في حكم التشريك بين إرادة الحج والتجارة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 5 ربيع الأول 1442 هـ الموافق لـ 22 أكتوبر 2020 م



الفتوى رقم: ٨٦٣

الصنـف: فتاوى الحجِّ - أحكام الحجِّ

في حكم التشريك
 بين إرادة الحج والتجارة

السؤال:

هل تجوز التِّجارةُ أثناءَ أداءِ مناسكِ الحجِّ أو العمرة؟ وهل يُعَدُّ التَّشريكُ بين الإرادتين شِركًا وقَدْحًا في الإخلاص؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فالحاجُّ القاصدُ للتِّجارة صحيحٌ حَجُّهُ بالنصِّ القرآنيِّ والإجماع، فقَدْ رَخَّص اللهُ ـ سبحانه وتعالى ـ لمَنْ حَجَّ في التِّجارة والتكسُّب مِنْ غيرِ أَنْ يُرتِّب أيَّ إثمٍ على تشريك الإرادة في قصد العبادة لتحصيل طاعة الله بالحجِّ والعمرة، وتحصيلِ غرض التكسُّب والتجارة؛ قال الله تعالى: ﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ[البقرة: ١٩٨]، والمراد بالفضل في الآية: كُلُّ الأعمال التي يُحَصَّلُ بها شيءٌ مِنَ الرِّزق.

فدلَّتِ الآيةُ على إباحةِ قصدِ ابتغاءِ فضلِ الله حالَ السَّفر لتأدِيَةِ ما افترضه اللهُ مِنَ الحجِّ، وقد ثَبَت عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ الآيةَ نزلَتْ لمَّا خاف المسلمون مِنَ الاتِّجار في أسواق الجاهليَّة في مواسم الحجِّ، قال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «كَانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو المَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَامُ تَأَثَّمُوا مِنَ التِّجَارَةِ فِيهَا؛ فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ[البقرة: ١٩٨]: فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ» قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَذَا(١)، وفي «سنن أبي داود» عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّاسَ فِي أَوَّلِ الحَجِّ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ بِمِنًى وَعَرَفَةَ وَسُوقِ ذِي المَجَازِ وَمَوَاسِمِ الحَجِّ، فَخَافُوا البَيْعَ ـ وَهُمْ حُرُمٌ ـ فَأَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ»(٢).

هذا، وتشريكُ إرادة الحجِّ والتِّجارة ليس شركًا، ولا يدخل في مناهي الإرادات الخفيَّة كالرِّياء وإرادةِ الدُّنيا بالعمل؛ لأنه ليس مقصودُ الحاجِّ أو المُعتمِر المراءاةَ والسُّمعة ونحوَهما، وإنَّما مقصوده الحجُّ والتِّجارة، وقد أباح اللهُ له هذا القصدَ.

ولمزيدِ بيانِ هذه المسألةِ فقَدْ ذَكَر الإمام القرافيُّ رحمه الله في «فروقه» فَرْقًا دقيقًا بين قاعدة الرِّياء في العبادة والتشريك فيها، فأَوضحَ أنَّ الرِّياءَ شركٌ وتشريكٌ مع الله تعالى في طاعته، وهو مُوجِبٌ للمعصية والإثم والبطلان في تلك العبادة، وأنَّ ضابطَها: أَنْ يعمل العملَ المأمور به المتقرَّبَ به إلى الله ويقصد به وجهَ الله تعالى وأَنْ يعظِّمه النَّاسُ أو بعضُهم فيَصِلَ إليه نفعُهم أو يندفع عنه ضررُهم، فهذا أحَدُ قسمَيِ الرِّياء وهو «رياء الشِّرك»، وقسمٌ آخَرُ يعمل العملَ لا يريد به وجهَ الله ألبتَّةَ، بل يريد الناسَ فقط، فهذا القسم يسمَّى: «رياءَ الإخلاص»، فالغرض مِنَ الرِّياء هو التعظيم وما يتفرَّع عنه مِنْ جلب المصالح ودفعِ المَضارِّ الدنيوية.

وأمَّا مُطلَقُ التشريك كمَنْ يجاهد لتحصيل طاعة الله بالجهاد، وليحصل له المالُ مِنَ الغنيمة؛ فهذا لا يضرُّه ولا يَحْرُم عليه بالإجماع لأنَّ الله جَعَل له هذا في العبادة، فَفَرْقٌ بين جهاده ليقولَ الناسُ: هذا شجاعٌ، أو ليعظِّمه الإمامُ فيكثر عطاؤه مِنْ بيت المال، وهذا ونحوُه رياءٌ حرامٌ، وبين أَنْ يجاهد لتحصيل المغانم مِنْ جهةِ أموال العدوِّ مع أنه قد شرَّك، فلا يصدق على المال المأخوذِ في الغنيمة لفظُ الرِّياء لعدم الرؤية فيها.

وكذلك مَنْ حَجَّ وشرَّك في حَجِّه غرضَ المتجر، ويكون جُلُّ مقصودِه أو كُلُّه السَّفرَ للتجارة خاصَّةً، ويكون الحجُّ إمَّا مقصودًا مع ذلك أو غير مقصودٍ، ويقع تابعًا اتِّفاقًا، فهذا ـ أيضًا ـ لا يقدح في صِحَّة الحجِّ ولا يُوجِب إثمًا ولا معصيةً.

وكذلك مَنْ صام ليصحَّ جسدُه، أو ليحصل له زوالُ مرضٍ مِنَ الأمراض التي يُنافِيها الصَّومُ ويكون التداوي هو مقصودَه أو بعضَ مقصوده، والصَّومُ مقصودٌ مع ذلك؛ وإيقاعُ الصَّوم مع هذه المقاصدِ لا يقدح في صومه، بل أَمَر بها صاحبُ الشرع في قوله: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ؛ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»(٣).

واستتبع رحمه الله كلامَه بقوله: «وجميعُ هذه الأغراض لا يدخل فيها تعظيمُ الخَلْق، بل هي تشريكُ أمورٍ مِنَ المصالح ليس لها إدراكٌ، ولا تصلح للإدراك ولا للتعظيم، فلا يقدح في العبادات».

ثمَّ قال رحمه الله: «فظهر الفَرْقُ بين قاعدة الرِّياء في العبادات وبين قاعدة التشريك فيها غرضًا آخَرَ غيرَ الخَلْق مع أنَّ الجميعَ تشريكٌ، نعم لا يمنع أنَّ هذه الأغراضَ المُخالِطة للعبادة قد تنقص الأجرَ، وأنَّ العبادة إذا تجرَّدَتْ عنها زاد الأجرُ وعَظُمَ الثواب، أمَّا الإثمُ والبطلان فلا سبيلَ إليه، ومِنْ جِهَتِه حَصَل الفرقُ لا مِنْ جهةِ كثرة الثواب وقِلَّته»(٤).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في: ٠٢ ربيع الأول ١٤٢٩ﻫ

الموافق ﻟ: ٠٨/  ٠٣/  ٢٠٠٨م

 



(١) أخرجه البخاريُّ في «البيوع» باب الأسواق التي كانت في الجاهلية، فتَبايَع بها الناسُ في الإسلام (٢٠٩٨) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٢) أخرجه أبو داود في «المناسك» باب الكري (١٧٣٤) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح أبي داود».

(٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصَّوم» باب الصَّوم لمَنْ خاف على نفسِه العزبةَ (١٩٠٥)، ومسلمٌ في «النِّكاح» (١٤٠٠)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه.

(٤) «الفروق» للقرافي (٣/ ٢٢).