في حكمِ تعليقِ القُمصانِ والجلابيب والخُمُر على جدارِ المسجدِ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 20 شعبان 1445 هـ الموافق لـ 01 مارس 2024 م

الفتوى رقم: ١٣٥٦

الصنف: فتاوى الصلاة ـ المساجد

في حكمِ تعليقِ القُمصانِ والجلابيب والخُمُر على جدارِ المسجدِ

السؤال:

ما حكمُ تعليقِ اللِّباسِ الفضفاضِ والجُبَبِ أو الجِبَابِ والأقمصةِ ونحوِها الخاصَّةِ بالصَّلاةِ على جدارِ المَسجدِ مِنْ أجل ارتدائِها للصلاة؟ إذ إنَّ مِنَ المُصلِّينَ مَنْ يَلبَسُ بنطالًا يُحجِّم عورتَه أو يرتدي لباسًا ضَيِّقًا يَصِفُ تفاصيلَ جسمِه ويدخل به في الصَّلاة، وقد تنكشفُ عورتُه في أثناء الرُّكوعِ والسُّجودِ خاصَّةً، الأمرُ الذي يُعرِّضُ صلاتَه للنُّقصانِ أو للبطلانِ، وكذلك حكمُ تعليقِ الدُّروعِ والجلابيبِ والخُمُرِ في جدارِ مُصلَّى النِّساءِ لأجل النِّساء اللَّواتي يدخلنَ المَسجدَ مُتبرِّجاتٍ لغرضِ أداءِ الصَّلاةِ.

وقد تضاربتِ الأقوالُ ـ عندنا ـ بين مُعارِضٍ جعَلَ تعليقَ القمصانِ في المَسجدِ مِنَ البِدَعِ المُحْدَثةِ، وبين مُؤَيِّدٍ عَدَّها مِنَ المَصلحةِ المُرسَلةِ وأدخلها في بابِ التَّعاونِ على البِرِّ والتَّقوَى، فما هو الحكمُ الذي ترَوْنه صحيحًا مِنَ القولينِ السَّابقينِ؟ وجزاكم ـ عنَّا ـ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّ تعليقَ الألبسةِ والقُمصانِ في المَساجدِ ولُبْسَها عندَ حضورِ الصَّلاةِ والتَّخلِّيَ عنها بَعد الانتهاءِ منها لم يكُن معهودًا في مساجدِ الأزمنةِ الأُولى ولا جَرَى عليهِ عملُ السَّلف، لأنَّ المَساجدَ لم تُبْنَ لوضعِ الودائعِ والأغراضِ وتكديسِ السِّلَعِ فيها، ولا لتعليقِ الألبسةِ والأقمصةِ على جدرانِها، إذ لا يتوافقُ ذلكَ مع رسالةِ المَساجدِ وعمارتِها؛ لأنَّ المساجدَ «إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ»(١).

والقولُ بأنَّ «تعليقَ القُمصانِ معدودٌ مِنَ المَصالحِ المُرسَلةِ وأنَّهُ داخلٌ في التَّعاونِ على البِّرِ والتَّقوى» لا يستقيمُ مِنْ كُلِّ وجهٍ؛ لأنَّ مِنْ شَرْطِ العملِ بالمَصلحةِ: أَنْ تكونَ مَعقولةً بذاتِها بحيثُ لو عُرِضَتْ على العقولِ السَّليمةِ لَتلقَّتْهَا بالقَبولِ ولَمَا حصَلَ فيهَا التَّضاربُ والخِلاف، بلِ الظَّاهرُ أنَّها مصلحةٌ مُلغاةٌ غيرُ مُعتدٍّ بها لعدمِ وُرودِ الشَّرعِ باعتبارِها مع وجودِ مُقتضِيها في عهد النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وانتفاءِ المانع منها مِنْ جهةٍ، وعدمِ اعتدادِ الشَّرعِ بها ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ ولا مُراعاتِها في الأحكام الشرعيَّة؛ وخاصَّةً مع الحالةِ الَّتي كان عليها الصَّحابةُ الكرامُ مِنْ فَقرٍ وعَوَزٍ وحاجةٍ؛ إذ قد يتعسَّر على أحَدِهم أَنْ يجد ثوبًا أو لباسًا يَستُرُه السُّترةَ الواجبةَ في الصَّلاة، وقد عَلِمَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنْ حالِهِم أنَّ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا واحِدًا فَأَقَرَّهُمْ عَلى الصَّلاةِ به، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبانِ»(٢)؛ وكذلك مِنَ الصَّحابيَّات مَنْ لا تجد ما تَخرُجُ به إلى المُصلَّى على ما ثبَتَ مِنْ حديثِ أمِّ عطيَّةَ رضي الله عنها: «أُمِرْنَا أنْ نُخْرِجَ الحُيَّضَ يَوْمَ العِيدَيْنِ وذَوَاتِ الخُدُورِ، فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ ودَعْوَتَهُمْ، ويَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ، قَالَتِ امْرَأَةٌ: «يَا رَسولَ اللَّهِ إحْدَانَا ليسَ لَهَا جِلْبَابٌ؟» قالَ: «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِن جِلْبَابِهَا»»(٣)؛ علمًا أنَّ المُسلمَ مُكلَّفٌ ـ في صلاتِه وفي غيرِها ـ أَنْ يَستُرَ عَوْرتَه ويكونَ على هيئةٍ حسنةٍ في اللِّباس وغيرِه، لقوله تعالى: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ[الأعراف: ٣١]، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ»(٤).

فضلًا عن ذلك، فإنَّ في القولِ بجوازِ تعليقِ القُمصانِ دعوةً للنَّاس وتشجيعًا لهم على التَّخلِّي عن لُبسِ القُمصانِ والجلابيبِ الساترة في غيرِ الصَّلاةِ، الأمرُ الذي يُبعِدهم عن المَظهرِ الإسلاميِّ ويَطمِسُ شخصيَّتَهم الظَّاهرةَ التي تحمِلُ معانِيَ الاستقامةِ والهديِ الصَّالحِ والسَّمتِ الحَسَن، وتَحُلُّ محلَّها ألبسةُ غيرِ المُسلمينَ في هيئاتِهم ومَظاهرِهم وعاداتِهم الخاصَّةِ بهم، والتي أُمِرْنا أَنْ نُخالفَهم فيها، كما نُهينا عنِ التَّشبُّهِ بهم فيها في قولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»(٥)، وفي قولِه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم لعبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ العاص رضي الله عنهما لمَّا رأى عليه ثوبينِ مُعَصْفَرَينِ فقال: «إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهَا»(٦).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٨ شوَّال ١٤٤٤ﻫ
المُوافق ﻟ: ٠٩ مايو ٢٠٢٣م



(١) رواه مسلمٌ في «الطهارة» (٢٨٥) مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه.

(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصلاة» باب الصلاة في الثوب الواحد مُلتحِفًا به (٣٥٨)، ومسلمٌ في «الصلاة» (٥١٥)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصلاة» بابُ وجوبِ الصلاة في الثياب (٣٥١)، ومسلمٌ في «صلاة العيدين» (٨٩٠)، مِنْ حديثِ أمِّ عطيَّةَ نُسَيْبةَ بنتِ الحارث الأنصاريَّة المازنيَّة رضي الله عنها.

(٤) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (٩١) مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه.

(٥) أخرجه أبو داود في «اللباس» بابٌ في لُبس الشُّهرة (٤٠٣١) مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما، وصحَّحه العراقيُّ في «تخريج الإحياء» (١/ ٣٥٩)، والألبانيُّ في «الإرواء» (١٢٦٩)، وحسَّنه ابنُ حجرٍ في «فتح الباري» (١٠/ ٢٧١).

(٦) أخرجه مسلمٌ في «اللِّباس والزِّينة» (٢٠٧٧)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمرو بنِ العاص السهميِّ رضي الله عنهما.