إرشاد واستنهاض | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 23 ربيع الأول 1441 هـ الموافق لـ 20 نوفمبر 2019 م

[الحلقة الثالثة]

(١)

 

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقَدْ قال الشيخ عبد الحميد بن باديس ـ رحمه الله ـ:

«قَدْ رَبَطَ اللهُ بَيْنَ الْأَسْبَابِ وَمُسَبَّبَاتِهَا ـ خَلْقًا وَقَدَرًا ـ(٢) بِمَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ(٣)؛ لِنَهْتَدِيَ بِالْأَسْبَابِ إِلَى مُسَبَّبَاتِهَا، وَنَجْتَنِبَهَا بِاجْتِنَابِ أَسْبَابِهَا.

وَقَدْ عَرَّفَنَا ـ فِي الْآيَاتِ المُتَقَدِّمَةِ(٤) ـ بِأَسْبَابِ الْهَلَاكِ وَالْعَذَابِ؛ لِنَتَّقِيَ تِلْكَ الْأَسْبَابَ فَنَسْلَمَ، أَوْ نُقْلِعَ عَنْهَا فَنَنْجُوَ؛ فَإِنَّ بُطْلَانَ السَّبَبِ يَقْتَضِي بُطْلَانَ المُسَبَّبِ(٥)؛ وَقَدْ ذَكَرَ لَنَا فِي كِتَابِهِ أُمَّةً(٦) أَقْلَعَتْ عَنْ سَبَبِ الْعَذَابِ فَارْتَفَعَ عَنْهَا بَعْدَ مَا كَادَ(٧) يَنْزِلُ بِهَا؛ لِيُؤَكِّدَ لَنَا أَنَّ الْإِقْلَاعَ عَنِ السَّبَبِ يُنْجِي مِنَ المُسَبَّبِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَّا قَوۡمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ ٩٨[يونس](٨)، فَبِمُبَادَرَتِهِمْ(٩) لِلْإِيمَانِ وَإِقْلَاعِهِمْ عَنِ الْكُفْرِ كَشَفَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ(١٠)؛ وَأَرْشَدَنَا ـ فِي ضِمْنِ هَذَا ـ إِلَى الْعِلَاجِ النَّاجِعِ فِي كَشْفِ الْعَذَابِ وَإِبْطَالِ أَسْبَابِهِ وَهُوَ الْإِيمَانُ؛ كَمَا أَرْشَدَنَا إِلَيْهِ ـ أَيْضًا ـ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى قَبْلَ هَذَا: ﴿فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡيَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ[يونس: ٩٨](١١)، أَيْ: نَجَّاهَا مِنَ الْعَذَابِ، وَذَكَرَ قَوْمَ يُونُسَ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ؛ وَأَرْشَدَنَا إِلَيْهَا ـ أَيْضًا ـ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ[الأعراف: ٩٦]؛ فَالْإِيمَانُ وَالتَّقْوَى هُمَا الْعِلَاجُ الْوَحِيدُ لَنَا مِنْ حَالَتِنَا؛ لِأَنَّنَا إِذَا الْتَزَمْنَاهُمَا نَكُونُ قَدْ أَقْلَعْنَا عَنْ أَسْبَابِ الْعَذَابِ؛ وَلَا نَنْهَضُ بِهَذَا الْعِلَاجِ الْعَظِيمِ إِلَّا إِذَا قُمْنَا مُتَعَاوِنِينَ ـ أَفْرَادًا وَجَمَاعَاتٍ(١٢) ـ فَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ ذَلِكَ نُصْبَ عَيْنَيْهِ، وَبَدَأَ بِهِ فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ فِي مَنْ إِلَيْهِ ثُمَّ فِي مَنْ يَلِيهِ مِنْ عَشِيرَتِهِ وَقَوْمِهِ، ثُمَّ جَمِيعِ أَهْلِ مِلَّتِهِ؛ فَمَنْ جَعَلَ هَذَا مِنْ هَمِّهِ، وَأَعْطَاهُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ سَعْيِهِ؛ كَانَ خَلِيقًا أَنْ يَصِلَ إِلَى غَايَتِهِ أَوْ يَقْرُبَ مِنْهَا.

وَلْنَبْدَأْ مِنَ الْإِيمَانِ بِتَطْهِيرِ عَقَائِدِنَا مِنَ الشِّرْكِ، وَأَخْلَاقِنَا مِنَ الْفَسَادِ، وَأَعْمَالِنَا مِنَ المُخَالَفَاتِ.

وَلْنَسْتَشْعِرْ أُخُوَّةَ الْإِيمَانِ الَّتِي تَجْعَلُنَا كَجَسَدٍ وَاحِدٍ(١٣)، وَلْنَشْرَعْ فِي ذَلِكَ غَيْرَ مُحْتَقِرِينَ لِأَنْفُسِنَا، وَلَا قَانِطِينَ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّنَا، وَلَا مُسْتَقِلِّينَ لِمَا نُزِيلُهُ ـ كُلَّ يَوْمٍ ـ مِنْ فَسَادِنَا؛ فَبِدَوَامِ السَّعْيِ وَاسْتِمْرَارِهِ يَأْتِي ذَلِكَ الْقَلِيلُ مِنَ الْإِصْلَاحِ عَلَى صَرْحِ الْفَسَادِ الْعَظِيمِ مِنْ أَصْلِهِ.

وَلْيَكُنْ دَلِيلَنَا فِي ذَلِكَ وَإِمَامَنَا: كِتَابُ رَبِّنَا وَسُنَّةُ نَبِيِّنَا، وَسِيرَةُ صَالِحِ سَلَفِنَا؛ فَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَا يُعَرِّفُنَا بِالْحَقِّ، وَيُبَصِّرُنَا فِي الْعِلْمِ، وَيُفَقِّهُنَا فِي الدِّينِ، وَيَهْدِينَا إِلَى الْأَخْذِ بِأَسْبَابِ الْقُوَّةِ وَالْعِزِّ وَالسِّيَادَةِ الْعَادِلَةِ فِي الدُّنْيَا(١٤)، وَنَيْلِ السَّعَادَةِ الْكُبْرَى فِي الْأُخْرَى؛ وَلَيْسَ هَذَا عَنِ الْعَامِلِينَ بِبَعِيدٍ، وَمَا هُوَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ».

 



(١) «آثار الإمام عبد الحميد بنِ باديس» (١/ ٢٩٩).

(٢) لم يجعل اللهُ سبحانه الأسبابَ مَحَلَّ حكمتِه في أمره الكونيِّ القَدَريِّ فحَسْبُ، بل جَعَلها في أمره الدِّينيِّ الشرعيِّ، ومَحَلَّ مُلْكه وتصرُّفه؛ وجَحْدُ الأسبابِ قدحٌ في العقول الصحيحة، وطعنٌ في الفِطَر السليمة؛ قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ في [«شفاء العليل» (٢/ ٥٣٢)]: «فإنكار الأسباب والقُوَى والطبائعِ جحدٌ للضروريَّات، وقدحٌ في العقول والفِطَر، ومُكابَرةٌ للحِسِّ، وجحدٌ للشرع والجزاء... بل الموجوداتُ كُلُّها أسبابٌ ومُسبَّباتٌ، والشرعُ كُلُّه أسبابٌ ومُسبَّباتٌ، والمقاديرُ أسبابٌ ومُسبَّباتٌ، والقَدَرُ جارٍ عليها مُتصرِّفٌ فيها، فالأسبابُ مَحَلُّ الشرعِ والقَدَر» [بتصرُّف].

(٣) أهلُ السُّنَّة يُقِرُّون بالقَدَر والشرع، ويُثْبِتون الحكمةَ والتعليل في خَلْق الله، كما يُقِرُّون بما جَعَله سبحانه مِنَ الأسباب والمصالح التي جَعَلها رحمةً للعباد؛ فكُلُّ ما خَلَقه اللهُ تعالى فيه حكمةٌ؛ قال تعالى: ﴿صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍ[النمل: ٨٨]، وقد وَصَف اللهُ نَفْسَه بالحكمة في غيرِ موضعٍ، ونزَّه نَفْسَه عن الفحشاء فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِ[الأعراف: ٢٨]، ونزَّه نَفْسَه عن التسوية بين الخير والشرِّ فقال: ﴿أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ كَٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٥[القلم]، وقال سبحانه: ﴿أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِينَ كَٱلۡفُجَّارِ ٢٨[ص].

وهذا بخلافِ ما عليه الجهميَّةُ والأشاعرة ومَنْ وافقهم، الذين يَنْفون الحكمةَ والتعليل في أفعاله سبحانه، فلم يُثْبِتوا إلَّا إرادةً بلا حكمةٍ، فقالوا: إنَّ الله يأمر وينهى لا لحكمةٍ، ولا يخلق اللهُ تعالى شيئًا لحكمةٍ، لكنَّ نَفْسَ المشيئة أَوجَبَتْ وقوعَ ما وَقَع؛ فهُمْ لا يُثْبِتون إلَّا مَحْضَ الإرادةِ بلا حكمةٍ، وأَثْبَتوا مشيئةَ الله سبحانه بلا رحمةٍ ولا محبَّةٍ ولا رِضًا؛ وفسادُ هذا القولِ ظاهرٌ، عُلِم بطلانُه بأدلَّة الكتاب والسُّنَّة وإجماعِ سلفِ الأمَّة، وهو مُخالِفٌ للمعقول الصريح، [انظر تفصيلَ ذلك في: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٨/ ١٤٥، ٤٣٤)، «شفاء العليل» لابن القيِّم (٢/ ٥٣٧) وما بعدها].

(٤) يقصد المُصنِّفُ ـ رحمه الله ـ الآياتِ الواردةَ في مقاله الموسوم ﺑ: «إيضاح وتعليل» في [«الآثار» (١/ ٢٩٧ ـ ٢٩٨)]، وهي: ﴿وَتِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰٓ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ[الكهف: ٥٩]، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ ١١٧[هود]، ﴿وَمَا كُنَّا مُهۡلِكِي ٱلۡقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهۡلُهَا ظَٰلِمُونَ ٥٩[القَصص]، ﴿وَكَمۡ قَصَمۡنَا مِن قَرۡيَةٖ كَانَتۡ ظَالِمَةٗ[الأنبياء: ١١]، ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ عَتَتۡ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِۦ فَحَاسَبۡنَٰهَا حِسَابٗا شَدِيدٗا وَعَذَّبۡنَٰهَا عَذَابٗا نُّكۡرٗا ٨[الطلاق]، ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ١١٢[النحل]، وخَتَمها بقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٤٦[فُصِّلَتْ].

(٥) مُرادُه: أنه إِنْ عُدِم السببُ الذي يدخل تحت قدرة المكلَّف وفعلِه عُدِم الحكمُ وهو المسبَّب، والسببُ ـ مِنْ هذه الحيثيَّة ـ يتَّفِق مع الشرط في تأثيرِ عدمه في الحكم، بخلاف المانع الذي يؤثِّر وجودُه في الحكم، وهذه الأوصاف الثلاثة ثابتةٌ للحكم الوضعيِّ باتِّفاقٍ، وقد يَشْمَلُها جميعًا إطلاقُ لفظةِ «الأسباب» عليها أو «الشروط»، وتكون سابقةً للحكم التكليفيِّ أو مُقارِنةً له، بينما الصحَّةُ والبطلان والرخصة والعزيمة تكون أثرًا لاحقًا للحكم التكليفيِّ؛ لذلك فالتعبيرُ بأنَّ عَدَمَ السبب يَلْزَم منه عدمُ المسبَّب أَوْلى تعبيرًا مِنَ القول بأنَّ بطلان السبب يقتضي بطلانَ المسبَّب؛ لأنَّ البطلان أثرٌ لاحقٌ للحكم والسببَ سابقٌ عليه، والعلمُ عند الله تعالى.

(٦) هذه الأمَّة هي أهلُ «نِينَوَى» وهي قريةُ يونس بنِ مَتَّى عليه السلام، وهي واقعةٌ بالمَوْصِل: تُقابِلُها مِنَ الجانب الشرقيِّ، بينهما دِجْلةُ، وقد كانوا مائةَ ألفٍ أو يزيدون، [انظر: «مُعجَم البلدان» للحَمَوي (٥/ ٣٣٩)، «مراصد الاطِّلاع» للصفِّي البغدادي (٣/ ١٤١٤)، «الروض المِعْطار» للحِمْيَري (٥٨٥)]، دَعَاهم يونسُ بنُ مَتَّى عليه السلام إلى الله تعالى فكذَّبوه وتمرَّدوا عليه بكفرهم وعِنادهم، وذلك سببُ العذاب الذي وَعَدهم حلولَه بهم بعد ثلاثةِ أيَّامٍ، فلمَّا خَرَج مِنْ بين أَظْهُرِهم وأَيْقنوا نزولَ العذاب بهم قَذَف اللهُ في قلوبهم التوبةَ والإنابة، وبادروا إلى الإيمان، ونَدِموا على ما كان منهم إلى نبيِّهم قبل أَنْ يَرَوُا العذابَ؛ فكَشَف اللهُ تعالى عنهم العذابَ بحَوْله ورحمتِه، [انظر: «تفسير القرطبي» (٨/ ٣٨٣)، «تفسير ابن كثير» (٢/ ٤٣٢)].

(٧) وفي الأصل: «كان»، ولعلَّ الصوابَ ما أَثبَتُّه.

(٨) يُستفادُ مِنْ دلالةِ مفهوم المخالفة مِنَ الآية: أنَّ إيمانَ قومِ يونس عليه السلام إنما نَفَعهم في الدنيا دون الآخرة على أحَدِ قولَيْ أهل التفسير، حيث كَشَف اللهُ تعالى العذابَ عنهم ومتَّعَهم في الدنيا إلى حينٍ معلومٍ قدَّره لهم، وهو منتهى آجالهم؛ والأظهرُ أنَّ المَتاع إلى حينٍ لا ينفي أَنْ يكون معه غيرُه مِنْ رفع العذاب الأُخْرويِّ، وخاصَّةً وأنه تعالى أَطلقَ عليهم اسْمَ الإيمان مِنْ غيرِ قيدٍ في سورة الصافَّات: ﴿وَأَرۡسَلۡنَٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلۡفٍ أَوۡ يَزِيدُونَ ١٤٧ فَ‍َٔامَنُواْ فَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ ١٤٨[الصافَّات]، ولا يخفى أنَّ الإيمان مُنقِذٌ مِنْ عذاب الدنيا وعذابِ الآخرة، [انظر: «قَصص الأنبياء» لابن كثير (٢٤٤)، «أضواء البيان» للشنقيطي (٢/ ٤٩١)].

(٩) وفي الأصل: «فبمادرتهم»: خطأٌ مطبعيٌّ سقطَتْ فيه الباءُ الثانية.

(١٠) الظاهر ـ مِنْ عموم الآيات القرآنية ـ أنَّ الله تعالى لم يكشف العذابَ عن قومِ يونس عليه السلام بسببِ مُبادَرَتِهم للإيمان وإقلاعِهم عن الكفر فحَسْبُ، وإنما بعد تحصيلهم الإيمانَ وقبل رؤيتهم العذابَ، أو عند أوَّلِ المُعايَنة قبل حلوله بهم؛ ذلك لأنَّ المعهود مِنْ سُنَّة الله في عِباده: عدمُ قَبولِ توبة الكافر بعد رؤيتِه العذابَ وحصولِ العلم الضروريِّ، فلا ينفع إيمانٌ بعد مُعايَنة العذاب؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوۡاْ بَأۡسَنَا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥ وَكَفَرۡنَا بِمَا كُنَّا بِهِۦ مُشۡرِكِينَ ٨٤ فَلَمۡ يَكُ يَنفَعُهُمۡ إِيمَٰنُهُمۡ لَمَّا رَأَوۡاْ بَأۡسَنَاۖ سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدۡ خَلَتۡ فِي عِبَادِهِۦۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٥[غافر]، وقال تعالى: ﴿وَلَيۡسَتِ ٱلتَّوۡبَةُ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّ‍َٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ إِنِّي تُبۡتُ ٱلۡـَٰٔنَ[النساء: ١٨]؛ فنَفَى سبحانه أَنْ يدخل في حكم التائبين مَنْ حَضَرَه الموتُ وصار في حينِ البأسِ كما كان عليه أمرُ فرعون، فلم ينفعه ما أَظهرَ مِنَ الإيمان؛ إذ التوبةُ في ذلك الوقتِ لا تنفع؛ لأنها حال زوال التكليف؛ لذلك لم يكن حكمُ الله تعالى في قومِ يونس عليه السلام كحكمه في غيرهم.

(١١) و﴿لَوْلَا﴾ في الآية هي التحضيضيَّة التي بمعنَى «هلَّا»، أي: هلَّا وُجِدَتْ قريةٌ واحدةٌ مِنَ القرى فيما سَلَفَ مِنَ القرون التي أهلَكْناها آمنَتْ بكمالها إيمانًا مُعْتَدًّا به، خالصًا لله قبل حلول العذاب بهم، باستثناءِ قومِ يونس عليه السلام: لمَّا آمنوا ـ قبل مُعايَنةِ العذاب أو عند أوَّلِ المعاينة قبل حلوله بهم ـ كَشَفْنا عنهم عذابَ الخزي في الحياة الدنيا؛ والاستثناءُ فيه مُنقطِعٌ كما هو ظاهرٌ، [انظر: «تفسير القرطبي» (٨/ ٣٨٣)، «فتح القدير» للشوكاني (٢/ ٤٧٤)].

(١٢) لا تقوم ولايةُ المؤمنين إلَّا على صدق الإيمان بالله وتنفيذِ أوامره وإقامةِ شرعِه، وهو ما عَنَاهُ الشيخ ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ بالإيمان والتقوى والتعاونِ عليهما، وبهذا يكون تأييدُ الله للمؤمنين ورحمتُه بهم، وقد جاء في القرآنِ تبصيرُ الناسِ بمُقتضَيَات الإيمان وسُبُلِ المؤازرة وغايتِها؛ قال تعالى: ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٧١[التوبة].

(١٣) الأُخُوَّة الصادقة تَستمِدُّ أصالتَها مِنَ الإيمان بالله، وتتماسك وحدتُها بعبادة الله وَحْدَه لا شريكَ له، ضِمْنَ عقيدةٍ سليمةٍ مُوحَّدةٍ تجمع أصحابَها برباطٍ واحدٍ، وتجعلهم مُتماسِكين كالبنيان يَشُدُّ بعضُه بعضًا، وكالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تَداعى له سائرُ الأعضاء بالسهر والحُمَّى؛ ومِنْ خلالها يتحقَّق إصلاحُ ذاتِ البَيْنِ والتعاونُ على البِرِّ والتقوى، وتبعث في نفوس الإخوة المُتعاوِنين طاقةً للعمل في إطارِ شريعة الله المُحكمة، تنصر الحقَّ حيث كان، وتُبْطِلُ الباطلَ مهما كان.

فسببُ تفرُّق المسلمين وتصدُّعِ أُخُوَّتهم يكمن ـ أساسًا ـ في فساد الاعتقاد، نتيجةَ التخلِّي عن كتاب الله وسُنَّةِ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، والبعدِ عمَّا كان عليه سلفُ الأمَّة مِنَ الاعتقاد الصحيح، والخُلُقِ القويم، والإخلاصِ والمتابعة؛ فبهذا أَعزَّ اللهُ الإسلامَ والسُّنَّة، وجَمَع شَمْلَ المسلمين، وأَظهرَهم على الشرك والمشركين، وأَنقذَهم مِنْ حيرة الشَّتات والفُرقة، ومِنْ موجة التمزُّق والضعف والهوان التي اجتاحَتْ بلادَ المسلمين بعد تَغلغُلِ المذاهب المُنحرِفة، فنَشَر فيها العدلَ والقسط، وعمَّ البلادَ الرَّخاءُ والأمنُ تحت راية التوحيد والسُّنَّة، [انظر مقالتي: «تبيين الحقائق للسالك لتَوَقِّي طُرُق الغواية وأسبابِ المهالك» مطبوعةٌ مع «تسليط الأضواء» (ص ٥٣)].

(١٤) إنَّ سُنَنَ الله ثابتةٌ لا تقبل التبديلَ والتحويل، ولا تخضع لرَغَباتِ الناس وأَمَانِيِّهم وأحلامهم، فقَدْ جَعَل اللهُ للعِزِّ أسبابًا وللذلِّ أخرى؛ وما مِنْ سببٍ مِنْ أسباب العزَّة إلَّا دلَّنا عليه، ودَعَانا إليه، ورغَّبَنا فيه، ووَعَدنا بالإثابة عليه، وبيَّن لنا نتائجَه وأثرَه على أَنْفُسِنا وعلى مَنْ سَبَق مِنَ الأُمَم قبلنا؛ وما مِنْ سببٍ مِنْ أسباب الذلِّ والهوان إلَّا حذَّرَنا منه، وأَمَرنا باجتنابه، وأَظهرَ لنا خطورتَه وسُوءَ عاقِبَتِه في أَنْفُسنا وفي الأُمَم التي خَلَتْ مِنْ قبلنا؛ قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٥٣[الأنفال].

هذا، والإسلام لا يرضى لنا الذلَّ والهوان، بل أَمَرَنا بتحصيلِ مَطالِب العزَّة الدِّينيَّة، التي تكمن في الاعتصام بالقرآن الكريم وما يدعو إليه مِنْ دواعي العزَّة وأسبابِ النصر؛ فبِردِّ حياتِنا إليه وإقامةِ روابطنا عليه، وتصحيحِ واقعِنا به، واجتماعِ أُمَّتنا على كلمةٍ سواءٍ، تلك الكلمة التي نادى بها رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بأمرٍ مِنْ ربِّه: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۢ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡ‍ٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ[آل عمران: ٦٤]، فبتلك الكلمةِ يَتِمُّ التمكينُ في الأرض والاستخلافُ فيها، ويتحقَّق الأمنُ بعد الخوف؛ قال تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡ‍ٔٗا[النور: ٥٥].

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠١ ربيع الأوَّل ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ٣٠ مارس ٢٠٠٦م