في ثنائية تقسيم المياه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 20 ربيع الأول 1441 هـ الموافق لـ 17 نوفمبر 2019 م



الفتوى رقم:٩٦٧

الصنف: فتاوى الطهارة - المياه والنجاسات

في ثنائية تقسيم المياه

السؤال:

هل المياهُ تنقسم إلى: طَهورٍ وطاهرٍ ونجسٍ، أم إلى: طَهورٍ ونجسٍ؟ أريد ـ مِنْ فضيلتكم ـ أَنْ تُبيِّنوا لي: أيُّ القسمتين أصحُّ؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّ «الطاهر» مِنَ القسمة الثلاثيةِ لا وجودَ له في الشريعة؛ إذ لم تَرِدْ به الأخبارُ مع توفُّرِ الدواعي إلى نقلِه لو كان ثابتًا؛ وذلك لحاجةِ الناس إلى معرفته؛ لأنه إمَّا أَنْ يتطهَّر بهذا الماءِ فهو طَهورٌ، أو يَعْدِلَ عنه إلى التيمُّم؛ فتَبيَّنَ ثنائيةُ قسمة المياه إلى: طَهورٍ ونجسٍ: فما تَغيَّرَ بنجاسةٍ فهو نجسٌ، وما لم يَتغيَّرْ بنجاسةٍ فهو طَهورٌ، وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد في روايةٍ صوَّبها ابنُ تيمية رحمهم الله جميعًا(١).

هذا، ويدلُّ عليه عمومُ قوله تعالى: ﴿فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ[النساء: ٤٣؛ المائدة: ٦]، فهو شاملٌ للماء المطلق والمقيَّد والمستعمَل وغيرِه؛ لأنَّ لفظَ: «ماء» ـ في الآيةِ ـ نكرةٌ في سياق النفي تعمُّ كُلَّ ما هو ماءٌ، لا فَرْقَ بين نوعٍ وآخَرَ، ولأنه صلَّى الله عليه وسلَّم عندما سُئِلَ عن ماء البحر قال: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ»(٢)، ومع حصول تغيير طَعْمِ البحر وشِدَّةِ ملوحته سمَّاهُ طَهورًا، وما كان دونه في التغيُّر أَوْلَى بهذا الاسْمِ، وقد ثَبَتَ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَمَرَ بِغَسْلِ المُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ(٣)، كما أَمَرَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بِغَسْلِ ابْنَتِهِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ(٤)؛ فلو كان التغييرُ بالسِّدر المُضافِ يُفْسِدُ الماءَ وينقله إلى طاهرٍ غيرِ مُطهِّرٍ لم يأمر به، وكذلك ما رَوَتْهُ أمُّ هانئٍ رضي الله عنها: «أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اغْتَسَلَ وَمَيْمُونَةَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فِي قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ العَجِينِ»(٥). وهذا يدلُّ على أنَّ الماء المتغيِّرَ بالطاهرات كالعجين والسِّدر والأُشْنان(٦) والصابون لا يُؤثِّرُ في طهوريته ما دام يُسمَّى ماءً، سواءٌ كان التغييرُ أصليًّا كماء البحر، أو طارئًا عليه بفعلِ فاعلٍ كوضع الملح فيه أو التمرِ أو نحوِ ذلك، وسواءٌ كان التغييرُ يشقُّ الاحترازُ منه أو لا يشقُّ، ما لم يَغْلِبْ على الماءِ أجزاءُ غيرِه، وهذا هو المذهبُ الصحيحُ في المسألة ـ إِنْ شاء الله ـ خلافًا لمذهب مالكٍ والشافعيِّ وأحمد في إحدى الروايتين عنه(٧).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٧ مِنْ ذي الحجَّة ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٥ ديسمبر ٢٠٠٨م

 


(١) انظر: «المغني» لابن قدامة (١/ ١٢)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٩/ ٢٣٦، ٢١/ ٢٤ ـ ٢٥)، «بدائع الصنائع» للكاساني (١/ ١٥).

(٢) أخرجه أبو داود في «الطهارة» باب الوضوء بماء البحر (٨٣)، والترمذيُّ في «الطهارة» بابُ ما جاء في ماء البحر أنه طَهورٌ (٦٩)، والنسائيُّ في «الطهارة» بابُ ماء البحر (٥٩)، وابنُ ماجه في «الطهارة وسننها» باب الوضوء بماء البحر (٣٨٦)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. قال ابنُ عبد البرِّ في «الاستذكار» (١/ ١٥٨): «اختلف العلماء في هذا الإسناد، فقال محمَّد بنُ عيسى الترمذيُّ: سألتُ البخاريَّ عنه فقال: حديثٌ صحيحٌ»، وصحَّحه ـ أيضًا ـ: النوويُّ في «المجموع» (١/ ٨٢)، والألبانيُّ في «الإرواء» (١/ ٤٢) رقم: (٩).

(٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الجنائز» باب الكفن في ثوبين (١٢٦٥)، ومسلمٌ في «الحجِّ» (١٢٠٦)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٤) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الجنائز» بابُ غَسْلِ الميِّت ووُضوئه بالماء والسِّدر (١٢٥٣)، ومسلمٌ في «الجنائز» (٩٣٩)، مِنْ حديثِ أمِّ عطيَّة رضي الله عنها.

(٥) أخرجه النسائيُّ في «الطهارة» بابُ ذِكْرِ الاغتسال في القصعة التي يُعْجَنُ فيها (٢٤٠)، وابنُ ماجه في «الطهارة وسننها»باب الرجل والمرأةِ يغتسلان مِنْ إناءٍ واحدٍ (٣٧٨)، مِنْ حديثِ أمِّ هانئٍ رضي الله عنها. وصحَّحه النوويُّ في «الخلاصة» (١/ ٦٧)، والألبانيُّ في «الإرواء» (١/ ٦٤).

(٦) الأُشْنان: شجرٌ مِنَ الفصيلة الرمرامية، ينبت في الأرض الرملية، يُستعمَلُ هو أو رمادُه في غَسْلِ الثياب والأيدي، [انظر: «المعجم الوسيط» (١/ ١٩)].

(٧) انظر: «الكافي» لابن عبد البرِّ (١٥)، «المغني» لابن قدامة (١/ ١٢)، «منهاج الطالبين» للنووي (٣).