ ٠٢/ ٢٠٠٨م

 



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «النكاح» باب الأَكْفاء في الدِّين (٥٠٩٠)، ومسلمٌ في «الرضاع» (١٤٦٦)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) أخرجه أبو داود ـ بهذا اللفظ ـ في «النكاح» باب النهي عن تزويجِ مَنْ لم يَلِدْ مِنَ النساء (٢٠٥٠)، والنسائيُّ دون لفظة: «الأمم» في «النكاح» بابُ كراهِيَةِ تزويجِ العقيم (٣٢٢٧)، مِنْ حديثِ مَعْقِل بنِ يسارٍ رضي الله عنه؛ وأخرجه أحمد بلفظ: «مُكَاثِرٌ [بِكُمُ] الأَنْبِيَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ» في «مسنده» (١٢٦١٣، ١٣٥٦٩) مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه. وحسَّنه الهيثميُّ في «مجمع الزوائد» (٤/ ٢٥٨)، وصحَّحه العراقيُّ في «تخريج الإحياء» (٢/ ٥٣)، وابنُ حجرٍ في «فتح الباري» (٩/ ١١١)، والألبانيُّ في «الإرواء» (٦/ ١٩٥) رقم: (١٧٨٤) وفي «آداب الزفاف» (ص ١٣٢).

(٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «النكاح» باب: إلى مَنْ يَنكِح؟ وأيُّ النساء خيرٌ؟ وما يُستحَبُّ أَنْ يتخيَّر لنُطَفِه مِنْ غيرِ إيجابٍ (٥٠٨٢) وفي «النفقات» بابُ حفظ المرأةِ زوجَها في ذاتِ يده والنفقة (٥٣٦٥)، ومسلمٌ في «فضائل الصحابة» (٢٥٢٧)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٤) أخرجه ابنُ ماجه في «النكاح» بابُ تزويج الأبكار (١٨٦١) مِنْ حديثِ عبد الرحمن بنِ سالم بنِ عتبة بنِ عُوَيْم بنِ ساعدة الأنصاريِّ عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا. والحديث حسَّنه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٢/ ١٩٢) رقم: (٦٢٣).

(٥) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «النكاح» باب: تَستحِدُّ المُغيبةُ وتَمتشِط الشَّعِثةُ (٥٢٤٧)، ومسلمٌ في «الرضاع» (٧١٥)، مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(٦) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «النفقات» بابُ عون المرأةِ زوجَها في ولده (٥٣٦٧)، ومسلمٌ في «الرضاع» (٧١٥)، مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(٧) أخرجه البخاريُّ في «الطلاق» باب اللِّعان (٥٣٠٤) وفي «الأدب» بابُ فضلِ مَنْ يعول يتيمًا (٦٠٠٥) مِنْ حديثِ سهل بنِ سعدٍ الساعديِّ رضي الله عنهما.

(٨) أخرجه الطبرانيُّ في «المُعجَم الأوسط» (١/ ٢٩٤)، والحاكم في «المُستدرَك» (٢٦٨١)، مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٩١٦).

(٩) أخرجه مسلمٌ في «الرضاع» (١٤٦٧) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنهما.