في أحكام لقطة الأموال ما عدا الحيوان | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 2 رجب 1441 هـ الموافق لـ 26 فبراير 2020 م



الفتوى رقم: ٨٩٧

الصنـف: فتاوى المعاملات المالية

في أحكام لقطة الأموال ما عدا الحيوان

السـؤال:

نرجو منكم أن تبيِّنوا مُجملَ أحكامِ اللقطة، وكيفية تعريفها، وضابط معرفة اللقطة الحقيرة؟ وشكرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فاللُّقَطَةُ هي: «كلُّ مالٍ معصومٍ مُعرَّضٍ للضياع لا يُعرف مالكُه»، فإن كان المعني في السؤال الأموال ما عدا الحيوان، كالنقود والأمتعة والأواني ونحو ذلك ممَّا ليس بحقيرٍ ولا ما يخشى فساده، فحكمه يدور بين الاستحباب واللزوم والحرمة، فإن كان في موضعٍ يأمن عليها الملتقِط إذا تركها فإنه يستحبُّ له أخذها، فإن كان الموضعُ غيرَ مأمونٍ لَزِمه حِفظُها أمانةً بيده، والتعريفُ بها في مجامع الناس. أمَّا إن علم من نفسه الطمعَ فيها، أو لم يَقْوَ على التعريف بها فيُحرَم عليه الإقدامُ على أخذها، فإن أخذها -والحال هذه- فَيَدُهُ يَدُ عُدوانٍ، وعُدَّ غاصبًا لاستيلائه على مال غيره من غير وجه حقٍّ، فضلاً عن تضييع مالِ غيره بالأخذ.

وأصلُ اللقطة ما جاء عن زيدٍ بن خالدٍ رضي الله عنه قال: سُئِلَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم عن لقطة الذهب والوَرِق؟ فقال: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأدِّهَا إِلَيْهِ»(١)، والمراد بالوِكاء: الخيط الذي يُشدُّ به على رأس الصرَّة أو الكيس أو الوعاء، والعِفاص هو: الوعاء من جِلد أو نسيجٍ أو خشبٍ أو غيرِه الذي تكون فيه النفقة.

والحديث دلَّ على أنّه يجب على مُلتقطِها أن يتبيَّن علاماتِها المميِّزَةَ لها عن غيرها من وعاءٍ ورباطٍ وقَدْرٍ وصِنْفٍ وجِنسٍ، لئلاَّ تختلطَ اللقطةُ بمالِ الملتقِطِ من جهةٍ، وحتى يمكنَه إذا ما جاء صاحبُها أن يستوصفَه عن تلك العلامات الخاصَّة بها ليعلم صدقه من كذبه.

هذا، واللقطة تبقى عنده وديعةً، يحفظها كما يحفظ مالَه ولا يضمنها إلاَّ بالتعدِّي، والواجب أن ينشر خبرها في مجامع الناس كالأسواق، وعند أبواب المساجد لا داخلَها لورود النهي عن إنشاد الضالَّة في المسجد(٢)، وغيرها من الأماكن التي يُتوقَّع وجودُ صاحبها فيها، ويبقى التعريف بها مستمرًّا لسنة كاملة، ففي الأسبوع الأول ففي كُلِّ يوم، لقُوَّة احتمال مجيءِ صاحبِها فيه، ثمَّ بعد الأسبوع يجري التعريف بها بحسَب عادة الناس.

فإن جاء صاحبُها ووصفَها بالعلامات والأماراتِ المميِّزة لها بما يُطابق وصفَها حلَّ للملتقِط أن يدفعها إليه وجوبًا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، ولا يجوز له أن يطالبَه بالبيِّنة أو اليمين لقيام صفتها مقامهما؛ ولأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أمر بدفعها إليه بلا شرطٍ، و«تَأْخيِرُ البَيَانِ عَنْ وَقْتِ الحَاجَةِ لاَ يَجُوزُ».

فإن عجز عن بيان أوصافها أو وَصَفَها بما لا يُطابق وصفَها فلا يحلُّ للملتقِط دفعَها إليه؛ لأنها أمانةٌ في يده، والأمانات إنما تُدفع لأهلها، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ»(٣)، وقد أجمعوا على أنَّ الأماناتِ مردودةٌ إلى أربابها(٤).

أمَّا إن لم يظهر صاحبها بعد سنةٍ كاملة من التعريف بها فإنها تصير مِلكًا لملتقِطِها، وله أن ينتفعَ بها سواء كان غنيًّا أو فقيرًا من غير ضمان يلحقه، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ فَاسْتَنْفٍِقْهَا»، أي: يجوز لواجدها أن يتصرَّف فيها وينتفع على وجه الملكية بعد الحول وضبط صفاتها لحديث أوس بن كعب رضي الله عنه قال: «وجدتُ صرةً فيها مائة دينار، فأتيت النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم فقال: عَرِّفها حولاً، فعرَّفتها حولاً، فعرفتها فلم أجد، ثمَّ أتيته ثلاثًا، فقال: احْفَظْ وِعَاءَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلاَّ فَاسْتَمْتِعْ بِهَا»(٥).

غير أنَّ ملكيةَ الواجد لها والانتفاعَ مؤقَّتٌ ينتهي بمجيءِ صاحبها مهما طال زمنه، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأدِّهَا إِلَيْهِ»، فإن أتى صاحبها ردَّ له عينَها إن كانت موجودةً سواء قبل الحول أو بعده، أمَّا إن تلفت بتَعَدٍّ منه وتفريطٍ في الحول ردَّ بدلَها إن وُجِد أو قيمتَها إذا تعذَّر البَدَلُ، فحكمها حُكم الوديعة، فإن ادعى الملتقِطُ أنها ضاعت منه من غير تفريطٍ يُقبلُ قولُه مع يمينه إجماعًا، قال ابن المنذر: «أجمعُوا على أنَّ المودعَ إذا أحرزَ الوديعةَ، ثُمَّ ذكر أنها ضاعت، أنَّ القولَ قولُه مع يمينه»(٦)، أمَّا إذا ضاعت بعد الحول فلا ضمانَ عليه عملاً بقاعدة أنَّ «الجَوَازَ يُنَافِي الضَّمَانَ».

هذا، ويُستثنى من اللقطة: المأكولُ الذي يُخشى فسادُه كتمرة أو رغيف أو حَبَّةٍ من خضروات فإنه يجوز الانتفاع بها بالأكل من غير تعريف؛ لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم مرَّ بتمرة في الطريق فقال: «لَوْلاَ أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُهَا»(٧)، ويدخل في الاستثناء -أيضًا- الحقير من الأشياء الذي لا تتبعه هِمَّةُ أوساطِ الناس كالحبل والسوط والنعل والعصا لحديث جابر بن عبد الله قال: «رَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي العَصَا وَالسَّوْطِ وَالحَبْلِ وَأَشْبَاهِهِ يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ»(٨)، والحديث وإن لم يصحَّ سندُه مرفوعًا فإنه يُؤيِّدُ معناه حديثُ عليٍّ رضي الله عنه أنه جاء إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم بدينارٍ وجده في السوق فسأل رسولَ الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم فقال: «هَذَا رِزْقُ اللهِ فَاشْتَرِ بِهِ دَقِيقًا وَلَحْمًا»، فأكل منه رسولُ الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وعليٌّ وفاطمةُ، ثمَّ جاء صاحبُ الدِّينار ينشر الدينار فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «يَا عَلِيُّ أَدِّ الدِّينَارَ»(٩)، وإذا كان دون الدينار ينتفع به دون تعريف فالقليل التافه يُنتفَع به من بابٍ أَوْلَى.

وإذا وجد اللقطة في المسجد أو في محلٍّ فيه مسئولٌ عن الأمانات الضائعةِ فسلَّمها للإمام أو المسئولِ عن هذه الأمانات فإنه -والحال هذه- يقوم مقامَه في أحكام اللقطة.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٦ ربيع الثاني ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٢ ماي ٢٠٠٨م


(١) أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب اللقطة، باب إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردها عليه: (٢٣٠٤)، ومسلم في «صحيحه» كتاب اللقطة، باب معرفة العفاص والوكاء وحكم ضالة الغنم والإبل: (٤٥٠٢)، واللفظ له، من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه.

(٢) عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَليَقل: لاَ رَدَّهَا الله عَلَيْكَ. فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهٰذَا». أخرجه مسلم في «صحيحه»، كتاب: المساجد، باب النهي عن نشد الضالة في المسجد، وما يقوله من سمع الناشد: (١٢٦٠). 

(٣) أخرجه أبو داود في «سننه» كتاب الإجارة، باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده: (٣٥٣٥)، والترمذي في «سننه» كتاب البيوع: (١٢٦٤)، والدارمي في «سننه»: (٢٤٩٩)، والحاكم في «المستدرك»: (٢٢٩٦)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (٥١): «قال ابن ماجه: وله طرق ستة كلها ضعيفة، قلت: لكن بانضمامها يقوى الحديث». وصححه الألباني بمجموع طرقه في «السلسلة الصحيحة»: (٤٢٣).

(٤) «الإجماع» لابن المنذر: (١١٧).

(٥) أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب اللقطة، باب وإذا أخبره رب اللقطة بالعلامة دفع إليه: (٢٢٩٤)، وأبو داود في «سننه» كتاب اللقطة: (١٧٠١)، والترمذي في «سننه» كتاب الأحكام، باب ما جاء في اللقطة وضالة الإبل والغنم: (١٣٧٤)، من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه.

(٦) «الإجماع» لابن المنذر: (١١٨).

(٧) أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب اللقطة، باب إذا وجد تمرة في الطريق: (٢٢٩٩)، ومسلم في «صحيحه» كتاب الزكاة، باب تحريم الزكاة على رسول الله وعلى آله: (٢٤٧٨)، من حديث أنس رضي الله عنه.

(٨) أخرجه أبو داود في «سننه» كتاب اللقطة: (١٧١٧)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (١١٨٧٨)، من حديث جابر رضي الله عنه. والحديث ضعفه الألباني في «الإرواء»: (٦/ ١٥).

(٩) أخرجه أبو داود في «سننه» كتاب اللقطة: (١٧١٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (١٢٣٢٥)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، والحديث حسنه ابن حجر في «التلخيص الحبير»: (٣/ ١٦٥)، والألباني في «صحيح أبي داود»: (١/ ٣٢٢).